إبراهيم محمود
لا أذكر منذ متى أحلم بزوجيْ حذاء يناسبان رجْلي اللتين لا يفارقهما ناظريَّ ، وبي سخط وقهر وقنوط!
أذكر أن أبي كان يعاني من المشكة نفسها، وهو يتحسر على امتلاك زوجي حذاء يريحان رجليه حين يمشي، ويبقيهما أمامه حين يجلس في مكان ما، ليعرف كل من يراه أنهما يخصانه.
لم أصدقه حين كان يشدد على حرمانه هذا أنّى ذهب، حتى كبرتُ وبدوتُ وكأنّي نسخة منه !
لا بد أن جدَّه، جد أبي طبعاً كان هكذا، من خلال مكابدتي.
نعم، هكذا أنا، وهذه هي حالتي، مع الزمن:
حين كبرت وصار في مقدوري التمييز بين الحلال والحرام، كما يقولون، الصواب والخطأ، كما يقولون، بين المفيد والضار، كما يقولون، كنت أنتظر اللحظة التي أنتعل فيها زوجيْ حذاء. إنما دون جدوى.
أصبحت جَداً، وليس في الأفق أي مؤشر على أن انتعال زوجيْ حذاء يناسبان رجليّ اللتين أنهكهما الانتظار، وهما عاريتان، وهما تتعرضان لكل مؤذ ْ ، صيفاً وشتاء، بات قريباً جداً.
إنما دون جدوى، دون جدوى !
هل يعقَل أن ليس هناك من زوجي حذاء يمكن الاطمئنان إليهما، تكون فردتاهما متساويتين، وهما تحميان الرجْلين، وتمنحانهما راحة ، وبعدها يمكن المشي وقطع مسافة طويلة كذلك دون قلق عليهما؟
ربما يسخر أحدهما مما أقوله وأسطّره هنا، وهو يقول: يا لغبائه. أيعقل أن بلداً بمثل هذه المساحة وهذا التنوع في العلاقات، وحتى في الصناعات، وليس فيه حذّاء أو صانع أحذية بالقياس المطلوب؟
وماالذي يجعلني أسمّي شكواي، وأكتبها في تغريدتي يومياً، وأنا حاف ٍ؟ وليس هناك من حاول أن يدحض ما قلته وما أكتبه إلى الآن، وهو يدلني على طلبي، أو يشير إلى الجهة التي أجد فيها بغيتي ؟
لقد جرَّبت كثيراً، وأنا أنفق أموالاً كثيرة، من باب الضرورة، فالإنسان برجّليه ، حتى وهو جلوسٌ، لا بد أن يكون زوجا حذائه قريباً منه، لينتعلهما في اللحظة التي يستقيم ويمشي منتعلاً إياهما.
ويستحيل على أي كان، أن يدّعي شيئاً كهذا، وفي مثل هذه المدة الزمنية،ولا يجد من يوقفه عند حده، لأن شكوى كهذه، تسيء إلى سمعة البلد مكاناً وزماناً وثقافة، وحيث يمكن ادعاء الكذب، دون أن يكتشَف أحياناً، في حالات كثيرة، إلا في مثل هذه الحالة التي يمكن التأكد منها بالعين المجردة .
وليعلم كل من له صلة بهذا الموضوع، ومن يعرفني، أنني لست مريضاً، بالعكس أنا سليم الجسم، خصوصاً في رجليّ، إنما علتي الكبرى في رجلي وحدهما، هما همّي الأكبر، وقد تقرحتا ، ومن يمعن النظر فيهما سيعلم إلى أي درجة تولمانني، كما آلمتا أبي وجدّ أبي، وأخشى ما أخشاه، أن تستمر هذه المعاناة مع أحفادي وأحفاد أحفادي، فأي مصير بائس لمن يعيش في وطن، وأمام سمع العالم وبصره، ورجلاه بهذه الهيئة، وأي حياة يعيشها ، ويعمل وهو حاف ٍ ؟