قراءة انطباعية في رواية «وشمس أطلّت على ديارنا الغريبة» للكاتبة يارا إسعاف وهبي

نصر محمد / ألمانيا

يارا وهبي ابنة بيت عُرف بالفن والإبداع لدى جميع أفراده، ابتداءً من والدتها إسعاف، ومروراً بأخيها الكبير الفنان والكاتب رافي وهبي.

تقول يارا في أحد حواراتها:

«كان لأمي إسعاف وهبي الأثر الكبير في تكويني النفسي، وهي التي أصرّت على كتابة اسمها على غلاف روايتي مرفقاً باسمي، لأكسر تابو من تابوهات الانتماء؛ فأنا في العمق لا أشعر إلا بالانتماء إلى روحها وعقلها الذي سبق عصرها ومحيطها الضيق».

تُعدّ يارا وهبي أحد الأصوات التي وثّقت، من خلال الصحافة أولاً والرواية ثانياً، وجعنا وقهرنا وحجم التشرّد الذي فُرض علينا، مثلما وثّقت عدالة المطالب التي خرجنا يوماً من أجلها.

يارا وهبي كاتبة سورية عملت مع صحف لبنانية وعربية أخرى. صدرت لها رواية بعنوان «وشمس أطلّت على ديارنا الغريبة»، وديوان «خرافة» باللغتين العربية والألمانية، وكلا العملين من إصدارات مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر. وتُعرف يارا وهبي أيضاً بوصفها فنانة تشكيلية تدير مشاريع فنية تدمج الفن في الحياة اليومية.

الرواية

صدرت الرواية الأولى للكاتبة والفنانة التشكيلية السورية يارا وهبي سنة 2022 عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، بعنوان «وشمس أطلّت على ديارنا الغريبة». وتتألف من ثلاثة فصول تمتد على 326 صفحة من القطع المتوسط.

تطلّ يارا وهبي بروايتها بوصفها القطرة الأولى من غيث الكلمات، فتعلن تمرّدها بإجلال، وتكسر السكون، وتمنح الرواية الحديثة جزءاً من حقها.

قرأت الرواية بشغف بسبب لغتها الإنسانية السلسة وأسلوبها المشوّق الذي يجذب القارئ إلى معرفة المزيد من أحداثها وسيرة بطلتها شمس، وكانت لي هذه الانطباعات.

يحمل عنوان الرواية مفتاح متنها، ويهمس بمضمونها وبُعدها الفكري؛ فهو الضوء الوامض الذي يلفت انتباه المتلقي، وربما يثير في مخيلته أسئلة حول معنى الرواية، ويدفعه إلى محاولة فك شيفرتها.

«وشمس أطلّت على ديارنا الغريبة»؛ فشمس ليست اسم البطلة فحسب، بل استعارة للنجاة والبداية. غير أنها شمس تطل على ديار غريبة ليست ديارنا.

الافتتاحية: كابوس البحر

تبدأ الرواية بتقنية الصدمة الحلمية:

«استيقظت شمس مكبّلة بقيد كابوس الليلة الماضية… هي هنا ملقاة على سريرها في المدينة الألمانية المجهولة حتى اللحظة… حية لم يبتلعها موج البحر، لم تكن بين الجثث».

ثم يُستعاد الكابوس بتفصيل سينمائي قاسٍ: أجساد غرقى تطفو على سطح البحر، عيونهم مغلقة وأفواههم مفتوحة على أقصاها، فيما يطاردها صدى صراخهم كالشبح:

«أنقذونا… أنقذونا… أنقذونا».

هنا تضعنا الكاتبة مباشرة في قلب الصدمة السورية؛ فالنجاة ليست خلاصاً، بل شعور بالذنب يلاحق مَن نجا من البحر بسبب مَن لم ينجُ.

اللغة شعرية وداخلية وتعتمد تيار الوعي. ترى شمس نفسها «الحية الوحيدة على شاطئ البحر»، تمشي وتدوس، من دون أن تدرك أنها تدوس على الجثث؛ وهي صورة مركبة للاغتراب عن الذات.

