قراءة انطباعية في رواية «مدينتان ونصف وطن» للكاتب ماهين شيخاني

نصر محمد / ألمانيا

فتح ماهين شيخاني عينيه عام 1960 في مدينة الدرباسية السورية، الواقعة جغرافياً على الحدود الفاصلة بين سوريا وتركيا. كانت يومها ناحية صغيرة، ولم يكن بمقدوره مغادرتها؛ فما زال يستنشق هواءها، وروحه تسرح في فضائها، يعشقها ويحب ناسها.

كتب في العديد من الصحف والمجلات، منها: «متين»، و«خبات»، و«كولان» التي كانت تصدر باللغة العربية، و«بيف»، إلى جانب الدوريات الكردية الحزبية والمستقلة عموماً. كما كتب في جريدة «الكفاح العربي» وصحيفة «الثورة» السورية خلال تسعينيات القرن الماضي، وفي الفترة الأخيرة نشر في صحيفة «ذا ليفانت» اللندنية، وصحيفة «كوردستان»، وصحيفة «التآخي» الصادرة في بغداد عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق.

هو شاعر باللغة الكردية وقاص باللغة العربية. صدرت له مجموعة قصصية بعنوان «على ضفاف الخابور» عام 2014، ومجموعة شعرية باللغة الكردية بعنوان «Evroît» عام 2019. وله نتاجات عدة نُشرت في المواقع الإلكترونية، لكنها لم تُطبع حتى الآن، فضلاً عن مشاركاته الثقافية في المهرجانات الشعرية والأمسيات والمواقع الإلكترونية.

وصفه موقع «كوردستريت» ذات مرة بأنه «آلبير كامو العصر، ورجل الأحاسيس المرهفة». كما وصفه آخرون بـ«بائع السلال»، في إشارة إلى القصة الفلكلورية الكردية المعروفة «Zembîl Firoş»، لما وجدوه في شخصيته من تضحية وإيثار يماثلان ما تحمله شخصية بطل القصة.

تحكي القصة التراثية الكردية عن أمير طيب يُدعى «زمبيل فروش»، أي بائع السلال، عُرف باستقامته وما يمتلكه من نبل وأخلاق وتضحية وإيثار. وعلى الرغم من أن الكاتب لا يؤمن بانتقال الأرواح أو التخاطر والتقمص، فإنه يشعر بأن تلك الصفات تلامس روحه وتسكن شخصيته: الإنسان الطيب، المحب، الخيّر، الصادق مع نفسه قبل أن يكون صادقاً مع الآخرين، والمرهف إلى درجة أن المقربين منه يقولون إنه يتأثر حتى بنسمة الهواء.

رسم ماهين شيخاني لوحة «زمبيل فروش»، لكن ذلك لم يشفِ غليله، فقصّ صورته الشخصية ووضع صورة رأسه مكان رأس الشخصية المرسومة. حينها كتب الراحل الأستاذ فرهاد جلبي، في مقالة تناول فيها المعرض الذي شارك فيه شيخاني: «ها هو الأمير ماهين شيخاني حاملاً سلاله، سالكاً درب أميرة القصر…». وهكذا بدا ماهين شيخاني «زمبيل فروش» عصر التكنولوجيا والإنترنت.

الرواية

في زمن أرهقته الحروب، وسرقت فيه السياسة من الإنسان خبزه وأمانه وصوته، وُلدت هذه الرواية.

ليست «مدينتان ونصف وطن» رواية عن الحرب، كما قد يوحي تاريخ أحداثها المرتبطة بعملية «نبع السلام» في تشرين الأول 2019، بل هي رواية عمّا يأتي بعد الحرب؛ عن ذلك الفراغ الثقيل الذي يحلّ محل البيت، وعن الإنسان حين يُخلع من مكانه كما تُخلع الأشجار من جذورها، ليُزرع مؤقتاً في ذاكرة الانتظار.

بين مدينتين، الدرباسية التي اشتعلت فيها نيران الحرب، وهولير التي لم تُطفئ برد الغربة، تتنقل هذه الشهادة الحية. نصف الوطن هنا ليس جغرافيا ناقصة، بل شعور دائم بالنقص والاقتلاع والحنين إلى ما لم يعد كما كان.

