«عندما تبكي العصافير» للسعوديّ إبراهيم الفايز.. حكايات عن الإنسان والاغتراب والمصير

صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن كتاب «عندما تبكي العصافير» للكاتب السعوديّ إبراهيم الفايز، وهو مجموعة قصصية تتحرّك بين الواقع والخيال، والسخرية والتأمل، وتقترب من تفاصيل الحياة اليومية لتستخرج منها أسئلة تتصل بالإنسان وعلاقته بذاته والآخرين، وبالمكان والمصير والذاكرة والاغتراب.

تضم المجموعة أكثر من عشرين قصة تتباين في موضوعاتها وأجوائها وطرائق بنائها، ويكشف هذا التنوع عن رغبة الكاتب في اختبار الحكاية ضمن فضاءات مختلفة، والانتقال من موقف يومي صغير إلى أسئلة تتّصل بالوجود والمجتمع والعلاقات الإنسانية.

ومنذ الإهداء يضع القاصّ قارئه في قلب المشروع القصصي، إذ يتوجّه إلى قارئ تحاصره الأسئلة، ويبحث عن الدهشة بعيداً عن رتابة الحياة، وإلى قارئ تتحرك فيه الأحاسيس بين الفرح والأسى. ويشكّل هذا المدخل مفتاحاً مناسباً لقراءة المجموعة، التي تجعل السؤال جزءاً أساسياً من بنيتها، وتمنح المفارقة مساحة بارزة في صناعة نهاياتها ودلالاتها.

في قصة «صديقي نيتشه»، على سبيل المثال، ينطلق السرد من مشهد عادي في قاعة انتظار، حيث يتأمل الراوي الأشخاص الجالسين أمامه ويتخيل أن كل واحد منهم يحمل قصة مغلقة لا يعرف الآخرون عنها شيئاً. تتحول هذه الفكرة تدريجياً إلى سلسلة من الأسئلة والمواقف الساخرة، ويصبح الإنسان نفسه أشبه بـ«صندوق» يخفي وراء مظهره الخارجي عالماً كاملاً من الأسرار والرغبات والمخاوف.

ويتخذ الخيال منحى مختلفاً في «اتصال خارجي»، حيث يتلقى الراوي اتصالاً من صديق توفي قبل شهر. ومن هذه المفارقة تنفتح القصة على أسئلة الموت وما بعده، والزمن والحقيقة والعقل، وما يمكن للإنسان معرفته أو العجز عن معرفته. ويتحول الحدث الغرائبي إلى وسيلة لتأمل العلاقات البشرية، وما يبقى منها بعد الغياب، والفرق بين الصورة التي نظهر بها للآخرين وما نخفيه في دواخلنا.

أما «سارق البؤس» فتذهب إلى السخرية الاجتماعية عبر شخصية نشّال يدخل معرضاً للكتاب والكتب آخر اهتماماته، ويراقب الزوار بحثاً عن ضحاياه. ومن خلال الشخصية ومفارقاتها تتسع دلالة «النشل» لتتجاوز السرقة المباشرة إلى صور اجتماعية وأخلاقية مختلفة، في قصة تستثمر المفارقة والكوميديا السوداء لمساءلة الفساد والغش والتناقض بين المظهر والحقيقة.

وتمنح القصة التي تحمل المجموعة عنوانها «عندما تبكي العصافير» الكتاب واحداً من أكثر رموزه وضوحاً. تبدأ الحكاية بعصفور يدخل سيارة بحثاً عن الظل هرباً من الحر، ثم ينتقل إلى مكان أخضر تتوفر فيه المياه والأشجار والطيور. ما يبدو في البداية خلاصاً يتحول إلى تجربة اغتراب حين يجد العصفور نفسه غريباً ومنبوذاً بين عصافير المكان الجديد. وبعد ثلاثة أيام يعود إلى السيارة ذاتها دامع العينين، راغباً في الرجوع إلى أهله وأصدقائه ووطنه.

ومن خلال هذه القصة يكتسب عنوان المجموعة بعداً يتجاوز صورته المباشرة؛ فالعصفور يصبح قابلاً للقراءة باعتباره صورة للهشاشة والاقتلاع والبحث عن الأمان، فيما يتحول المكان الجميل إلى فضاء قد يفقد قيمته حين يعجز الغريب عن العثور فيه على القبول والانتماء. وتنسجم هذه الدلالة مع عالم المجموعة الأوسع، حيث تتقاطع الأحلام والانكسارات، والرغبة في الحرية مع القيود التي يصنعها المجتمع أو الإنسان لنفسه.