شمس وزوجها: محاولة التطبيع المستحيل

يأتي المشهد الثاني نقيضاً للكابوس؛ فهو حميمي ودافئ ومقاوم. يصوّر لنا زوج شمس، الذي تطلق عليه طوال الرواية اسم «العزيز»، منشغلاً بتعليق صورة زفافهما في دمشق.

عُلّقت الصورة للمرة العاشرة، إذ ظل يبحث لها عن المكان الأنسب والحائط الأنسب، من دون أن يجدهما، ما كان يضطره إلى تغيير موضعها باستمرار. كأن صورة الزفاف تُضمر رفضاً مبطناً وغير واعٍ لوجودهما في ألمانيا؛ فهي صورة لشمس السورية وزوجها الألماني الذي كان يتمنى، قبل أن تبدأ الحرب، أن يبقى في دمشق.

يدور بينهما حوار لطيف حول المسمار المعلّق، فيقول العزيز لشمس:

«هل أترك المسمار على هذا النحو معلّقاً، أم لديكِ من الصبر ما يكفي؟».

إن المسمار المعلّق هو حالهما كله.

وهنا تبرز جملة مفتاحية يرددها العزيز في نفسه:

«لم أكن أتوقع يوماً أن نستقبل السوريين في ألمانيا».

كانت شمس قد قدمت إلى ألمانيا بعد الأحداث في سوريا لتكمل فصول قصة حبها، بعدما تعرّفت إلى العزيز في دمشق وجاءت معه عروساً. وهي الآن تستعد برفقته لاستقبال الدفعة الأولى من اللاجئين.

تشتري الشوكولا لتوزعها على الأطفال القادمين بالقطار، لكنها، في طريقها إلى المحطة، تفتح نافذة السيارة لتلتقط الهواء فتنهار، وتتذكر ما حدث لها في دمشق؛ ذلك السر الذي لا تزال تحتفظ به وتخفيه عن العزيز. يتصارع فرح استقبال السوريين الناجين وحزن الذاكرة في لحظة واحدة.

مشهد المحطة: قلب الرواية

يُعدّ هذا المشهد الأكثر كثافة، إذ يلخّص ثيمات كثيرة من الأدب السوري الجديد.

الازدحام والترحيب

ألمان كثر، ومحطات تلفزيونية، وشرطة منتشرة للإشراف على وصول آمن. رئيس المقاطعة متحمس للغاية، يصافح كل سوري كما لو أنه نجا مرتين: اجتاز البحر ووصل إلى ألمانيا.

الوجوه

لا تصف الكاتبة حشداً، بل تصف وجوهاً: رجل يسند رأسه إلى مقعد الحافلة منهكاً وحزيناً، وزوجته تضع رأسها على كتفه وتبكي، وشاب يرفع علامة النصر.

تطرح شمس عندئذ سؤال الرواية المركزي:

«أي نصر هذا؟ نصر الوصول أم الهروب؟ أم نصر اللجوء؟ أم هو النصر الذي لم يتحقق؟».

اللغة المزدوجة

تظهر لافتات كرتونية كُتب عليها «شكراً ألمانيا»، وتتردد أغنية ترحيب ظلت عالقة في رأس شمس أياماً:

«قل بصوت عالٍ، قل بصوت واضح: أهلاً بكم هنا أيها اللاجئون، أهلاً بكم».

لحظة الانكسار

تقف شمس بالقرب من الحافلات، باحثة عن وجه صبية صغيرة تتمنى لو تراها، فنفهم أن لها قصة لم تُروَ بعد. تقترب منها شرطية ألمانية وتسألها:

«هل تنتظرين أحداً؟».

