ا. د. قاسم المندلاوي
اختُتمت منافسات كأس العالم 2026 ، التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، بمشاركة 48 منتخبا للمرة الأولى في تاريخ البطولة ، بدلًا من 32 منتخبًا ، في تجربة تنظيمية جديدة للاتحاد الدولي لكرة القدم ( فيفا ) وقد شهدت البطولة إقامة 104 مباريات خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو 2026
وفي اعتقادنا أن زيادة عدد المنتخبات إلى 48 كانت خطوة إيجابية ومهمة من أجل توسيع قاعدة المشاركة العالمية وإتاحة الفرصة أمام منتخبات من قارات ودول مختلفة للوصول إلى أكبر بطولة كروية في العالم . كما أن تنظيم البطولة في ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك مثّل تجربة كبيرة من الناحية اللوجستية والتنظيمية والجماهيرية
ولا نريد في هذا المقال الدخول في شرح طويل لجميع النتائج والأرقام والإحصاءات ، إذ أصبحت معظم المعلومات متاحة في المواقع الرياضية العالمية ومختلف وسائل الإعلام الرقمية. وإنما نود تسجيل مجموعة من الملاحظات والانطباعات التي نراها مهمة ، مع تقديم الشكر والتقدير للاتحاد الدولي لكرة القدم ولجميع العاملين والمنظمين الذين أسهموا في إنجاح هذه النسخة التاريخية من المونديال
وقد توجت إسبانيا باللقب بعد فوزها على الأرجنتين بنتيجة 1-0 بعد التمديد في المباراة النهائية التي أقيمت في نيويورك/نيوجيرسي يوم 19 يوليو 2026، لتنال إسبانيا لقبها العالمي الثاني .
أولًا: التحكيم وتطبيق القانون
يُعد التحكيم من أهم عناصر نجاح أي بطولة رياضية ، سواء كانت جماعية أم فردية ، لأن تطبيق القانون بعدالة ونزاهة يمثل أساس المنافسة الرياضية الشريفة .
ومن وجهة نظرنا ، ينبغي أن يكون الحكم بعيدًا عن أي تحيز أو تمييز أو ازدواجية في تطبيق القانون ، وأن تكون قراراته منسجمة مع روح اللعبة وقوانينها ، وأن تحظى جميع المنتخبات واللاعبين بالمعاملة نفسها ، بغض النظر عن اسم المنتخب أو مكانته أو جنسية اللاعبين .
وقد شهدت البطولة ، كما يحدث في البطولات الكبرى عادة ، بعض الحالات التحكيمية التي أثارت النقاش والجدل بين الجماهير والإعلام والخبراء . ومن هنا نرى ضرورة استمرار تطوير منظومة التحكيم والاستفادة من تقنية حكم الفيديو المساعد . «VAR» بصورة أكثر دقة ووضوحًا ، مع تقليل التفاوت في تفسير الحالات المتشابهة
فالعدالة التحكيمية لا تعني فقط اتخاذ القرار الصحيح ، وإنما تعني أيضًا توحيد معايير اتخاذ القرار بحيث يشعر اللاعب والمدرب والجمهور بأن القانون يطبق على الجميع بالمعيار نفسه .
ثانيًا: ضرورة إبعاد الرياضة عن الصراعات السياسية
من أهم أهداف الرياضة ، وخاصة الألعاب الأولمبية وكأس العالم ، نشر الروح الرياضية والمحبة والأخوة والتقارب بين شعوب العالم ، ومقاومة العنصرية والكراهية والتعصب والشوفينية ، وجعل الملاعب مساحة للتنافس الشريف بين الرياضيين .
لكن تاريخ الرياضة الدولية يقدم لنا أمثلة عديدة على تأثير السياسة في البطولات الرياضية
ومن أبرز الأمثلة مقاطعة الولايات المتحدة ودول غربية أخرى دورة الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1980 احتجاجًا على التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان، ثم مقاطعة الاتحاد السوفيتي وعدد من الدول الحليفة له دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 1984
وفي كرة القدم ، برزت قضية المنتخبات والأندية الروسية بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا. ففي 28 فبراير 2022 قررت FIFA وUEFA تعليق مشاركة جميع المنتخبات والأندية الروسية في مسابقاتهما «حتى إشعار آخر»، بعد الإجراءات الأولية التي اتخذت عقب اندلاع الحرب
وهنا يبرز سؤال رياضي وإنساني يستحق النقاش :
ما ذنب اللاعبين والمدربين الرياضيين في الحروب والصراعات السياسية التي لا يملكون قرارها ؟
إن اللاعب الذي أمضى سنوات طويلة في التدريب والاستعداد، والمدرب الذي بذل جهدًا كبيرًا في إعداد فريقه ، قد يجد نفسه محرومًا من المنافسة بسبب قرار سياسي أو عقوبة تطال الاتحاد أو الدولة .
