د. مرشد اليوسف
ثمة ذكريات لا تبهت مهما ابتعدت السنوات، بل تزداد وضوحًا كلما تقدم العمر بالإنسان. وبين عشرات الصور التي تختزنها ذاكرتي عن طفولتي في ريف الدرباسية، ما زالت صورة ذلك اليوم حاضرة كأنها حدثت بالأمس.
كنت يومها طفلًا صغيرًا لم يدخل المدرسة بعد.
كنت أنتمي إلى ذلك العالم الريفي البسيط الذي كانت تحدده حدود القرية والحقول ومواسم الزراعة وأحاديث الكبار في أمسيات الشتاء الطويلة.
لم أكن أعرف الكثير عن العالم الخارجي، لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا: أن المدرسة مكان عظيم، وأن التلاميذ الذين يرتادونها أشخاص يستحقون الاحترام.
في ذلك اليوم كنت عائدًا من الدرباسية إلى قريتنا الواقعة جنوب ناحية الدرباسية بنحو عشرين كيلومترًا. كانت وسيلة النقل عربة خشبية يجرها حصان قوي اعتاد قطع تلك المسافات الطويلة بين القرى.
جلست في العربة أتأمل الطريق الممتد أمامي، بينما كانت عجلاتها الخشبية تصدر صريرًا متناغمًا مع وقع حوافر الحصان على الأرض الترابية.
كان الريف في تلك الأيام عالمًا مختلفًا.
لا طرق معبدة، ولا سيارات كثيرة، ولا ضجيج يقطع سكينة المكان. كانت الحقول تمتد إلى ما لا نهاية، وكانت القرى تبدو كجزر صغيرة وسط بحر من القمح والشعير. وعلى امتداد الطريق كانت أشجار التوت والحور تقف شامخة، شاهدة على حياة أجيال كاملة عاشت على هذه الأرض.
عندما وصلنا إلى قرية القرمانية توقفت العربة لبعض الوقت. نزلت منها متجهًا نحو دكان صغير في طرف القرية. كان الدكان متواضعًا، لكنه بالنسبة للأطفال كان أشبه بسوق كبير مليء بالمغريات.
على رفوفه القليلة كانت تتراص علب البسكويت وأكياس السكاكر وقطع الحلوى الملونة.
أخرجت ما أملكه من نقود قليلةمن جيب الجاكيت الكبير
( جاكيت والدي ) الذي كنت البسه ، واشتريت بعض الحلوى الرخيصة التي كانت آنذاك مصدر فرح لا يوصف للأطفال. كنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أحملها بين يدي.
وفي تلك اللحظة وقع بصري على محمد (الذي أصبح مديرا فيما بعد في مدرسة القرمانية ) أحد أبناء عائلة خوال والدي.
كان تلميذًا في المدرسة.
لا أذكر اليوم تفاصيل ثيابه أو ملامحه بدقة، لكنني أذكر جيدًا الشعور الذي انتابني عندما رأيته.
شعرت نحوه بإعجاب خاص، ليس لأنه غني أو صاحب نفوذ، بل لأنه كان تلميذًا.
في مخيلة الطفل الذي كنته، كان التلميذ يمثل المعرفة والمستقبل والعالم الواسع الذي لم أصل إليه بعد.
لذلك تقدمت نحوه ومددت يدي بالحلوى ودعوته لمشاركتي فيها.
ربما بدا الأمر بسيطًا جدًا في نظر الآخرين، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لي.
كانت تلك الحلوى رسالة احترام صامتة.
كنت أقول له بطريقتي الطفولية:
“أنت تلميذ، وأنا أقدرك لذلك.”
جلسنا لدقائق أمام الدكان نتناول الحلوى( الراحة والبسكوت )، بينما كانت العربة تنتظر موعد مواصلة الرحلة.
لم يكن محمد يعلم أنه أصبح في تلك اللحظة جزءًا من ذكرى سترافقني طوال حياتي.
عادت العربة إلى السير، وعدت أنا إلى العربة .
أخذت أراقب الطريق والقرى والحقول من جديد، لكن شيئًا ما كان قد تغير في داخلي.
كان حلم المدرسة يكبر أكثر فأكثر. كنت أتخيل نفسي أحمل حقيبة مدرسية، وأجلس على مقعد بين التلاميذ، وأتعلم الحروف والكلمات التي كانت تبدو لي آنذاك أسرارًا عظيمة.
اليوم، وبعد مرور العمر بكل ما حمله من أفراح وأحزان وتجارب، أدرك أن تلك اللحظة الصغيرة لم تكن مجرد حادثة عابرة.
لقد كانت واحدة من البدايات الأولى لتقديري للعلم والتعليم. كانت قطعة حلوى متواضعة، لكنها حملت في داخلها حلم طفل ريفي بسيط كان يتطلع إلى عالم أكبر من حدود قريته.
وهكذا بقيت صورة محمد أمام دكان القرمانية، وبقيت تلك الحلوى الرخيصة، شاهدتين على زمن جميل كانت فيه الأشياء الصغيرة قادرة على أن تصنع أحلامًا كبيرة.