هنا يحدث ذلك الصدام الإنساني الجميل. تضع شمس لسانها على سقف حلقها وتصنع صمتاً؛ فلا تكذب ولا تقول الحقيقة. فتسألها الشرطية، بصوت إنساني يتجاوز بدلتها العسكرية:

«أليس هذا جميلاً؟ أليس جميلاً أن تستقبل ألمانيا السوريين الفارين من الحرب؟».

فيجيب لسان شمس بما يشبه البيان الأخلاقي للرواية كلها:

«لا، ليس جميلاً أن حاكماً في بلادي أجبر الناس على اجتياز البحر. ليس جميلاً أن بعضهم تمكن من الوصول بينما غرق الآخرون… ليس جميلاً، بل قاسٍ للغاية، أن تتحول صرخة حرية إلى محطة لجوء. لكن للأمر وجهاً آخر، نعم، وجهاً جميلاً للغاية: أن الأطفال الناجين، وهم يضعون أقدامهم الصغيرة على الأراضي الألمانية، يخطون نحو مستقبل واضح؛ سيعيشون أيام طفولتهم هنا بلون الزهر وطعم السكر».

الوقوف على الحافة

هذه الجملة تختصر هوية شمس وهوية الرواية:

«فالسوري الزائر الجديد… كان بحكم الانتماء مثيلاً لها، لكن ما عاشه سواه في البحر أو الحرب أو تحت التعذيب جعله بعيداً عنها مسافات، حتى غدا غريباً. وذلك الألماني لم يكن بالبعيد ولا بالقريب؛ لذا فقد وقفت مرتبكة بين الزائر والمضيف، بين الحرب والسلم، بين الشرق والغرب. لقد وقفت على الحافة بين الغريب والغريب».

لا تزال شمس غريبة بين الألمان، وقد أصبحت غريبة عن السوريين الجدد أيضاً؛ إنها غربة مضاعفة.

متلازمة البرد والقهر

في الخاتمة الشعرية للفصل، تعود شمس مبتلة ومقهورة:

«فقد اخترق القهر عظامها كما البرد، لا بل إن البرد ضاعف قهرها».

لم ينفعها المعطف السميك الذي أهداها إياه زوجها، ولا التدفئة الجيدة. القهر والبرد يمسكان بيد بعضهما ويتسللان تحت جلدها. تريد أن تجفف شعرها بقوة، وأن تطرد «صقيع اليوم وصفعة اللجوء التي شهدتها».

تظهر هنا لغة الكاتبة الحسية، إذ تربط المشاعر المجردة، مثل القهر، بأحاسيس جسدية كالبرودة والبلل والصقيع.

الانطباع الأول

تنتمي الرواية بوضوح إلى أدب الشتات السوري، لكنها لا تكتب من موقع الشكوى فقط، بل من موقع الشاهدة التي تحاول أن تفهم معنى أن تكون سورية في ألمانيا عامي 2015 و2016، وأن تستقبل اليوم مَن يشبهك بالأمس.

إنها رواية ذاكرة وهوية وأمومة ونجاة. أسلوب يارا وهبي حميم وأنثوي وداخلي، يعتمد على التفاصيل الصغيرة، مثل صورة الزفاف وقطعة الشوكولا والمسمار، للتعبير عن أسئلة كبيرة تتعلق بالحرب واللجوء والاندماج.

الصفحة الخامسة والعشرون: المفتاح الأخلاقي للرواية

يمثل المقطع الذي يجمع الكنيسة والشمعة والجدة ورائحة الفطائر بياناً لفلسفة الرواية. إنه حوار بين شمس والعزيز، ينقلنا إلى معاناة الألمان في الماضي وذكريات الحرب العالمية الثانية، وتختمه شمس بجملة ترددها في نفسها:

«كم نحن أنانيون عندما نعتقد أن ألمنا أكبر من ألم الآخر، وكم نبالغ في الإحساس به حتى ننسى أن للآخر أيضاً نصيباً منه».

تضع الكاتبة هنا ميزانها الأخلاقي؛ فالرواية ليست منافسة بين الألم السوري والألم الألماني، ولا بين المسلم والمسيحي، ولا بين الألم القديم والجديد.

