نصر محمد / ألمانيا
عامر فرسو خط مساره ونحت اسلوبه في الكتابة الأدبية بصبر وتأني وهدوء الحكماء فاتحا اشرعته على انسام الشرق والغرب ، منصتا بدهشة وعمق إلى نهر الحياة ، وحفيف الكون ملتزما بقضايا الإنسان آلاما وآمالا
عامر فرسو ذو ثقافة واسعة وجذور أدبية عميقة ؟ جعل من كلماته مرآة تعكس آلام وآمال الإنسان في هذا الزمن المعقد ، برؤى ثاقبة وأسلوب ساحر ، استطاع أن ينقل عبر نصوصه تجارب الحياة بكل ما فيها من أفراح واتراح.
ثقافته الواسعة تتجلى في عمق نصوصه ، فهو قارئ نهم للأدب والفلسفة والتاريخ ، مما ينعكس في غنى أفكاره وتنوع موضوعاته .
قبل أن أدخل عالم القراءة ، لا بد أن أتقدم للقارئ لمحة عن الكاتب
عامر فرسو مواليد عامودا 1975
التحصيل العلمي: إجازة في الحقوق من جامعة الفرات .
صدر له الكتب التالية :
* الشاعر والجلاد– مجموعة مسرحية 2010 .
* سرِّ البَقاء -مجموعة قصة قصيرة جداً 2019 .
* دقيقة صمت – قصص قصيرة جداً 2021 .
* كواليس الحرب – قصص قصيرة 2022 .
* تم ترجمة مجموعة كواليس الحرب إلى اللغة الكردية من قبل مركز موزوبوتاميا للترجمة سنة 2023 .
* وكذلك تم نشر مسرحية “المقبرة والرغيف” في مجلة أدب ونقد المصرية سنة 2017الناس والمجتمع
الجوائز الأدبية :
* حازت مجموعة القصة القصيرة جداً “سرِّ البَقاء” على المركز الأول في مسابقة ديوان العرب الدورة السابعة 2016 في جمهورية مصر .
* حازت قصة “تراب الأبد” على المركز الثاني في مسابقة الروائي والقاص إبراهيم الخليل في الرقة سنة 2022 .
العمل حالياً :
* مُعّد مجلة مزكين للأطفال -نصف شهرية من منشورات جريدة روناهي .
* محرر في مجلة سيوان – مجلة فصلية ثقافية .
كتاب الشاعر والجلاد
أولاً – العتبة
الكتاب ثلاث مسرحيات صدرت عام 2010 ، بإهداء واضح الدلالة :
” إلى كل من نالتهم لسعة السياط… “
العنوان نفسه يلخص صراع الكتاب كله : الكلمة في مواجهة السوط .
مقدمة جوان جان وضع يده على نقطة مهمة :
النصوص الثلاثة تدور حول فكرة واحدة – جدلية الحرية والسلطة – لكن بثلاثة أساليب مختلفة . وهذا ليس تكراراً بقدر ما هو إصرار. الكاتب لا يريد أن يقنعك بفكرة جديدة ، بل يريد أن يحاصرك بها من كل الجهات .
ثانياً – المسرحيات الثلاث
- الشاعر والجلاد – قلب الكتاب وذروته :
مسرحية غرفة واحدة، شخصيتان في زنزانة واحدة ، لكنها في الحقيقة شخص واحد منقسم .
الشاعر ” بشير ” والجلاد ” نذير ” – حتى الأسماء مقصودة . النذير والبشير ، الترهيب والترغيب ، وجهان لرسالة واحدة .
الصراع لا يبدأ بالسوط ، بل بالماء البارد ، بالصحن الفارغ ، بالتحقيق العبثي مع المحققين اللذين يمثلان ” الرقابة الشفرة الدائرية “. الكاتب هنا متأثر بوضوح بمسرح سعد الله ونوس وممدوح عدوان : محاكمة الكلمة بتهمة أنها ” تخلق صوراً تفضح “.
أجمل ما في المسرحية هو انقلابها الأخير . الجلاد لا يتعاطف فقط ، بل ينهار . يصاب في كتفه ، فيساعده الشاعر ، فيكتشف الجلاد أنه هو السجين الحقيقي منذ 23 عاماً .
” أنت السجين ولست أنا “
المقولة المحورية : ” هؤلاء لا يخيفهم شيء سوى الحقيقة “.
وتنتهي المسرحية برمزية عالية : الجلاد يفتح باب السجن المثبت في الهواء ويخرج مع الشاعر . الحرية ليست هروباً ، بل مغادرة واعية .
- مرايا الضابط – مسرحية السقوط :
إذا كانت الأولى مسرحية الكلمة ، فالثانية مسرحية السلطة وهي تنهار .
