جوان سلو
“كاتب وناقد أدبي”
هل نحن نفكر؟
من الذي يجعلنا نفكر؟
ما هو المسار إلى التفكير؟
بهذه الأسئلة الوجودية يصدمنا الكاتب بكتابه ومعادلاته الفلسفية، ويفتح لنا أبوابا من التفكير في ماهية العقل والإدراك، ويدعونا كي نغوص معه في بحر فلسفة أساسها الواقع، لما لهذه الأسئلة من أهمية في حثنا نحو التقدم إلى الأمام ومعرفة طبيعة هذا التقدم ونوعية الإفرازات الفكرية التي من شأنها التعرف على المجتمع من خلال أفكاره وآلية معالجته بما يتناسب مع التأثيرات الآنية لوسائل التواصل، سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة.
# صدر عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع كتاب فلسفي للكاتب الدكتور هاجار رستم ملا شحمو بعنوان المدرسة الفكرية، تعلم التفكير، فلسفة الموقع، وجاء في ١١٢ صفحة من القطع المتوسط، كتاب يحثنا في إعادة النظر في لملمة الأفكار وصياغتها على نحو مبتكر، مرحبا بعيد عن التقليد.
يقدم الكتاب تسع معادلات فكرية يُثبت صحتها وبنائها على أسس علمية، فيوضح لنا الكاتب كيفية انعكاسها على الواقع على نحو علمي، في سبيل إحداث الربط بين الفكر والمعادلة وتحقيق الانسجام بينهما بالانضمام إلى المنهاج الفكري للمدرسة الفكرية، داعما كل ذلك بآراء بعض الفلاسفة حول العقل وماهيته، ومن هذه المعادلات هي:
* التموجات الفكرية+الأناقة العاطفية=ظهور القوة الجوهرية لمعنى الأشياء.
* القيمة الظاهرة+الرفض الباطني= ما وراء الفكر لإنجاز الرغبة الفكرية. وغيرها من المعادلات.
# أنا أفكر فأنا أمتلك الهوية.
عرف مفهوم الهوية الفكرية انتشاراً واسعاً وحظي بالدراسات في مجال العلوم الإنسانية وخاصةً الاجتماعية، وفرض نفسه في تحليل حقائق متنوعة. كطبيعة التفكير ومناهجه والدعوة إلى التفريق أو التمييز بينه كهوية فكرية فردية، وبين الهوية الجماعية الثقافية. قد تتوافقان معا أو تختلفان. ومن هنا يكمن أهمية هذا الكتاب لأنه يدعم الهوية الفكرية الفردية الخالصة. كملكة فكرية قابلة للتجدد والاستمرارية بعيدا عن الايديولوجيات الجمعية.
وفي حقيقة الأمر يعاني مفهوم الهوية الفكرية من مشاكل عديدة، فمن صعوبة الحديث عن الهوية مثلاً، وتحديد مستوياتها العقلية وما تعانيه من عوائق تعيق تطوير الذات وعلاقتها بالمشاعر. إضافة إلى تحديد أولويات التفكير السليم وفق مناهج سلوكية وفكرية، إذ لا يمكن فصل الهوية الفكرية الفردية عن الحركية الاجتماعية، وما يجري فيها من تدافع وصراع. وهنا تتداخل حدود الهوية والسلطة والإيديولوجيا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف ندرس هويتنا الفكرية؟
صراع أم تكامل
يطرح الكتاب في معادلته الثالثة هذا المفهوم:
المحتوى الفكري – الفائض الفكري+الوقت المضاف= إنتاج فكرة جديدة. في هذه المعادلة يطلب منا الكاتب أن نفكر في مفهوم الحتمية فهو المفهوم الأكثر ضررا بصلاحية المحتوى الفكري، كون الحتمية لا تترك حيزاً لوسائل ميكانيكية الفكر، وأدواتها بالتحرك والانبثاق، فالحتمية تولّد الإنكار.
وقد وضع الكاتب تعريفا لكل مصطلح يقدمه للقارئ فيقول عن المحتوى الفكري أنه المسافة التي يستند امتدادها إلى مدى رؤيتنا إياها سواء أكانت ضيقة أم واسعة، علماً أن هذه المساحة غير محدودة الأبعاد في الحقيقة إذ أنها فضاء واسع لا متناه.
وقد عمد الكاتب منذ البداية إلى وضع خطوات للمساعدة في حماية المحتوى الفكري والحفاظ على استقراره وهي الحتمية والتناقض والإنكار والتعريف.
فالحتمية وفق ما يطرحه الكاتب يكمن في الكلية المطلقة لصحة معتقد ما أو معلومة تتناسب مع المعطيات القابلة للتغيير وهنا تأتي الحتمية لتأكد ما تم اعتباره صحيحا من قبل ومن بعد.
أما التناقض فيكمن في جوهر الشيء وما يحمله من أوجه التفسير فهو يعبر عن ذاته بين الخير والشر والأبيض والأسود. وهنا يأتي الكاتب ليعيد النظر في توضيح المفهوم لما فيه من غموض وما يسببه من مشاكل واختلافات فكرية، داعيا إلى التفريق بين استقرار المحتوى الفكري وبين التناقضات التي تتشكل بفعل هذه التفسيرات فلا حق من دون باطل ولا باطل يذكر من دون الحق. ليقول : لا تقعوا في فخ الحتمية والتي يعد التناقض أحد مولداتها.