ونحن لا نتحدث هنا عن تبرير الحروب أو إنكار معاناة الشعوب ، وإنما نطرح سؤالًا يتعلق بمبدأ الفصل بين الرياضي الفرد وبين القرارات السياسية للدول والحكومات .
فهل من العدل أن يتحمل الرياضي وحده نتائج قرار لم يصدر عنه ، ولم يكن طرفًا في اتخاذه ؟
ومن هنا ندعو المؤسسات الرياضية الدولية إلى البحث دائمًا عن حلول تضمن احترام القانون الدولي والإنساني ، وفي الوقت نفسه تحافظ قدر الإمكان على حق الرياضيين في المنافسة .
ثالثًا: الحضور الجماهيري الكبير في أمريكا الشمالية
من أبرز الجوانب الإيجابية التي لفتت أنظارنا في مونديال 2026 الحضور الجماهيري الكبير، وخصوصًا في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا
فالولايات المتحدة تمتلك تقاليد رياضية قوية جدًا ، لكن كرة القدم «Soccer» لم تكن تاريخيًا اللعبة الأولى أو الأكثر شعبية مقارنة بكرة القدم الأمريكية وكرة السلة والبيسبول والهوكي على الجليد وغيرها من الألعاب
أما المكسيك فالوضع مختلف اا إذ تعد كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى تقريبًا ، ولها قاعدة جماهيرية واسعة وعميقة
لكن مونديال 2026 أظهر أن كرة القدم بدأت تكتسب حضورًا جماهيريًا وتجاريًا وإعلاميًا أكبر في الولايات المتحدة وكندا ، وشهدت المدن المضيفة تجمعات جماهيرية كبيرة ، وملاعب ممتلئة ، ومتابعة واسعة للمباريات ، بما يعكس تنامي الاهتمام بهذه اللعبة في أمريكا الشمالية .
وقد سجلت نسخة 2026 حضورًا إجماليًا بلغ نحو 81 . 6 مليون متفرج وهو رقم يعكس الحجم الجماهيري الكبير للبطولة
وهذه نقطة مهمة جدًا ، لأن نجاح كرة القدم في الولايات المتحدة لا يعتمد فقط على المنتخب الوطني ، وإنما على استمرار بناء قاعدة جماهيرية ومؤسساتية للعبة في المدارس والجامعات والأندية والمجتمع المحلي
رابعًا: مستوى منتخبات أمريكا الشمالية
استفادت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك من ميزة الاستضافة ، وتأهلت مباشرة إلى البطولة دون خوض التصفيات ، ثم تمكنت المنتخبات الثلاثة من تجاوز دور المجموعات والوصول إلى دور الـ16
ففي دور الـ32 فازت كندا على جنوب أفريقيا 1-0، وفازت المكسيك على الإكوادور 2-0، بينما تغلبت الولايات المتحدة على البوسنة والهرسك 2-0
وفي دور الـ16 خرجت كندا أمام المغرب بعد الخسارة 0-3، وخرجت الولايات المتحدة أمام بلجيكا بنتيجة 1-4، بينما خسرت المكسيك أمام إنجلترا 2-3
ومع ذلك، فإن وصول المنتخبات الثلاثة إلى دور الـ16 يمثل نتيجة إيجابية بالنسبة إلى كرة القدم في المنطقة ، ويؤكد التطور التدريجي في المستوى الفني .
وقد لاحظنا لدى هذه المنتخبات بعض السمات المشتركة ، ومن أبرزها :
1 – التنظيم الجماعي والضغط على الفريق المنافس 2 – السرعة في التحول من الدفاع الى الهجوم 3 – اللياقة البدنية و القدرة على تحمل ضغط المباراة 4 – التنظيم الدفاعي والالتزام التكتيكي 5 – الاستفادة من الكرات المرتدة و الهجمات السريعة 6 – التطور في التعامل مع المباريات الكبرى
وفي المقابل ، لا تزال هناك حاجة إلى تطوير بعض الجوانب ، وفي مقدمتها زيادة عدد اللاعبين أصحاب المهارات الفردية العالية والهدافين القادرين على حسم المباريات الصعبة .
خامسًا : الدعم المادي والبنية الرياضية
تمتلك الولايات المتحدة منظومة رياضية ضخمة، مدعومة بالاستثمار الخاص والمؤسسات التعليمية والشركات والجامعات والأندية .
ومن أهم عناصر القوة في هذه المنظومة وجود الملاعب والمنشآت الرياضية الحديثة ، والاعتماد على المدارس والكليات والجامعات في اكتشاف المواهب وتطويرها .