الجدة التي لم يرها العزيز أسهمت في تشكيل ضميره وهويته، كما ستشكل شمس ضميرنا نحن القراء. يصبح التعاطف وطناً بديلاً. وفي تلك اللحظة «ناجت الله بقوة ليغير شيئاً مما يحدث في حياتها الآن، فاستجاب». إنها استجابة أولى تمهد لاستجابة أكبر، تتمثل في حصول أبي جابر على الإقامة.

شخصية أبي جابر: ضد الاندماج… ومعناه الحقيقي

يمثل فصل «اللاذقية» تحفة سردية مستقلة.

يلتقي أبو جابر بتوماس الألماني في قطار ينقل السوريين من الحدود إلى زالفيلد. أتقن توماس العربية لأنه درس العلوم الإسلامية، وجاء لمساعدة أبي جابر على الاندماج.

يرد أبو جابر بجملته التي تلخص جانباً كبيراً من أدب اللجوء:

«أندمج! مع مَن؟».

تقدم الكاتبة تعريفاً مبدعاً لحالته:

«عاش أبو جابر في كيس الجنين، ولم يشأ أن يمزقه؛ يسبح في ماء الماضي الدافئ فلا يغرق. لم يكن بالنسبة إليه ماضياً».

لم يهاجر أبو جابر نفسياً. كان قادراً على خلق وطنه داخل زالفيلد؛ فاستبدل شوارع الوطن بشوارعها، ورأى سكان حيه القدامى بين الألمان، فألقى عليهم التحية بالعربية ومضى.

حتى البحر لم يعجز عن خلقه؛ فقد استبدل بحر اللاذقية بنهر «ساله» في زالفيلد، وجلس على ضفته يصطاد.

السمكة «ثورة»: الاستعارة الكبرى

لا يصطاد أبو جابر ليأكل، بل ليستعيد هويته:

«لم يكن يبغي من هذا الطقس إلا اصطياد سمكة تجدد له الهوية وتقول له: يا صياد، وتكرس له الانتماء».

يقول له توماس إن وجود السمك في النهر يكاد يكون مستحيلاً، بقدر استحالة إسقاط النظام في سوريا. غير أن هذه الجملة تجعله أكثر إصراراً:

«فهو لن يسمح بأن يقهره النظام مرتين، ولن يهزمه النهر وهو الصياد ابن الصياد».

يصارع النهر والأقدار حتى يصطاد سمكة ذهبية نادرة، يضعها في حوض ويسميها «ثورة».

يبدأ بعد ذلك مشهد سريالي بديع؛ يجلس بجانب الحوض، ويتحدث إلى السمكة، ويرمي لها فتات الخبز، ويحكي لها قصته التي لم يقلها لأحد، لأنه يعرف أن أحداً لن يصدقه.

يخبرها بأنه بحّار لا يهيج البحر في حضرته، لأن أباه صياد، ولأن أمه ولدته في قلب قارب وغسلته بماء البحر. ويحكي لها كيف خاطب البحر، أثناء عبور قارب الموت بأربعين رجلاً:

«يا حبيبي، هل نسيت أبا جابر؟ اهدأ حتى نصل».

فحمله البحر بحنان الأب إلى شاطئ الأمان.

السمكة هنا ليست مجرد سمكة؛ إنها الثورة وسوريا والذاكرة التي وضعها أبو جابر في حوض زجاجي داخل غرفة في ألمانيا، محاولاً الحفاظ عليها حية.

«اللي ما يشارك ما فيه ناموس»

حين تسأله السمكة، أو حين توحي حركتها من أعلى الحوض إلى أسفله بأنها تسأله، عن سبب مشاركته في الثورة، يعترف بأنه لم يكن معتقلاً، ولم يكن فقيراً أو مقهوراً، بل كان رجلاً راضياً. لكنه نزل إلى الشارع عندما هتف الناس:

«واللي ما يشارك ما فيه ناموس».

