صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن كتاب الباحث والكاتب الكرديّ السوريّ إبراهيم محمود «الكرد: الأصول – المعتقدات – الثقافات – والمآلات»، في دراسة واسعة تتعقّب حضور الكرد في التاريخ والجغرافيا، وتعيد طرح الأسئلة المتّصلة بأصولهم ومعتقداتهم وثقافتهم وهويتهم القومية، وصولاً إلى التحولات السياسية والجيوسياسية التي أحاطت بقضيتهم والمآلات المفتوحة أمامهم في القرن الحادي والعشرين.
يتوزّع الكتاب على أربعة فصول تحمل المفردات الأربع التي يتشكّل منها عنوانه: «الأصول»، و«المعتقدات»، و«الثقافات»، و«المآلات»، تسبقها مقدمة بعنوان «عن شعب يبحث عن اسمه»، وتنتهي بـ«حصيلة الكتاب: قراءة خارج المسلّمات». ويكشف هذا البناء عن طبيعة المشروع الذي يتصدى له المؤلف، إذ تتجاور فيه أسئلة التاريخ مع الجغرافيا والدين والثقافة والسياسة، ضمن محاولة لقراءة المسألة الكردية بوصفها شبكة متداخلة من العناصر التي يصعب فصل أحدها عن الآخر.
وينطلق إبراهيم محمود من سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يقود إلى سلسلة من الإشكاليات التاريخية والمعرفية: كيف يمكن قراءة تاريخ شعب توزّع جغرافياً بين دول عدة، وظلت أصوله وتاريخه وهويته موضع سجال بين روايات متباينة ومتناقضة في أحيان كثيرة؟ ومن يكتب التاريخ، وبأي أدوات، وتحت تأثير أي سلطة أو خلفية فكرية وسياسية؟
ويشير المؤلف إلى أن كثرة المؤلفات والدراسات والوثائق المتعلقة بالكرد، المكتوبة بلغات شرقية وغربية مختلفة، تجعل هذا الحقل مفتوحاً على مزيد من التقصي والتعمق، وتكشف في الوقت نفسه عن تعدد الزوايا التي قُرئ من خلالها الكرد وتاريخهم.
يتوقف الكتاب عند محاولات تاريخية مختلفة لنسب الكرد إلى شعوب أخرى، ويناقش ما حملته بعض هذه القراءات من خلفيات سياسية وإيديولوجية، ولا سيما حين يتحول البحث في الأصل من مسألة معرفية إلى وسيلة لنفي استقلال جماعة بشرية بتاريخها وجغرافيتها وثقافتها.
ويستحضر إبراهيم محمود في هذا السياق طيفاً واسعاً من المؤرخين والباحثين والمستشرقين والدارسين، مستفيداً من تباين قراءاتهم للكرد، ومن الاختلاف حول الصلات المفترضة بينهم وبين شعوب وحضارات المنطقة القديمة. لذلك تتحول مسألة الأصل في الكتاب إلى مدخل لفحص كتابة التاريخ ذاتها، وحدود اليقين فيها، ومدى حضور السياسة والإيديولوجيا خلف بعض سردياتها.
ويقرأ المؤلف التاريخ الديني للكرد ضمن فضاء من التعدد والتداخل والتأثير المتبادل، متتبعاً حضور المعتقدات والأديان والتيارات الروحية المختلفة، وعلاقتها بالبيئات التاريخية والجغرافية التي عاش فيها الكرد. كما يناقش بعض الكتابات التاريخية والاستشراقية التي تناولت المعتقدات الكردية، وما حملته مصطلحاتها وتصنيفاتها من تصورات عن المجتمع الكردي. ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في مناقشته لكتابات مينورسكي حول الديانات والمعتقدات بين الكرد.
ويمنح إبراهيم محمود اللغة مكانة مركزية في هذه القراءة، باعتبارها واحدة من أبرز علامات الهوية القومية ووسائل استمرارها، ويربطها بالأدب والفكر والفنون والإنتاج الثقافي، وبقدرة المجتمع على الاحتفاظ بذاكرته والتعبير عن نفسه في مواجهة التحولات السياسية والاجتماعية.