إنه الرقم «C53» الذي يصبح هوية جديدة، وطابور الماء، وقطعة السكر التي يبكي من أجلها طفل، والساتر الترابي الذي تتزحلق عليه العائلة نحو حفرة آمنة.

تنتمي هذه الرواية إلى ما سمّاه الناقد إبراهيم يوسف، في مدخله القيّم، «الرواية الوجودية الواقعية الجديدة»؛ تلك الرواية التي لم تعد تُعنى بتشييد العالم، بل بإعادة تأثيث خرائبه. لا أبطال خارقين هنا، بل وجوه حقيقية تحمل لهجات عفرين وكوباني وسري كانيه والدرباسية، وتحاول أن تعيش… فقط أن تعيش.

إنها ليست كتابة عن النزوح، بل النزوح نفسه حين يصير كتابة؛ حين يكتشف الكاتب أن اللغة هي وطنه الأخير، وأن الكتابة هي الخيمة والمأوى والصليب والمحجّة على طريق نجاته أو ضياعه.

بناء سينمائي معكوس

الرواية مبنية بذكاء سينمائي معكوس؛ إذ تبدأ من النهاية: 18 كانون الأول 2019، على مقعد خشبي أمام بحيرة قلعة هولير، والسماء صافية «كأنها صفحة لم تُكتب بعد».

أنت تودّع هولير من دون أن تملك وعداً بالعودة، وفجأة تسيل دماء الطفلة «تيلي» من جبينها، وكأن المدينة نفسها تبكيكم وترفض الوداع.

ثم تعود الرواية إلى البداية: تشرين الأول 2019، وعملية «نبع السلام»، ودوي انفجار عند الساعة الرابعة عصراً، والسيارات التي ملأت الشوارع متجهة نحو الحسكة، فيما كان بعضهم يشتم الأسر النازحة ويصفها بالجبن.

وبين البداية والنهاية تأتي رحلة العبور التي تشكّل قلب الرواية الفني: قرية بيركي، وليلة الصمت الثقيل الذي يسبق العاصفة، والجدة التي «تحتفظ في عينيها بتاريخ قاسٍ»، وأبو راسين والوجوه الشاحبة، ثم قامشلو والقرار المصيري، فالمهرّب الكردي القادم من كوباني، وصولاً إلى القرية العربية «س»، حيث دخل عليكم ملتحون «روائحهم تزكم الأنوف»، وحيث أصبحت جملة «السلام عليكم» تُدمي القلب وتزرع الرعب.

ثم يأتي الساتر الترابي، وتلك اللحظة التي يصعب نسيانها:

«رفعت عدستي عن عيوني ووضعتها في جيبي خوفاً من فقدانها، ثم تزحلقت أنا وابني والحقيبة إلى الأسفل، حيث سقطنا في حفرة آمنة».

بعد ذلك تظهر صورة الرجل المسن، وسرواله الأبيض يرفرف فوق حجر «كأنه راية استسلام». هذه الجملة وحدها رواية.

تنتهي الرحلة في مخيم برده رش، عند الخيمة «C53». وهنا تتحول الرواية من رواية هروب إلى رواية انتظار. لم يعد «C53» مجرد رقم خيمة، بل أصبح رقم هويتكم الجديدة:

«بدونه لا تحصل على ربطة خبز، ولا قنينة ماء، ولا حتى اعتراف بوجودنا».

الشخصيات: لا أبطال خارقين

وفيتَ بوعدك الوارد في الصفحة الثامنة:

«في هذه الرواية لا يوجد أبطال خارقون، بل وجوه حقيقية تحمل أسماءً وذكريات ولهجات».

مسعود الصغير

هو الطفل الذي يعيش بكلية واحدة وظهر معوجّ خَلقياً. تربط بين جسده ووطنه بعبقرية:

«طفل بكلية واحدة وظهرٍ معوج… وطنٌ واحد وممزق… كأن ثمة تماثلاً جارحاً بين الجسد والأرض».

يفتتح سؤاله الرواية ويختمها:

«بابا… إلى أين نذهب؟».

ثم يقول:

«بابا… بدنا نروح على بيتنا».