وتذهب المجموعة كذلك إلى الخيال المستقبلي في قصة «3000»، التي تنقل إحدى شخصياتها من احتفالات رأس السنة في نيويورك سنة 2000 إلى عالم الألفية الرابعة. هناك يعيد الفايز تخيّل مصير البشرية في ظل التطور التقني والحروب والتدخل في الجينات البشرية، مقدماً عالماً تقلصت فيه العاطفة لمصلحة التفوق العقلي، وأصبحت الآلة حاضرة في مختلف مناحي الحياة. ومن خلال المسافة بين الزمنين تطرح القصة سؤالاً عن معنى التقدم نفسه: ماذا يبقى من الإنسان إذا نجح في السيطرة على ضعفه، وخسر في الطريق جزءاً من مشاعره؟

تتحرك قصص إبراهيم الفايز عموماً بين شخصيات ومواقف تبدو مألوفة في بداياتها، قبل أن تقودها المفارقة إلى اتجاه آخر. ويستثمر الكاتب الحوار والمشهد اليومي والسخرية والخيال لبناء قصص تحتفظ بالحكاية في مركزها، مع فتحها على قضايا اجتماعية وفلسفية وإنسانية أوسع. لذلك تتجاور في الكتاب شخصيات مأزومة وأخرى ساخرة، وحيوات عادية وأزمنة متخيلة، وأسئلة عن الحب والخيانة والقلق والموت والاغتراب والعدالة والمصير.

يراهن إبراهيم الفايز في هذه المجموعة على الحكاية المكثفة والملاحظة والتقاط المفارقة، مع ترك مساحة للقارئ كي يعيد تأويل المواقف والشخصيات، ويبحث خلف الحكايات عن الأسئلة التي دفعت إلى كتابتها.

تعريف بالمؤلف:

إبراهيم الفايز: كاتب وقاصّ سعودي، حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة واشنطن في مدينة سياتل بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1979. شغل مناصب إدارية عدة، واختتم مسيرته المهنية مديراً عاماً في القطاع الحكومي.

يواصل اليوم رحلته مع الكتابة بعد تقاعده، وقد تجاوز العقد السادس من العمر، جامعاً بين شغفه القديم بالقراءة ومتعة الكتابة، التي يعدّها هوايته الأقرب إلى قلبه. يكتب مقالاً أسبوعياً في إحدى المجلات، وتمثل هذه المجموعة القصصية باكورته في عالم السرد، على أمل أن تتبعها أعمال أخرى.

على الصعيد الأسريّ، هو أب لابنين وثلاث بنات، وجدّ لعدد من الأحفاد، الذين يضفون على حياته مزيداً من الدفء والبهجة.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / المانيا

تتسم كتابات نزهت سيدو بصدق العاطفة وشفافية البوح وعمق الرؤية. فقصائدها ليست مجرد كلمات موزونة، بل هي مناجاة للوطن ورسائل حب للارض وتأملات في جوهر الانسان والحياة، حتى غدت الكلمة لديها شهادة حية على رحلة طويلة من الاحساس والتجربة والوفاء للقيم الانسانية النبيلة.

ان تجربة نزهت سيدو هي تجربة امرأة…

عامر عثمان ” إيفان “

لا أَشْرِعَةَ تَردُّ الرِّيحَ
إِلَى حَيْثُ تُرِيدُون أَيَّهَا البَائِسُون
فَقَطْ وَهْجُ الله وَقُلُوبكُم المُرْتَجِفَة
لا اكتِرَاثَ لِتَوسِّلاتكِم الهَائِلَة
فَكُونُوا كَمَا أَنْتُمْ
حَيْثُ تَكُونُون
كَسنَابِلِكُم الذَّبيحَة
في الأَمْسِ . . .
وَاليومِ . . .
والغَدِ السَّدِيم . . .

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس الاستعمارُ مُجرَّد جندي يهبط من سفينة، أو موظف أجنبي يجلس خلف مكتب، أو علم غريب يُرفَع فوق مبنى حكومي.الاستعمارُ يبدأ حين ينجح الغريبُ في إقناع صاحب الأرض بأنَّ صورته عن نَفْسِه ناقصة، ولُغته متأخرة، وذاكرته لا تستحق الثقة، وأنَّ ما جاء به القادمُ من وراء البحر هو…

جوان سلو

* يعتبر التأريخ الأدبي الكردي وسيلةً لتدوين سيرة الكُتّاب والشعراء والمتصوفة والأمراء الذين أنجبتهم اللغة الكردية على امتداد الجغرافيا الكردستانية، وهو شكلٌ من أشكال الدراسات النقدية والتوثيقية لنَتاجات هؤلاء الذين حفظوا الموروث الشعبي والشفاهي وتناقلوه عبر الزمن. إذ تصدى لهذه المهمة مؤرخون لم يكتفوا بتقسيم تاريخ الأدب والشعر الكردي فقط، بل عملوا على تدوين…