فمسرحية «مرايا الضابط» تكتسب دلالة استثنائية حين نضع تاريخ كتابتها ونشرها في سياقه الزمني؛ فقد كُتبت قبل سنوات من نشرها عام 2010، أي قبل اندلاع الثورة السورية بعام كامل، ومع ذلك تنشغل بلحظة شديدة الحساسية: (لحظة سقوط النظام وما يعتري ضابطاً كبيراً من ارتباك وانكسار ومراجعة للذات أمام انهيار العالم الذي كان يظنه ثابتاً). ومن هذه الزاوية تبدو المسرحية وكأنها استشرفت، بوعي فني لافت، مشهداً من المستقبل السياسي السوري، قبل أن يصبح ذلك المستقبل واقعاً.
ولا تكمن أهمية هذا الاستشراف في أن الكاتب «تنبأ» بحدث سياسي محدد، وإنما في قدرته على التقاط “علامات التصدع الكامنة خلف صلابة السلطة”، واستقراء المصير النفسي للذين ارتبط وجودهم بسلطة تبدو عصية على السقوط. فالمسرح هنا لا يتنبأ بالمستقبل بقدر ما يكشف هشاشة الحاضر؛ وحين جاء المستقبل حاملاً بعض ملامح ما تخيلته المسرحية، اكتسب النص بعداً إضافياً، وأصبح أقرب إلى “مرآة أدبية سبقت الحدث، ثم عاد الحدث ليمنحها قراءة جديدة”.
إن قراءة «مرايا الضابط» اليوم، بعد ما شهدته سوريا، تجعل سؤالاً مشروعاً يطرح نفسه: “كيف استطاع نص كُتب في زمن كانت فيه فكرة سقوط النظام تبدو بعيدة، أن يتخيل بهذه الجرأة لحظة ما بعد السقوط وانعكاسها على شخصية أحد رجالات السلطة؟” وهنا تحديداً تتجلى قيمة الأدب حين يتجاوز وصف الواقع القائم إلى استشراف الاحتمالات المخفية في داخله.
ومن المهم الإشارة إلى أنه لا حوار تقريباً في النص المسرحي، بل مونولوج لرجل واحد في مكتب فخم يتحول تدريجياً إلى زنزانة . الضابط ببزته المليئة بالنياشين، يشاهد عبر التلفاز سقوط النظام ، وتتساقط أخباره عبر الأنترفون .
هنا يلجأ الكاتب إلى مسرح ما بعد الحداثة : الأغراض تتكلم . المسدس يتكلم، الأوسمة تتكلم بصوت نسائي ، البزة العسكرية تتكلم . المرايا تتشظى ويسيل منها الدم .
فكرة عبقرية : الضابط يخلع شعره الأسود المستعار ليكشف صلعاً وشيباً ، يخلع نياشينه ، لكن المرآة تلبسه بذلة سجين مخططة . لا مهرب من الذاكرة . السلطة التي كانت تحتمي بالمرايا لتجميل نفسها ، تصبح المرايا هي التي تحاكمها .
هي أقصر المسرحيات وأكثرها كثافة بصرية ، وتصلح للعرض الصامت .
- السلطان – مسرحية المهزلة السوداء :
يعود بنا الكاتب إلى التاريخ المقنّع ، إلى قصر سلطان يقلق لأنه لم تحدث ولا مشاجرة في سجونه منذ ثمانية أشهر .
جملة واحدة تلخص فلسفة الحكم هنا :
” هذا يعني أن الشعب على وئام… وإن طال الهدوء فإن عاصفة ستهب على قصرنا “
في مملكة السلطان ، السجن يجب أن يمتلئ لتمتلئ الخزينة ، والقضاء والجباة والحراس يجب أن يعملوا . فيخترع ” سرية الفتن ” مهمتها بث الخلاف بين التجار ليُسجنوا وتُدفع الغرامات .
مسرحية ساخرة ، لغتها أقرب إلى التراث ، بشخصيات نمطية : الوزير المتملق ، الجندي الثرثار مشهور والجبان قدري ، والجلاد العملاق بابل .
الكاتب هنا يكشف اقتصاد الاستبداد : الطغيان ليس مزاجاً ، بل نظام اقتصادي يحتاج إلى ضحايا ليعيش .
الخاتمة – انطباع عام
” الشاعر والجلاد ” كتاب شجاع ، كُتب في لحظة كان الصمت فيها هو القاعدة . لغته مباشرة أحياناً ، تقريرية أحياناً أخرى ، لكنه يملك حساً مسرحياً حقيقياً في بناء المفارقة .
الخيط الذي يجمع المسرحيات الثلاث هو سؤال واحد :
من هو السجين الحقيقي ؟
في الأولى ، الجلاد هو السجين.
في الثانية ، الضابط سجين مكتبه ومراياه.
في الثالثة ، السلطان نفسه سجين خوفه من وئام شعبه.
الكلمة عند عامر فرسو ليست زينة ، بل فعل مقاومة .
وكما يقول شاعره في المسرحية الأولى :
” للكلمات روح طرية “
وهذه الروح الطرية هي وحدها القادرة على أن تجعل الجلاد يبكي ، وهذا البكاء – كما يقول الشاعر – ” أول إسفين يُخلع من عرش الملك ليدق في نعشه “.