أم مسعود

تخفي دمعتها تحت البطانية، وتضرب ابنها «لا لشيء إلا لأنها لا تملك ما تعطيه»، ثم تبحث له عن قطعة سكر في منتصف الليل.

البنات

الصبايا المنعزلات تحت ظل شجرة، «غارقات في صمت ثقيل»، يرفضن الطعام، ثم يذهبن خلسة ليأكلن عند امرأة غريبة. عندها يشتعل في داخلك غضب الأب الذي يخاف أن يفقد سلطته الأبوية مع فقدان البيت.

البارون

قصير القامة، أنيق بقميص أبيض وعقال، يضحك في قلب المأساة. كان في قامشلو «صانع العرائس الذي يحرك خيوط اللعبة»، وانتهى به المطاف ينتظر ربطة خبز. يقول:

«البارونات دائماً يعيشون في الأساطير، لا في المخيمات».

شيروان أو مروان: ظل اللاجئ

بائع الساعات الذي مات ابنه في البحر، وبقيت زوجته من دون دواء. مات مروان ووُلد شيروان الذي يبيع الأمل:

«الناس لا تعيش بالخبز وحده، بل بالأمل أيضاً، والأمل سلعة لا تحتاج إلى مخازن».

ثم يهرب إلى إسبانيا، تاركاً وراءه دفتراً أسود ممزقاً في الوحل.

وجوه أخرى من المخيم

هناك جارتك الموظفة من الطابق الثاني، التي ظهرت فجأة في المخيم، والطفل الذي يمسك عوداً خشبياً كأنه بندقية ويصرخ: «سأرميكم بقنبلة».

وهنا تطرح سؤالك المرعب:

«من سرق براءتهم؟».

اللغة: الجملة نبضة

لغتك هنا ليست لغة شاعر يكتب رواية، بل لغة أب يكتب لكيلا ينسى. وكما قال إبراهيم يوسف:

«لغة تتنفس من عمق التجربة. الجملة فيها أشبه بمحض نبضة، لا تحتمل الزيادة ولا الحذف».

تكتب بجمل قصيرة لاهثة، تشبه أنفاسكم على الساتر:

«كل شيء هنا مؤقت، هش، قابل للسقوط أو التمزق، تماماً كأقمشة الخيم».

«نحن لا نموت مرة واحدة، نحن نموت كلما تأخر أحدهم عن نجدتنا».

«الخيمة لا تغفر الخطأ، لأنها لا تحمي أصلاً».

«نحن لسنا أمواتاً تماماً، لكننا لسنا أحياء أيضاً. نحن مؤجلون إلى إشعار آخر، مثل بريد الفورم، مثل الصيف، مثل العودة».

وتظهر شاعرية حزينة فجأة وسط القهر:

«المطر كان يغسل وجوهنا كدموع لم نستطع البكاء بها».

«النجوم تتدلى كأعلام ممزقة».

«اللهجات حديقة الله».

الثيمات الكبرى

أولاً: الخذلان

خذلان الرفاق، والحزب، والمنظمات، والعالم. السكرتير الحزبي الذي يرد ببرود، والإعلامي الذي وعد بالمساعدة ولم يتعافَ من حادثه أبداً، والطالب الذي أنكر أستاذه عند شاحنة الماء.

تقول:

«الخذلان لا يأتي من العدو… بل من الذي ظننته ظهراً وسنداً».

ثانياً: الكرامة مقابل الخبز

الرواية كلها صراع بين الحاجة والكرامة: طابور الماء، وطابور الخبز، والبصمة مقابل قطعة بلاستيك، والاستمارة التي تقرر مصير عائلة.

وتسأل:

«إلى أي درك وصلنا؟ وأي مسافة تفصل بين الكرامة والماء؟».

ثالثاً: الطفولة المسروقة

أطفال يتعلمون أسماء القنابل بدلاً من الحلوى، وطفلة تحمل قنينة ماء أكبر من جسدها، تترنح تحت ثقلها، لكنها تبتسم، ومسعود الذي لا يريد سوى قطعة سكر.

رابعاً: الوطن بوصفه لغة أخيرة

حين تفقد المكان تكتشف أن اللغة هي وطنك الأخير، وأن الكتابة هي الخيمة. لذلك تحتفل الرواية بحديقة اللهجات داخل المخيم: عفرين، وكوباني، وسري كانيه، والدرباسية، وتربه سبي، «كأن الوجع وحّد ما لم توحّده السياسة».

