قراءة في كتاب

 قراءة انطباعية في مربعات مختارة من ديوان “كش ملك” للشاعر عبد الباري أحمه

نصر محمد / ألمانيا

 التقيت مؤخراً بالشاب الخلوق جوان أحمه ، نجل الصديق الشاعر عبد الباري أحمه ، على هامش الأمسية الشعرية الحوارية التي أقمناها في منتدى بغداد الثقافي ببرلين ، بمشاركة الشعراء علي مراد ومصطفى عليكو وميديا شيخة والشاعرة العراقية وفاء الربيعي .

 بعد الأمسية استضافنا جوان في منزله وأهداني ديوان والده “كش ملك”. سعدت بقراءته، وهذه قراءتي المتواضعة فيه.

 لمحة عن الشاعر :

 عبد الباري أحمه ، معه تعشق الحروف كلماتها وترقص القلوب على إيقاع قصائده . يحتضن بعقله بواعث الإبداع وينسج منها بذائقته مملكته الشعرية التي يمتلكها دون منازع . في كلمته التي يصوغها شعراً شلال من الإبداع اللغوي والإنساني ، يرسم عبر قصائده عالماً سرمدياً مزيناً بالصور والأخيلة .

 بداياته كانت منذ المرحلة الثانوية بمحاولات أولية ، ثم صقلته القراءة في الأدب والفلسفة والتاريخ . كانت تجربته الأولى مع المسرح مع المخرج أحمد شويش عام 1975 ، ثم مع سمير إيشوع وفي دمشق مع عدنان جودة . 

 كتب الشعر وقصائد الهايكو والمقالة السياسية والدراسات الفكرية . 

له ديوان “جدارية المنفى في زمن التأويل” 

وديوان “كش ملك” الصادر عن دار الأيقونة للدراسات والترجمة والنشر عام 2022 . 

وديوان ممو ملاك الأزمنة عام 2024

وديوان أعراس لضفائر جينا عام 2024

وهو من مواليد 1958 وحاصل على دبلوم التربية الرياضية عام 1981 .

 الديوان 

“كش ملك” ليس ديوان شعر تقليدي ، إنه رقعة شطرنج . اختار الشاعر عنوانه بذكاء ليقول لنا منذ البداية : هذه ليست قصائد غزل ، هذه معركة .

  أربع وستون مربعاً بعدد مربعات الرقعة ، موزعة على 110 صفحات . الشاعر لا يكتب قصيدة ، بل يحرك قطعة . وكل مربع هو موقع جديد للصراع بين الوجود والعدم ، بين الأنثى والسلطة ، بين العشق والموت .

 والإهداء وحده بيان شعري كامل :

” إلى الظل الذي جعلني أتطاول أكثر من السنين التي عشتها دونه.. ظل يتبعني عند الوضوء ، ويرافقني حين أهيم للصلاة “

 إنه إهداء صوفي وجودي . الظل هنا ليس شخصاً ، بل الفكرة ، الأنثى ، القصيدة، الله.. شيء يجعلك أطول من قامتك . من هنا نفهم أن الديوان رحلة صوفية بلباس شطرنجي .

 بنيت قراءتي على أربعة مفاصل تمثل أركان الديوان :

 البدء ، الصراع ، سقوط الأمير ، والولادة الجديدة .

1 – المربع صفر / قبل التكوين – ص 25

 هذا أهم مربع في الديوان لأنه خارج الرقعة.  الرقعة تبدأ من 1 إلى 64 ، لكن الشاعر اخترع المربع صفر ، المربع الذي قبل الوجود .

 هنا يقلب كل الأساطير. في كل الأديان ” في البدء كانت الكلمة “، لكن عند عبد الباري : ” قبل البدء كانت الأنثى “.

 الأنثى هنا ليست امرأة ، بل مبدأ الخلق . هي التي جعلت من العدم ” كوخاً لعشقها وصيرورتها “. لاحظ الفعل الفلسفي ” صيرورتها “. وهي لا تواجه العنف بالعنف ، بل بالرقص والخبز والعشق والمطر .

 هذا هو البيان النسوي للديوان . الأنثى تضع قوس قزح في الأفق رمزاً للسلام والخصب ، هرباً من ” دسائس المارقين الذين يقودون العربات نحو الموت “. يؤسس الشاعر هنا لثنائية تحكم الديوان كله : عالم الأنثى ” الحياة، الخبز، الرقص، قوس قزح” ضد عالم الذكورة السلطوية “العربات، الموت “.