وهذا النموذج يستحق الدراسة ، لأن صناعة اللاعب لا تبدأ عندما يصل إلى المنتخب الوطني ، وإنما تبدأ منذ مرحلة الطفولة ، من خلال اكتشاف الموهبة ، وتوفير التدريب المناسب ، والرعاية الصحية والتغذية والتعليم الرياضي ، ثم الانتقال تدريجيًا إلى مستويات أعلى .
وتستفيد كرة القدم الأمريكية اليوم من هذا النظام الواسع ، ومن زيادة الاهتمام الجماهيري والاستثماري باللعبة ، الأمر الذي قد يساعد الولايات المتحدة مستقبلًا على إنتاج عدد أكبر من اللاعبين ذوي المستوى العالمي .
والأمر نفسه ينطبق بدرجات مختلفة على كندا ، التي تمتلك تاريخًا قويًا في عدد من الرياضات ، وعلى رأسها هوكي الجليد ، إلى جانب ألعاب القوى والسباحة وغيرها .
أما المكسيك، فلديها ميزة مختلفة تتمثل في ( الثقافة الكروية الشعبية الراسخة ) فالكرة في المكسيك ليست مجرد رياضة ، بل جزء مهم من الحياة الاجتماعية والثقافية ، ولذلك تمتلك الأندية والمنتخبات المكسيكية قاعدة جماهيرية واسعة .
سادسًا: ماذا نتوقع من مونديال 2030 ؟
بعد نجاح تجربة 2026 تتجه الأنظار إلى كأس العالم 2030 الذي ستستضيفه بصورة رئيسية ( إسبانيا والبرتغال والمغرب ) مع إقامة ثلاث مباريات احتفالية بمناسبة مئوية كأس العالم في الأرجنتين وباراغواي وأوروغواي. وقد أقرت FIFA رسميًا استضافة المغرب والبرتغال وإسبانيا للبطولة، مع المباريات الثلاث في أمريكا الجنوبية
ونأمل أن تكون نسخة 2030 أكثر تطورًا، وخاصة في الجوانب التالية :
1 – تطوير التحكيم
الوصول إلى أعلى درجات العدالة والشفافية وتوحيد تفسير الحالات التحكيمية
2 – حماية استقلال الرياضة
تقليل تأثير الصراعات السياسية على حق الرياضيين والمنتخبات في المشاركة ، والبحث عن حلول لا تجعل اللاعب والمدرب ضحية لصراعات لا علاقة لهما بها .
3 – مكافحة العنصرية والتمييز
تطبيق عقوبات واضحة وحازمة ضد كل أشكال العنصرية والكراهية داخل الملاعب وخارجها .
4 – الاهتمام باللاعبين
الحفاظ على صحة اللاعبين وسلامتهم البدنية والنفسية، وعدم تحويل كرة القدم إلى سباق مرهق بسبب كثرة المباريات
5 – تطوير التكنولوجيا
الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في التحكيم، ولكن من دون أن تفقد اللعبة طبيعتها الإنسانية وروحها الرياضية .
خاتمة
لقد قدم كأس العالم 2026 تجربة تاريخية مختلفة ، فهو أول مونديال بمشاركة 48 منتخبًا، وأقيم في ثلاث دول ، وفتح الباب أمام مشاركة أوسع للمنتخبات والجماهير من مختلف أنحاء العالم
وقد أثبتت البطولة أن كرة القدم قادرة على الانتشار والتطور حتى في البلدان التي لم تكن فيها اللعبة تاريخيًا في مقدمة الرياضات ، كما أظهرت أهمية الاستثمار والبنية الرياضية والتعليمية في صناعة أجيال جديدة من اللاعبين
وفي الوقت نفسه ، فإن نجاح أي بطولة لا يقاس فقط بعدد الجماهير والملاعب والأموال والاستثمارات ، وإنما يقاس أيضًا بمدى تحقيق العدالة الرياضية ، ونزاهة التحكيم ، واحترام اللاعبين ، ونبذ العنصرية والكراهية ، وإبعاد الرياضة قدر الإمكان عن الصراعات السياسية .
إن كرة القدم في جوهرها أكثر من مجرد 90 دقيقة ونتيجة وميدالية وكأس ، إنها لغة عالمية تجمع الناس من مختلف القارات والأديان والثقافات .
ومن هنا نأمل أن يكون مونديال 2030 ، الذي سيجمع إسبانيا والبرتغال والمغرب ، ومعه الاحتفالات المئوية في أمريكا الجنوبية ، فرصة جديدة لتعزيز هذه الرسالة : كرة االقدم للجميع .. والرياضة جسر للمحبة والسلام بين الشعوب .