الخلاصة

«مدينتان ونصف وطن» ليست رواية عن النزوح، بل رواية عمّا يأتي بعد النزوح؛ عن الانتظار بوصفه قدراً يومياً، وعن الكرامة حين تُختبر في الطابور، وعن الأب الذي يكتشف أن أكبر هزيمة ليست أن يترك بيته، بل أن يرى أطفاله يفقدون بريقهم، وهم ملتصقون بأمهم «كأنهم يحملون داخلهم فقدان شيء عزيز لا أستطيع إرجاعه لهم».

إنها رواية كُتبت لكيلا ننسى، كما جاء في ختامها:

«كل نزوح يحمل وطناً صغيراً في جيبه، وكل رواية هي محاولة لإنقاذ هذا الوطن من النسيان».

إنها رواية موجعة، صادقة وضرورية، تستحق أن تُترجم وأن تُدرّس بوصفها وثيقة إنسانية عن زمننا.

«مدينتان ونصف وطن» ليست مجرد رواية عن اللجوء، بل هي رواية عن الكينونة الكردية وهي تتحدى النسيان، وعن الإنسان حين يرفض أن يكون رقماً، وعن الروح حين تنجو من القصف لتسكن المنفى.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف

عندما كنا نعيش في القرية، كان معظم طعامنا يأتي من منتوجات الأرض .
والقليل يأتي من السوق، بل كانت الأرض نفسها تطعمنا. ففي الربيع، كانت الأراضي البور، والحدود الفاصلة بين الحقول، والمساحات الممتدة بين سيقان القمح والشعير، تمتلئ بأنواع كثيرة من النباتات والحشائش البرية التي كانت أمهاتنا يعرفنها واحدةً واحدة، وكأنهن يحملن في…

عامر عثمان ” إيفان “

فِي هَذَا الزَّمَان
حَيْثُ لا زَمَانَ لِي
حَيْثُ لصُوصٌ أَبْطَالٌ . . .
يَتَرَبَّصُونَ بِتَفَاصِيل رَسْمِي
يَتَبَاهَى بِهُم الحَمْقَى
وَأَئِمَّةٌ لا أَئِمَّة . . .
كَحَواشِي التُرَابِ
يُبِيحُونَ وَأَدِي
أَنَا الكورديُّ
لِمَنْ أَشْتَكِي ؟
أنَا الكورديُّ
لِمَنْ أَشْتَكِي نَزْفَ دَمِي ؟؟
فِي كُلِّ يَدٍ مِدْيَةٌ تَبْتَغِي نَحْرِي
وَكَأَنِّي لَسْتُ آدَميَّاً كَمَا هُمُ
الكُلُّ خَيْبَةٌ . . .
تَخْذلُنَا الجهاتُ
وَ خَارِطَةُ الفصُولِ
لا عَدَالَة لِمِيزَانٍ تُنْصِفُ نَجيعِي
فَأَضْحَتْ ….

خلات عمر

لم تكن أفين، الفتاة الجميلة الواثقة من نفسها، تريد الموت بقدر ما كانت تريد أن ينتهي ألمها الذي حاصرها من كل جانب.

كانت الفتاة التي مرّت بتجربة قاسية؛ أحبت ووثقت برجل، وحلمت بحياة مستقرة، لكن صدمتها الكبيرة كانت عندما وجدت نفسها أمام الطلاق من ذاك الرجل عديم الوجدان…

وداعاً قامشلو

وداعاً هولير
وداعاً كوردستان
قامشلو الحبيبة
لقد تركت لك أمانتي وكلي ثقة بأنك ستحضنيها بحنان في تل گرزين كما حضنت أمانتي الأولى في دار أبي
ستبقون أنتم الثلاث في قلبي ماحييت!
شكراً لكل من واساني
وحاول أن يخفف عني الألم
شكراً للأحبة والأصدقاء الذين تفهموا وجعي فكانوا الدواء الشافي
لقد اختبرتني الحياة مراراً فظننت أنني قوية بامكاني أن أجتاز كل المحن
لكنني أرى…