2 – المربع السادس عشر / الانتصار المؤجل – ص 41

 إذا كان المربع صفر هو التكوين ، فالمربع 16 هو قلب المعركة ، منتصف الرقعة حيث تحتدم المواجهة .

هنا نسمع صوت المربع نفسه يصرخ : ” أنا لا أُهزم ، أنا الإعصار ، أنا الحشر “.

 الشاعر يُأنسن المربع ويجعله مقاتلاً . والعدو واضح : “أيها الوزير الهارب “. الوزير في الشطرنج هو أقوى قطعة بعد الملك ، رمز السلطة التنفيذية ، رجل القصر المتآمر .

الجميل هو تحويل الهزيمة إلى انتصار مؤجل . حين يختبئ الوزير في قلعته ” تنكسر القامات وتهطل من السماء رسائل عشق وتتدفق ينابيع الفرح “. كأن هزيمة الطغاة فرح كوني. اللغة هنا حادة إيقاعية كصليل السيوف ، بعيدة عن رومانسية المربع صفر ، وهذا التنوع يحسب للشاعر .

3 – المربع الثالث والأربعون / الأمير – ص 70

 وصلنا إلى نهاية اللعبة . الأمير هو الملك نفسه ، لكن الشاعر يسميه أميراً ليُصغره وينزع عنه هالة القداسة .

هذا المربع محاكمة للسلطة الذكورية بكل تجلياتها : صاحب السندس والسبائك ، صاحب حلبات الإنشاد والشهوة .

من يحاكمه ؟ الأنثى نفسها تعود لتقول : ” لن أكون وعاءً لصخبك ونديماً لحلبات شهوتك “.

هذه ذروة التمرد . الأنثى التي بدأت كوخاً للعشق تتحول إلى ” خنجر في خاصرتك “. اللغة مشحونة بالجسد والرفض : الجدائل ، السنابل ، المخدع ، لكنه رفض مقدس لأنها تقول : ” أنا المساء.. أنا توأم البدايات ، حفنة من النعناع ، حفنة من دموع العذارى “. تعود لتربط نفسها بالمربع صفر ، لتؤكد أنها الأصل والمنتهى .

وقوله ” نم مذبوحاً يا أميري ” هو لحظة الـ “كش ملك” الحقيقية . سقوط الملك .

4 – المربع الثالث والستون / المشيئة الأخيرة – ص 103

 نحن في المربع قبل الأخير. 63 هو نهاية اللعبة . بعد سقوط الملك ، ماذا يحدث ؟ يحدث المخاض .

يسميه الشاعر ” مربع المخاض ” و ” هيولى الشكل “. عدنا إلى الفوضى الأولى، إلى الظلام الممتد نحو السحيق، لكنه ظلام ولّاد .

 وهنا أجمل حركة في الديوان : يربط الشاعر كل هذا الصراع بأسطورتنا الخالدة مم وزين ، التي كتب عنها أحمدي خاني عام 1692 . مم وزين يمتطيان عرش الضوء ، ومن فجوة قبرهما تنفجر الأشكال وتبدأ التواريخ .

 كأن الشاعر يقول: كل هذا الشطرنج لم يكن إلا لإعادة إنتاج قصة العشق الأولى . من فوضى الفتنة وُلد العشق ، ومن موت العاشقين وُلدت البدايات .

 ويختم بجملة تلخص فلسفته : ” إنما المخاض ساعة ، إنما النزف ساعة ، والولادات تملأ الفراغات “.

 ديوان “كش ملك” ليس للقراءة العابرة . هو ديوان بنيوي متماسك ، يبدأ بأنثى تخلق العالم في المربع صفر ، ويمر بصراع مرير مع سلطة الوزير والأمير ، وينتهي بولادة جديدة من رحم أسطورة كردية .

نجح عبد الباري أحمه في أن يجعل من رقعة الشطرنج كوناً كاملاً ، وأن يجعل من الأنثى اللاعب الحقيقي الذي يحرك كل القطع ، حتى وإن بدا أن الملوك هم من يحكمون . إنه انتصار للأنثى ، للعشق ، لقوس قزح ، على العربات التي تقود نحو الموت .

 ديوان يستحق أن يُقرأ أكثر من مرة ، وفي كل مرة ستكتشف كش ملك جديد .

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى