عبد الجابر حبيب
لا تُقرأ الأعمال الأدبية الكبيرة بوصفها حكايات تُروى، بل بوصفها أسئلةً تُطرح. وما إن يطوي القارئ الصفحة الأخيرة من “مملكة الغراب” للدكتور عز الدين جلاوجي حتى يدرك أنه لم يكن أمام قصة غراب، ولا أمام صراعٍ بين أشخاص، بل أمام تشريحٍ عميق للكيفية التي تُصنع بها السلطة، وللطريق الطويل الذي تسلكه الخرافة حتى تتحول إلى حقيقةٍ راسخة في وعي الجماهير.
لقد اختار جلاوجي أن يكتب هذا النص بصيغة المسردية، وهو اختيار لا يبدو شكلياً بقدر ما هو ضرورة فنية. فالمسردية، بما تمنحه من حرية في التداخل بين السرد والفعل المسرحي، تسمح للنص بأن يتحرك بين الحكاية والتأمل، وبين المشهد والفكرة، وبين الصورة المسرحية والصوت السردي. وهكذا لا يبقى القارئ أو المتلقي أسيراً لخشبة المسرح، وإنما يجد نفسه داخل فضاءٍ مفتوح تتجاور فيه الأزمنة، وتتقاطع فيه الأصوات، وتتوالد فيه الدلالات.
وهنا تتجلى خصوصية تجربة عز الدين جلاوجي. فهو لا يستخدم المسردية لمجرد التجريب، وإنما يحولها إلى بنية جمالية تتسع للرمز والأسطورة والفلسفة، دون أن تفقد حيويتها الدرامية. فالحوار عنده لا ينقل الأحداث فحسب، بل يكشف ما وراءها، والسرد لا يصف الوقائع، بل يضيء طبقاتها الخفية، حتى يبدو النص وكأنه يدعونا إلى إعادة اكتشاف ما نظنه معروفاً.
ومنذ العنوان يبدأ الاشتغال الرمزي. فليس من المصادفة أن يختار الكاتب الغراب، ذلك الطائر الذي حملته الذاكرة الإنسانية دلالات متناقضة. ففي التراث الديني ارتبط بقصة قابيل وهابيل، حين علَّم الإنسان الأول كيف يواري سوءة أخيه، فكان رسول معرفةٍ قبل أن يكون رسول شؤم. وفي الأساطير الإغريقية ارتبط بالغيب والنبؤة، بينما عدَّته ثقافات أخرى رمزاً للموت أو للحكمة أو للمكر. ولذلك لم يكن الغراب في المخيال الإنساني طائراً عادياً، بل رمزاً شديد الثراء، قابلاً لإعادة التشكل بحسب الثقافة التي تستحضره.
غير أن جلاوجي لا يكرر هذه الرموز، بل يعيد إنتاجها داخل نسقه الفني. فالغراب في «مملكة الغراب» ليس بطلاً، ولا حتى الشخصية الأكثر خطورة. إنه مجرد أداة في منظومة أكبر، وعلامة تُستخدم لإقناع الناس بأن ما جرى ليس من صنع البشر، بل من إرادةٍ أعلى. وهنا يبلغ الرمز ذروة ذكائه؛ إذ لا تصبح المشكلة في الغراب نفسه، وإنما في الإنسان الذي أحسن استثماره.
ولعل هذا ما يجعل المسردية تتجاوز حدودها الزمانية والمكانية. فهي لا تتحدث عن مملكة بعينها، وإنما عن كل سلطة تدرك أن السيطرة على الخيال أكثر دواماً من السيطرة على الأجساد. فالسيف قد يُخضع الناس زمناً، أما الأسطورة فتجعلهم يدافعون عن القيود التي وُضعت في أعناقهم، ويعدونها جزءاً من نظام الكون.
ومن هنا تبدأ الشخصيات في اكتساب أبعادها الرمزية. فـ ناعس وتاعس ليسا اسمين اعتباطيين، وإنما مفتاحان لقراءة النص كله. فالناعس لا يمثل النوم الجسدي، بل غفلة الإنسان الذي يكتشف أن السلطة يمكن أن تكون طريقاً إلى تحقيق رغباته. أما التاعس فلا يمثل الشقاء الفردي، بل الإنسان الذي يتمسك بما يراه حقاً، فيجد نفسه معزولاً كلما اتسعت دائرة الوهم. وهكذا يتحول الاسمان إلى رؤيتين متقابلتين للعالم، أكثر من كونهما شخصيتين تتحركان داخل الحدث.
غير أن الشخصية الأكثر إثارةً للتأويل، في تقديري، هي المرأة التي تتنقل بخفة بين ناعس وتاعس، ثم تمضي إلى تدريب الغراب، قبل أن تدفعه إلى أن يحط فوق رأس الناعس. هذه الشخصية ليست مجرد عنصر درامي يحرك الأحداث، بل هي العقل الخفي الذي يدير اللعبة كلها.
إنها لا تبحث عن الحقيقة، بل عن الفاعلية. ولا يعنيها من يستحق السلطة، بقدر ما يعنيها كيف يمكن صناعة مستحقٍّ لها في نظر الناس. ولذلك فإنها لا تنتظر المعجزة، وإنما تصنعها. تدرب الغراب على الرائحة، وتحدد له هدفه، ثم تترك الجمهور يفسر ما حدث بوصفه اختياراً سماوياً.
إنها لحظة شديدة الكثافة؛ لأن جلاوجي يكشف فيها أن أكثر الأساطير رسوخاً قد تبدأ بحيلة صغيرة، وأن أكثر السلطات قداسةً قد تولد من خدعةٍ أتقنها شخص واحد، ثم آمن بها الجميع. وهكذا لا تعود المرأة شخصيةً ثانويةً في البناء الدرامي، بل تتحول إلى رمزٍ للعقل الذي يعرف كيف يصنع الأسطورة، ثم يترك الجماهير تتولى الدفاع عنها بوصفها حقيقةً لا تقبل الشك.
وإذا كانت المرأة قد تكفلت بصناعة المعجزة، فإن ناعس كان أكثر الشخصيات استعداداً لالتقاطها واستثمارها. فهو في بداية المسردية لا يبدو مشروع ملك، ولا يحمل صفات القائد التقليدي، بل يظهر إنساناً عادياً، وربما هامشياً، تحركه الرغبات الصغيرة أكثر مما تحركه المبادئ الكبيرة. غير أن جلاوجي يقدمه منذ البداية بوصفه شخصيةً قابلةً للتحول، وكأن الاستبداد لا يولد مع الإنسان، وإنما ينمو داخله عندما تتهيأ له الظروف.
ولعل أخطر ما يكشفه النص أن ناعس لم يصنع السلطة وحده، بل وجد مجتمعاً مستعداً لتصديقها. فالعرش لا يقوم على أكتاف الملك وحده، وإنما على أكتاف الذين آمنوا بأن حطَّة غراب فوق رأس رجل يمكن أن تكون دليلاً على اصطفاءٍ سماوي. وهنا يغادر النص حدود الحكاية، ليطرح سؤالاً فلسفياً بالغ القسوة: هل المستبد هو من يصنع الجماهير، أم أن الجماهير هي التي تصنع المستبد حين تبحث عن معجزة تريحها من عبء التفكير؟
وفي المقابل، يقف تاعس بوصفه الضمير الذي يرفض الانخراط في هذه المسرحية الكبرى. إنه لا يملك جيشاً، ولا سلطةً، ولا خطاباً قادراً على تعبئة الجماهير، وإنما يملك شيئاً واحداً هو صوته. ولذلك تبدو صرخته في المسردية أكثر من احتجاج فردي؛ إنها صرخة الحقيقة وهي تواجه آلةً كاملة لإنتاج الوهم.
لكن جلاوجي، بواقعيته المؤلمة، لا يمنح الحقيقة انتصاراً رومانسياً. فصوت تاعس لا يعلو مع تصاعد الأحداث، بل يخفت تدريجياً. وكلما ازدادت الخرافة رسوخاً، ازداد صوته عزلةً. حتى ليبدو أن النص يريد أن يقول إن الحقيقة لا تُهزم دائماً بالقوة، بل قد تُهزم بكثرة المصفقين للوهم.
ومن هنا تكتسب شخصية الحكيم بعداً بالغ الأهمية. ففي الأعمال الأدبية غالباً ما يكون الحكيم ضمير الجماعة، وحارس قيمها، والمرجع الذي يُلجأ إليه عند اختلاط الأمور. أما في “مملكة الغراب” فإن جلاوجي يقلب هذه الصورة رأساً على عقب. فالحكيم لا يبقى حارساً للحقيقة، بل يتحول، شيئاً فشيئاً، إلى أداة تمنح السلطة غطاءً أخلاقياً. وهنا لا يسقط الرجل وحده، بل تسقط الفكرة التي يمثلها.
إن أخطر ما في استبداد السلطة ليس امتلاكها السيف، وإنما قدرتها على تحويل الحكمة إلى خطاب يبرر القهر. وعندما يصبح الحكيم سوطاً في يد الحاكم، لا يعود الناس يميزون بين الحقيقة وما يُفرض عليهم بوصفه حقيقة. عندئذٍ تدخل المملكة أخطر مراحلها؛ مرحلة استلاب الوعي.
وهنا تبرز براعة جلاوجي في بناء شبكة رمزية متماسكة؛ فالمرأة تصنع الأسطورة، والغراب يمنحها العلامة، وناعس يستثمر العلامة، والحكيم يمنحها الشرعية، والجماعة تحولها إلى يقين، بينما يبقى تاعس وحيداً يحاول الدفاع عن الحقيقة في زمنٍ لم يعد يصغي إلا إلى ما يوافق أوهامه.
إنها ليست سلسلةً من الشخصيات، بل سلسلةٌ من الوظائف التي تفسر كيف تتشكل السلطة في المجتمعات. ولذلك لا تبدو الخرافة في المسردية نقيضاً للعقل، بل ثمرةً لعقلٍ استُخدم في الاتجاه الخطأ. فالمرأة لم تنتظر مصادفةً سعيدة، وإنما درَّبت الغراب على الرائحة. وهذه من أعمق الإشارات الرمزية في النص؛ لأنها تكشف أن المعجزات السياسية لا تُولد من السماء، بل تُصنع على الأرض، ثم يُطلب من الناس أن يؤمنوا بأنها قَدَر.
ولعل هذه الفكرة هي التي تمنح “مملكة الغراب” بعدها الإنساني الواسع. فالنص لا يدين طاغيةً بعينه، ولا زمناً بعينه، وإنما يدين قابلية الإنسان لأن يستبدل السؤال بالإجابة الجاهزة، والعقل بالأسطورة، والحرية باليقين الزائف. وما إن تستقر هذه القابلية في النفوس، حتى يصبح الدفاع عن الوهم فعلاً أخلاقياً في نظر أصحابه.
ومن الناحية الفنية، ينجح جلاوجي في أن يجعل الرمز جزءاً من النسيج الدرامي، لا زينةً فكريةً تضاف إلى الأحداث. فكل رمز يؤدي وظيفة داخل الحركة المسرحية، وكل شخصية تتحرك في أكثر من مستوى دلالي، بحيث يمكن قراءة النص مرةً بوصفه حكاية، ومرةً بوصفه نقداً سياسياً، ومرةً بوصفه تأملاً فلسفياً في طبيعة الإنسان. كما أن لغته، بما تحمله من تكثيف وإيقاع ومفارقة وسخرية سوداء، تمنح النص قدرةً على الجمع بين متعة التلقي وعمق التأويل.
وهنا تكمن القيمة الجمالية للمسردية؛ فهي لا تقدم الأفكار في صورة خطب أو شعارات، بل تجعلها تنبثق من الفعل الدرامي نفسه. ولذلك لا يشعر القارئ أنه أمام درسٍ في السياسة أو الفلسفة، وإنما أمام عمل فني يفتح أبواب التأويل كلما أعاد قراءته.
ولعل هذا هو سر بقاء الأعمال الكبرى؛ فهي لا تقدم أجوبةً نهائية، بل تترك أسئلتها مفتوحةً أمام الأزمنة المختلفة. ومن هذا المنطلق، لا تبدو «مملكة الغراب» نصاً عن غرابٍ اعتلى عرشاً، بقدر ما تبدو نصاً عن الإنسان وهو يشارك، بوعيٍ أو بغير وعي، في صناعة القيود التي ستكبله لاحقاً.
لقد بنى عز الدين جلاوجي مملكته من الرمز، لكنه لم يحاكم الغراب، بل حاكم الإنسان. فالغراب لم يكن سوى طائر يؤدي ما دُرِّب عليه، أما الإنسان فكان يعرف، أو كان يستطيع أن يعرف، ومع ذلك آثر أن يصدق العلامة أكثر من الحقيقة، وأن ينحاز إلى الأسطورة أكثر من العقل.
وهكذا تنتهي “مملكة الغراب” من حيث بدأت: ليس بسؤال من يجلس على العرش، بل بسؤالٍ أكثر إيلاماً وعمقاً: لماذا يحتاج الناس، في كل مرة، إلى غرابٍ جديد ليقنعهم بأن السماء هي التي اختارت ملكهم؟