أما عن مفهوم الإنكار الذي يطرحه الكاتب فهو إنكار لتجنب التبعية، والرضى المبدئي بالحقيقة والأخذ بالاستنتاج والتحليل في آن واحد.
فبحسب رأيه يأتي الإنكار كي يثبت حقيقة ما، ويؤكده، كأن ننكر بياض
الشيء هو اعتراف أولى وعكسي ببياضه. وإنكار حقيقة ما لا ينفي عكسها بل ثباتها، وهذا ينطبق على الشعور، وكثير من الحالات والأمراض النفسية تثبت بأن المريض يعاني من إنكار واقعه، كونه يعيش في حالة أخرى. وهنا يأتي التعريف كلغة الفكر الأولى مهمته هو البدء في الغوص في المفاهيم وتتوضيحها وتمييزها.
يضيف الكاتب لكل معادلة مخططاً تفصيلياً يوضح من خلاله مسير المعادلة من الأعلى إلى الأدنى، يبدأ بالمحتوى الفكري الذي ينقسم إلى الإحاطة وغير المحاط، وبدورهما يتداخلان ويتفرعان إلى ناقلات معرفية وعالم الفكر، ومنها تتشكل الإحداثيات التي أساسها الحتمية والتناقض والإنكار والتعريف، وكل مفهوم ينتهي بجوهره الذي سيكتشفه القارئ بعدما أنهى من قراءتها وتدورين الملاحظات وهي العلة والمخالفه والإظهار ولغة الفكر الخاصة.
ينتقل الكاتب إلى شرح العنصر الثاني من معادلته وهو الفائض الفكري، وهو ما يعني بلغة الاقتصاد بزيادة الإنتاج أو الفائض منه، وهنا يدعونا إلى التريث في التعريف وإلى النظر فيه ليس كفائض معرفي وهمي ناتج عن معرفة وهمية تسبب في التوقف عن طلب العلم، بل هو إدراك حقيقي بما يمتلكه الإنسان من معلومات وأفكار تدفعه لطلب المزيد من المعرفة، فبالتالي يتمثل الفائض الفكري في كونه وهماً ناتجاً عن القوة المعرفية الواهمة. وهو ما يدفع بالواهم إلى الغرور.
في النهاية لا يمتلك الإنسان الفائض الفكري بل يمتلك معلومات تثري المحتوى لديه لا تنقصه، وبالتالي فالاستزادة في طلب العلم لا ينفي المحتوى الفكري ولكنه يزيح عنه فكرة الغرور الثقافي الذي هو مرض يسري في المجتمع. فإذا طرحنا الفائض من المحتوى فلن يبقى شيء اسمه معرفة، وهنا يأتي دور الوقت المضاف للمحتوى الفكري حتى يأخذ دوره في إكمال مثلث المعادلة، فما المضاف هنا إلا تلك اليقظة الوقتية في طلب العلم والمعرفة، وإثراء المحتوى الفكري النابع عن حاجته إلى المعرفة، رغبة وليس رهبة.
رغبة المحتوى الفكري في الاحتواء بحكمة الواقع لا الوهم واستدعاء أفكار جديدة له، فما من فائض مع إدراك المحتوى وحكمة الوقت.
فلسفة الموقع
((المدرسة الفكرية هي منهاج فلسفة الواقع))
يختم الكاتب كتابه الجديد بهذه العبارة التي سيدركها القارئ بعدما يتم قراءة المعادلات التسع وإسقاطها على حياته المعرفية والفكرية، إذ يدعونا من خلال هذه المعادلات إلى انتهاجها في مدرسة اسمها الواقع، كفلسفة وجودية أساسها العقل والتفكير، من خلال تذوق الفكرة أي استحسانها وهو ما يسمى بلسان الفكر، ومن ثم استنشاق الفكرة كما يستنشق الإنسان الهواء النظيف ويشعر بالقوة والطاقة والصحة، وهو ما يسميه برئة الفكر، ومن ثم الصمود والثبات في وجه عواصف الشك والوهم والغرور، والتي من شأنها أخذه إلى عالم الفوضى والتشرذم الفكري. وبالتالي فصحة المحتوى الفكري يحتاج إلى حماية واهتمام ووقاية، فهذه الخطوة هي إنذار مبكر ومنبه للصحوة من تلك الأفكار، وبالتالي فهذه البنود الأربعة (التذوق. الاستنشاق. الصمود. الحماية) هي التي تفتح الآفاق أمام تدريب الفكر في سبيل تعلمه، أي تعلم الفكر.
* الكاتب في سطور
د. هاجار رستم عبد الفتاح
مجاز في العلوم الزراعية سنة 1994
دبلوم التأهيل الإعلامي المهني 2018
دكتوراه فخرية في مجال التنمية البشرية.
مدرب للإرشاد النفسي والوظيفي للمؤهلات العلمية في undp
رئيس الإدارة العامة للتخطيط والاحصاء في الإدارة الذاتية
دورات في مجال الإدارة والقيادة
دورات فن الخطابة
محاضرات عدة لتعزيز السلم الأهلي
محاضرات تثقيفية عامة للفئة الشابة.
صدر له عدد من المؤلفات:
1. المعرفة +الفكرة =السلوك
2. كيف تكسب ثروتك
3. تنمية البنك الفكري للمراهقين
4. حان الوقت
5. المدرسة الفكرية ( فلسفة الموقع)