يشرح قائلاً:

«الناموس يعني الضمير؛ اللي ما يشارك في الثورة ما فيه ضمير».

نظر في عيون زوجته وبناته، وشعر أنهن يستنهضن الرجل الذي في داخله، فبدّل ثيابه على عجل ونزل. كان لكل الناس «نواميس» حية ولامعة، إلا النظام الذي قصفهم وأحمد نورهم.

إنه تفسير إنساني بسيط وعميق لانفجار عام 2011، بعيداً عن الأيديولوجيا.

توماس الذي يصلي وأبو جابر الذي لا يصلي

من أجمل مشاهد الرواية أخلاقياً ذلك المشهد الذي يرى فيه توماس صورة السمكة، فيأتي مسرعاً، ملتفاً بوشاحه، ويقول ضاحكاً:

«يا رجل، إنها حلم كل صياد».

ثم يسأل فجأة:

«هل ستصلي؟».

فيرد أبو جابر مستنكراً:

«لا، بالطبع لا. أنا لست متديناً».

فيقول توماس:

«أما أنا فأريد أن أصلي. هل لديك ما أستعمله سجادة؟».

يُصعق أبو جابر: الألماني يصلي، والسوري لا يصلي. توماس الذي بحث سنوات عن الله في أمهات الكتب العربية والإسلامية وجد في روح أبي جابر، رغم عدم صلاته، «نفحات الرحمن».

يضع أبو جابر يده على خده متفكراً، ثم يحدث «ثورة»:

«على كل حال، أن يصلي المرء فهذا أمر حسن. الصلاة لا تقدم أو تؤخر في شيء؛ انظري إلى أم جابر، منذ تزوجتها وهي تصلي ليصلح الله حالي، وها أنا على حالي».

إنها سخرية مرة، وإيمان فطري غير طقوسي.

ينام أبو جابر إلى جانب الحوض ويحلم بأنه أسقط النظام وحده، ثم يستيقظ على رسالة تخبره بحصوله على حق اللجوء. هنا يلتقي الحلم والسمكة والثورة.

يعود بعد ذلك خيط شمس؛ يتصل بها أبو جابر ليخبرها، فتنقل الخبر إلى العزيز. عندئذ يطرح العزيز السؤال الواقعي القاتل:

«وهل لديه من المال ما يكفي لدفع تكاليف السفر؟».

لم تكن تعرف. وهكذا تنتقل الرواية من الشعر إلى جحيم البيروقراطية ولمّ الشمل.

فصل «القامشلي»: أحزان كولونيا

تقفز الرواية زمنياً إلى ليلة رأس السنة 2015–2016 في كولونيا، وتشير الكاتبة بوضوح إلى الحدث الذي هز ألمانيا، والمتمثل في تحرش مجموعات من الشباب العرب والأفارقة بالنساء.

تكتب:

«في صبيحة اليوم المشؤوم الذي انتشرت فيه الأخبار، دخلت شمس إلى مكتبها حزينة…».

تدخل الرواية هنا إحدى أصعب مناطقها؛ فشمس التي استقبلت السوريين بفرح في المحطة تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة تأثير أفعال أقلية منهم في صورة الجميع.

يعود القهر والبرد اللذان مسّاها في الفصل الأول، لكنهما يعودان هذه المرة بسبب أفعال بعض أبناء جلدتها.

وهذا ما يفسر عنوان الفصل «القامشلي»؛ فالحدث الألماني يعيد شمس إلى مدينتها الأصلية وإلى السؤال المؤلم: هل نحمل خرابنا معنا؟

تكتب وهبي رواية مضادة للصور النمطية؛ فلا وجود فيها للاجئ صالح دائماً أو لألماني عنصري دائماً. فيها ألماني مسلم يبحث عن سجادة ليصلي، وسوري غير متدين يصطاد ثورته في نهر ألماني بارد.

