امين عبدو*
إن التناظر المذهل بين ملحمة جلجامش السومرية/البابلية ومأثورة سيامند وقرة كيدران الكردية (كما رواها الدنكبج المغني الملحمي “دمر علي”) يطرح تساؤلاً جوهرياً حول كيفية انتقال هذا النسيج الأسطوري وتطابق بنيته، رغم أن الراوي الشفهي عاش في بيئة قروية بسيطة لا علم له بالمدونات السومرية القديمة ولا بالتحليل التاريخي الأكاديمي.
أوجه التشابه والمقابلة البنيوية بين الملحمتين
طبيعة البطل والقدرة الخارقة:
جلجامش: بطل متمرد، يُصوَّر بنسبة ثلثين إله وثلث بشر، ومُتحرر من القوانين التقليدية.
سيامند: بطل متمرد في التراث الشفهي، يمتلك وعداً إلهياً وقوةً لا يستطيع أي إنسان هزيمتها.
المواجهة الشريفة (الصراع الذي يسبق الصداقة):
جلجامش وأنكيدو: اندلعت بينهما مصارعةٌ ومنازلة عنيفة انتهت بفوز جلجامش، ثم تحول الصراع إلى صداقةٍ ومحبةٍ تاريخية.
سيامند وقرة كيدران: دارت بينهما منازلةٌ ومصارعة انتهت بانتصار سيامند، لتتحول الخصومة بعدها مباشرة إلى حلف وصداقة متينة.
الانتقام من القوة العلياء/المقدسة:
جلجامش وأنكيدو: تحدا الآلهة وانتقما بتحطيم “ثور السماء” الذي أرسلته عشتار.
سيامند وقرة كيدران: انتقما من “خيمة القدر” (Konê qederê) باعتبارها الرمز المسؤول عن فقرهما ومأساتهما.
فقدان الصديق (الفاجعة الأولى):
جلجامش: يفقد صديقه أنكيدو بسبب لعنة ودعاء عشتار والآلهة.
سيامند: يفقد صديقه قرة كيدران بسبب التبعات والمكائد المرتبطة بـ “خجية وتلي زينب”.
النهاية المأساوية والفقدان:
جلجامش: يخسر عشب الخلود في لحظة غفلة بسبب أفعى أخذته منه.
سيامند: يخسر حياته ونهايته في الأسطورة بسبب وعل جبلي (Bezkufî).
كيف نسج الفن الأسطوري هذه العناصر دون معرفة بالكتابة السومرية؟
يرجع هذا التطابق البنيوي والأسطوري بين النصين إلى عدة عوامل أنثروبولوجية وثقافية:
الذاكرة الجمعية والتواتر الشفهي (Oral Tradition): الأسطورة لا تحتاج إلى التدوين لكي تعيش؛ فالشرق الأدنى القديم يمثل وحدة جغرافية وثقافية متصلة. انتقلت الحبكات والمؤشرات الأسطورية عبر الأجيال والرواة والأنغام الشفهية عبر آلاف السنين، ومُنحت أسماءً ولغاتٍ جديدة تتماشى مع البيئة الجبلية والرعوية دون أن تفقد جوهرها البنيوي.
الأنماط العليا واللاوعي الجمعي (Archetypes): وفقاً لنظريات علم النفس التحليلي والأنثروبولوجيا (مثل كارل يونغ وجوزيف كامبل)، تفرز المخيلة البشرية البدائية أنماطاً متماثلة عند مواجهة قضايا الوجود الكبرى: البطل المتمرد، المصارعة التي تولد الصداقة، والتحدي ضد القدر، والنهاية الحزينة على يد رمز طبيعي (أفعى أو وعل).
البيئة الطبيعية وفن الدنكبج (Dengbêj): حافظ التراث الكردي الشفهي على أسلوب الإنشاد الملحمي الطويل الذي قد يستغرق ساعات—على غرار الإلياذة—بفضل ممارسة مغنين ملحميين فطريين أمثال سلو كورو، دمر علي، شاكرو، رفعت داري، كاويس أغا، وعفدالي زينة. تعتمد هذه المدرسة على الذاكرة الفطرية وحفظ السير الملحمية، مما جعل الفن الأسطوري مخزوناً حياً في صدور الأجداد كوسيلة تعبير عن الفكر الإنساني القديم.
*محاضر لمادة الأسطورة بجامعة روج افا