ويولي الكتاب اهتماماً خاصاً للفولكلور الكُردي والذاكرة الجماعية والأغنية والحكاية الشفاهية، فلا يتعامل معها بوصفها مواد تراثية منفصلة عن الحاضر، بل يقرأ الوظيفة التاريخية التي تؤديها في مجتمع عانى التجزئة السياسية والجغرافية. ويرى المؤلف أن الذاكرة الجماعية يمكن أن تتحول، في مثل هذه الحالة، إلى حافظة لتاريخ لم يجد دائماً طريقه إلى التدوين، وأن الفولكلور يؤدي وظيفة تتصل بالهوية القومية وباللغة واستمرار الذاكرة.
ويتوقف كذلك عند التحولات التي شهدها الحضور الثقافي الكردي في العقود الأخيرة، ولا سيما مع اتساع الاهتمام باللغة والأدب والثقافة الكردية، وتطور وسائل الاتصال، وتجاوز الحدود السياسية بواسطة الفضاء الرقمي، واتساع الهجرة إلى أوروبا، وبروز كتّاب ومثقفين وفنانين كرد يعملون بلغات متعددة ويقدمون قضاياهم إلى فضاءات ثقافية أوسع.
يتجه الكتاب في فصله الرابع، «المآلات»، من استنطاق الماضي إلى مساءلة الحاضر والمستقبل. ويضم هذا القسم مباحث «الكرد ولعبة الأمم»، و«الكرد وزمن سايكس–بيكو»، و«الكرد في مخاض القرن الحادي والعشرين»، وصولاً إلى السؤال الذي يضعه المؤلف بصيغة مباشرة: «هل يمكن للكرد الاستمرار دون كيان سياسي خاص بهم؟»، قبل أن يختم الكتاب بقراءة يسميها «قراءة خارج المسلّمات».
يناقش محمود أثر التقسيمات والحدود التي أعادت رسم المنطقة، وعلاقة القضية الكردية بالقوى الإقليمية والدولية، وما يسميه «لعبة الأمم»، متتبعاً حضور الكرد داخل التوازنات والصراعات التي تعاقبت على المنطقة، وموقع معاهدتي سيفر ولوزان وسايكس–بيكو في الذاكرة السياسية الكردية.
ويضع المؤلف هذه الخلفية في مواجهة متغيرات القرن الحادي والعشرين، حيث أصبح الصوت الكردي أكثر انتشاراً، واتسعت قدرته على التعبير بلغات ومنابر متعددة، بالتوازي مع تحولات سياسية متسارعة يمكن أن تعيد طرح أسئلة الحدود والكيانات والاعتراف والهوية في المنطقة.
يحدد إبراهيم محمود غايته من الكتاب بمحاولة «اقتفاء أثر الكرد في التاريخ والجغرافيا معاً»، وصولاً إلى تقديم صورة مكثفة وشاملة عنهم، عبر الأصول والمعتقدات والثقافة ثم المصير السياسي. ولهذا يستعين بمروحة واسعة من المراجع والمصادر، ويضع الروايات المختلفة والمتعارضة أحياناً في حوار، متوقفاً عند الخلفيات الفكرية والثقافية والسياسية التي أسهمت في إنتاجها.
ولا يقدم «الكُرد: الأصول – المعتقدات – الثقافات – والمآلات» نفسه باعتباره تاريخاً تقليدياً للكُرد، بقدر ما يشتغل على الأسئلة التي تحيط بهذا التاريخ: مَن كتبه؟ وكيف كُتب؟ وكيف تتداخل الجغرافيا والسياسة مع تعريف شعب بنفسه وتعريف الآخرين به؟ وما الذي تفعله اللغة والذاكرة والثقافة حين تتعرض الجغرافيا للتقسيم؟
ومن خلال هذه الأسئلة يمتد الكتاب من الماضي إلى الراهن، رابطاً بين الآثار والأنساب والأساطير والمعتقدات من جهة، وبين اللغة والفولكلور والإنتاج الثقافي والحدود السياسية من جهة أخرى. ويتحول سؤال الكُرد لديه بذلك من البحث عن «أصل» واحد ثابت إلى بحث في سيرورة تاريخية وثقافية وسياسية مركبة، وفي قدرة الهوية على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها وسط التحولات.