الاندماج عندها لا يعني أن تغادر «كيس الجنين» تماماً، بل أن تخلق بحرك في النهر الجديد. والثورة ليست شعاراً، بل سمكة ذهبية صغيرة ينبغي أن تطعمها كل يوم فتات الخبز كي لا تموت.

تنتقل اللغة بسلاسة لافتة من الشعرية الداخلية في كابوس شمس إلى أسلوب الحكواتي الشعبي الساخر في حكاية أبي جابر وسمكته «ثورة».

الفصلان الثاني والثالث: رواية داخل رواية

تبدأ الصفحات بجملة كاشفة:

«أغلق العزيز حاسبه وأعلن انتهاء الرواية قائلاً: لقد نفدت الحكايات، وفي حوزتي كل المدن. فأجابته شمس: إنها لم تنتهِ بعد؛ غداً ستذهب إلى بيروت للقاء العائلة بعد كل سنوات البعد هذه، وعندما نعود سنكمل».

تكشف يارا وهبي هنا لعبتها السردية: العزيز هو مَن يكتب الرواية التي نقرأها، وشمس هي ملهمته ونافذته الأولى؛ تروي له قصص اللاجئين السوريين، وهو يكتبها.

مروان ووديع في الدار المسكونة بالموسيقا

يمثل مروان ووديع وجهين للسوري في المنفى.

تصف الكاتبة داراً ألمانية لذوي الإعاقة يزورها مروان، وتنتقل من وصف المكان إلى حلمه:

«الشمس لحقت الدار من كل جانب، هكذا تتحرك، تدخل الشمس من شباك مفتوح أو باب. داخل الدار كان صوت الموسيقا يزداد… مع كل خطوة لهم داخل الدار كان صوت الموسيقا يزداد ارتفاعاً؛ موسيقا لم يسمعها مروان فيما سبق».

الدار ليست بيتاً عادياً، والموسيقا ليست موسيقا عادية، وحتى الشجرة أمام البيت ليست عادية. تحمل كل غرفة حكاية، وفي هذه الدار الكبيرة يدور حوار بين مروان ووديع، ابني الجبل.

يأتي الحوار رائعاً ومريراً؛ يبدأ حول دار ذوي الإعاقة، ثم ينمو حلمهما ويتحول إلى مشروع في مدينتهما السويداء: مشروع للأيتام واللاجئين.

تلتقط وهبي بدقة سيكولوجيا اللاجئ الريادي:

«بدأ الحلم يؤرق مروان ووديع؛ فقد أرادا، على الرغم من اختلاف مواقفهما السياسية، تأسيس جمعية لمساعدة الأيتام واللاجئين السوريين الذين لجؤوا إلى مدينتهما السويداء».

يتحقق حلمهما، ويبدأ المسؤول عن المشروع في السويداء بإرسال الصور إليهما. فجأة يصبح الحلم ملموساً: أفران، وطحين، وأطفال حول الطاولة.

تأتي بعد ذلك الجملة التي تلخص أدب العودة:

«حين أرسل المسؤول عن المشروع في السويداء إليهما صور النساء والأطفال متحلقين حول الطعام، بكى مروان ووديع… كان أصحاب الصور أهلهم. شعرا بالخير الذي فعلاه؛ جمعهما المشروع وفرّقتهما مواقفهما السياسية».

المشروع ليس اقتصادياً فحسب، بل محاولة لاستعادة «الناموس»، وهي الكلمة نفسها التي استخدمها أبو جابر؛ أي أن تفعل شيئاً من أجل الآخرين وأنت في المنفى.

فصل الجدة والباب: أصل كل غربة

تمثل الصفحة 315 مفتاحاً رمزياً للرواية كلها. تقرر جدة شمس الأرمنية مغادرة دمشق والقدوم إلى ألمانيا بعدما رُزقت شمس طفلة صغيرة.

تصف وهبي مشهد مغادرة الجدة دمشق، فتجسد من خلاله ألم السوريين جميعاً:

«أغلقت الجدة باب الدار الكبير، وجثا الألم في صدرها. لطالما أرعبها خيال هذه اللحظة، ولطالما لم ترغب فيها ولم تتمنَّ أن تعيشها. لم يكن شيء ليُخرج قدميها من دمشق، لا الحرب ولا الجوع ولا الحر، إلا أن تلد حبة السكر ابنة. لم تنسَ كم تعبت وعانت عندما ولدت ابنتها وكانت وحيدة في دمشق».

إن إغلاق الباب الكبير في دمشق هو اللحظة الأصلية التي وُلدت منها أبواب ألمانيا المغلقة. الجدة التي أغلقت الباب هي شمس نفسها وهي تحاول فتح باب شقة في ألمانيا، وهي مروان نفسه وهو يحاول فتح باب مشروع في السويداء.

كأن الرواية تقول: نحن شعب الباب؛ منذ أن أغلقنا أبواب دورنا في دمشق، ونحن نبحث عن مفتاح في كل المدن.

النهاية المفتوحة

تصل يارا وهبي في النهاية إلى ذروتها الإنسانية. السوريون الجدد في ألمانيا استقبلهم الألمان، ثم استقبل هؤلاء السوريون بدورهم سوريين جدداً، فصاروا من أهل البلد من دون أن يشعروا.

تحولت الغربة التي كانت عقاباً إلى هوية جديدة قادرة على استقبال الآخرين.

إذا كان الفصل الأول عن الصدمة، والفصل الثاني عن الحلم المتمثل في السمكة والثورة، فإن الفصل الأخير يتناول الاستحالة والاستمرار رغمها.

لا تكتب يارا وهبي رواية لجوء بسيطة عن الاندماج، بل تكتب عن:

  • كيفية صناعة المهاجر وطناً صغيراً من الفخار في السويداء وهو يعيش في ألمانيا.
  • كيف يصبح الباب المغلق في دمشق هو نفسه الباب المفتوح في زالفيلد.
  • كيف لا تنتهي الحكاية بإغلاق الحاسوب، بل تبدأ عندما تذهب شمس إلى بيروت لتلتقي بالجدة.

تصبح اللغة هنا أقل شعرية مما كانت عليه في البداية، وأكثر واقعية وحوارية؛ لأنها لغة المشروع والحسابات والشك والخوف من النصب والسرقة.

«وشمس أطلّت على ديارنا الغريبة»: رواية ما بعد اللجوء

ليست الرواية مجرد حكاية عن اللجوء، بل هي رواية ما بعد اللجوء، ويمكن قراءة أبرز ملامحها على النحو الآتي:

أولاً: البنية

تعتمد الرواية تقنية «الرواية داخل الرواية». العزيز يكتب، وشمس تعيش، وأبو جابر يصطاد سمكته «ثورة»، ومروان ووديع يبنيان مشروعهما، والجدة الأرمنية تحمل مفتاحها. إنها حكايات يكتبها العزيز كي تتمكن شمس من فهم نفسها.

ثانياً: الرمز المركزي

يشكل الباب والمفتاح والنافورة منظومة رمزية مركزية. فمن المسمار المعلّق في شقة ألمانيا في البداية إلى المفتاح الموضوع تحت أصيص الزهور في دمشق في النهاية، تقول يارا وهبي إن السوري لم يفقد بيته، بل فقد القدرة على فتحه.

أما النافورة المعطلة التي يعيد العزيز تشغيلها في النهاية، فهي علامة على عودة الحياة ببطء، قطرة بعد قطرة.

ثالثاً: اللغة

تتنقل الرواية بين ثلاث لغات سردية:

  • لغة الكابوس الشعري: البحر والجثث.
  • لغة الحكواتي الشعبي الساخر: أبو جابر وسمكته «ثورة».
  • لغة الوثيقة الباردة: اليمين المتطرف، والأوراق الرسمية، والمطار.

هذا التنقل هو ما يجعل الرواية حية ومتعددة الأصوات.

رابعاً: الموقف الأخلاقي

تكمن براعة يارا وهبي في أنها لا تقدم ألمانياً شريراً بصورة مطلقة، ولا سورياً ملاكاً. توماس الألماني يصلي، وأبو جابر السوري لا يصلي. الجميع هنا بشر يحملون تناقضاتهم وآلامهم وأسئلتهم.

خاتمة

تنتهي الرواية بهتاف واحد ظل أربعة عشر عاماً عالقاً في حنجرة شمس:

«حرية».

لا ينطلق الهتاف في ساحة سورية، بل مع فنجان قهوة في دار قديمة في دمشق، فيما العزيز نائم في الجامع الأموي إلى جوار مقام النبي يحيى.

أطلّت شمس أخيراً، ولكن على ديارنا الغريبة.

غير أن «الغريبة» هنا لم تعد ألمانيا؛ فقد أصبحت دمشق نفسها غريبة بعد ثلاثين عاماً.

وهكذا تغدو الرواية شهادة أدبية وإنسانية على التحولات التي أصابت السوري في وطنه ومنفاه؛ إنها رواية عن الذاكرة والنجاة والضمير، وعن الأبواب التي أُغلقت، والمفاتيح التي لا نزال نحملها، والشمس التي تستمر في الإطلال مهما طال زمن الغربة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

ونريده صوتاً ينادينا
فيه أسامينا
فيه معانينا
فيه مغانينا
أرضاً تسمّينا
ومقبرة تعرَّف باسمنا
وتعرف ألفباء بكائنا
وحنيننا
ونظل أهلينا

ونريده ميسور حال مثلما
للغير نشأتهم
وصبوتهم
وطلتهم على الدنيا
ونريده
في ملتقى الأرضين والسموات
تبياناً وتبيينا

ونريده وجهاً حياتياً
وإقراراً بحادينا وساعينا
ونريده، حقاً،
بكل تواضع ٍ
شجراً يطالعنا ويؤنسنا
ويطلقنا إلى أعلى أعالينا
بحراً ينادمنا إلى أقصى أماسينا
ويمنحنا من الأعماق
ما يثري به أصفى أمانينا
نهراً يرافقنا إذا نمنا
ويوقظنا ويمضي طوع آتينا
برّاً يرتّلنا
ويمحو من مآقينا
ضباباً أو…

جوان سلو

“كانت القهوة قد ابتردت في فنجانه عندما رفعه إلى فمه، وارتشف منه رشفة صغيرة. وضع الفنجان وهو يتأمل أمامه، عبر الواجهة الزجاجية الكبيرة. لا شيء يثير الانتباه في ساحة “سعد الله الجابري”، كل ما فيها يشتت الذهن.. وقبل أن تشده البلادة إلى الكسل أمسك بالقلم، وعاود الكتابة من جديد”

يمتد المقهى كحيّزٍ وجودي يأخذ من…

إبراهيم محمود

لا أذكر منذ متى أحلم بزوجيْ حذاء يناسبان رجْلي اللتين لا يفارقهما ناظريَّ ، وبي سخط وقهر وقنوط!

أذكر أن أبي كان يعاني من المشكة نفسها، وهو يتحسر على امتلاك زوجي حذاء يريحان رجليه حين يمشي، ويبقيهما أمامه حين يجلس في مكان ما، ليعرف كل من يراه أنهما يخصانه.

لم أصدقه حين كان يشدد على حرمانه…

ا. د. قاسم المندلاوي

اختُتمت منافسات كأس العالم 2026 ، التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، بمشاركة 48 منتخبا للمرة الأولى في تاريخ البطولة ، بدلًا من 32 منتخبًا ، في تجربة تنظيمية جديدة للاتحاد الدولي لكرة القدم ( فيفا ) وقد شهدت البطولة إقامة 104 مباريات خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو…