عتبات المنفى.. حين تصبح العتبة وطناً

نصر محمد
ألمانيا – هيرنه / 2026

لم أكن ناقداً يوماً ، كنت قارئاً فقط . قارئاً كسولاً كما أصف نفسي دائماً ، يبحث في مكتبته في هيرنه عن كتاب ينسيه الحنين إلى عامودا ، فيصادف ديواناً أهداه له صديق بخط يده : ” إلى صاحب الشعور المسؤول الممتلئ محبة وإنسانية “.

هكذا بدأت هذه القراءات . لم تبدأ على مكتب نقدي ، بل على أرصفة المنفى . كتاب يصلني بالبريد من صديق في برلين ، رواية ألمحها في يد صبية في حافلة متجهة من ريكلنهاوزن إلى هيرنه. ، إهداء كتبه لي شاعر في منزل فنان تشكيلي في ألمانيا ، أمسية ثقافية على هامش مهرجان كردي . كل نص من النصوص التي يضمها هذا الكتاب وصلني كرسالة شخصية ، ولهذا جاءت قراءتي له انطباعية ، متواضعة ، وصادقة .

على مدى سنوات اغترابي ، وجدت نفسي محاطاً بمكتبة كاملة من أبناء وطني . جيل من الكتاب والشعراء السوريين الذين خرجوا من مدن صغيرة منسية على الخارطة، ليحملوها معهم إلى العالم .

هذا الكتاب ليس مشروعاً أكاديمياً يبحث في المدارس والمناهج ، بل هو محاولة وفاء . وفاء لأصدقاء تقاسمت معهم خبز الغربة . ولهذا ستجد أنني أتوقف طويلاً عند العتبات : عند الإهداء ، عند العنوان ، عند سيرة الكاتب ، لأنني مؤمن أن القصيدة لا تبدأ من مطلعها ، بل من اليد التي كتبت الإهداء ، ومن المدينة التي شكلت الذاكرة .

كنت قد بدأت هذا المشروع بعنوان ” عتبات المنفى ” باثنتي عشرة قراءة . كنت أظن أن العتبة هي كل ما تبقى لنا من البيت . ثم مع اتساع الغربة ، ومع توالي الكتب التي تصلني ، أدركت أن المنفى لم يعد مجرد عتبة نقف عليها ، بل أصبح رغبة . رغبة في البقاء ، في التحويل ، في المقاومة بالكلمة . فصار الكتاب ” عتبات المنفى “.

يضم الكتاب بين دفتيه الآن *سبع عشرة قراءة*، هي خلاصة سنوات من المتابعة :

بدأت مع ” مؤامرة الحبر ” لفرهاد دريعي ، حيث الحبر ليس أداة بل متآمر ، يكتبنا كما نكتبه . ثم مع “مرافئ” لجوزيف كورية ، حيث اكتشفت أن مرافئنا لم تعد مرافئ بل صارت منافٍ. ومع “شرفات” لفواز قادري، شرفاتنا التي تطل على الحنين ونشفان الدمع . ومع عوالم “هو” القصصية لفراس الحركة ، ومع “سيرة عابر ألغام” لحليم يوسف التي هي سيرة كل واحد منا يعبر حقل ألغام هذا الشرق .

ثم انتقلت إلى لغة الجسد والذاكرة في “خلاخيل الكلام” لحفيظ عبد الرحمن ، وإلى طقوس التطهر بخطايا الحبيب في “سكر أزرق” لعلي مراد ، وإلى المشروع الملحمي الأكبر في “السوريون” لعبدالله الحامدي ، الذي أعاد تعريف كلمة “سوري” من جنسية في جواز سفر إلى حالة حضارية عمرها سبعة آلاف عام تبدأ من تل موزان قرب عامودا .

ومن الشعر إلى السرد الذي يوثق فظائع ما جرى : إلى “يوميات طالب في قبضة داعش” لمحمد عزالدين تمو، وإلى “سماء سقطت من حضني” لماهر حسن ، وإلى “غصن على متن السراب” لنوجين قدو ، غصن عفرين الذي قاوم الاحتلال بالكلمة .

ثم جاءت الرغبات الست الجديدة لتكمل الصورة : مع “نافذة الغياب” لهجار بوطاني ، تعلمت أن الغياب ليس فراغاً بل بيت قديم له رائحة الدخان والخبز، ووطن يتكئ على عكازة الانتظار . ومع “كش ملك” لعبد الباري أحمه ، اكتشفت أن المنفى ليس مرثية بل رقعة شطرنج 64 مربعاً تتصارع فيها الأنثى التي تخلق العالم من عدم مع الوزير والأمير . ومع “على هيئة غريب” لمروان شيخي ، عرفت أن الغربة ليست حالة طارئة بل هيئة وجودية ، وأن الشاعر يكتب ومضات قصيرة لأنه لا يملك رفاهية الشهيق الطويل . ومع “الشاعر والجلاد” لعامر فرسو ، وقفت أمام جدلية الكلمة والسوط ، وسألت : من هو السجين الحقيقي ؟ ومع “الحب والحرب – سرى كانيه” لعبد المجيد خلف ، رواية كُتبت تحت الحرب بأنفاسها ، حيث المكان هو البطل ، وحيث تتحول طرحة العروس إلى كفن ثم تعود طرحة من جديد. ومع استغاثة فجر قتيل لجوان سلو ، وصلت إلى استغاثةفجر قتل قبل أن يكتمل ، لكن شمسه الأصفر ، بقي هو الوحيد القادر على المرور وسط زحمة الغبار

القاسم المشترك بين كل هؤلاء ليس المنفى وحده ، بل الإصرار على الكتابة رغم المنفى . جمعت بين الصوت الكردي والعربي والسرياني ، بين ابن الجزيرة وابن الفرات وابن السلمية ، لأن المأساة واحدة ، والمنفى واحد ، واللغة التي نكتب بها – العربية – هي البيت الذي يسعنا جميعاً . كلهم يكتبون ليقولوا : نحن ما زلنا هنا . بيوتنا قد تهدم كالعش ، لكننا نعرف كيف نعجن ترابها من جديد بالماء والشمس والهواء، كما كتب الحامدي .

أقدم هذه القراءات السبع عشرة إلى قراء الأدب السوري بكل أطيافه ، آملاً أن تكون عتبة صغيرة لدخول عوالم هؤلاء المبدعين ، وأن تكون شهادة محبة من قارئ وجد في كتبهم عزاءه في غربته ، ورغبة جديدة للبقاء.

ملاحظة: الكتاب متوفر حاليا في مكتبة امارا بقامشلو ، وسنعلن قريبا عن أماكن توفره في باقي المدن

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست الزنوجة كلمةً بريئة تمامًا. وراء هذه الكلمة تاريخٌ طويل مِن الإذلال، والاستعمار، والاقتلاع، وتجارة البشر، وتحويل الإنسان الأسود إلى جسدٍ يُباع ويُشترَى، ولونٍ يُختزَل فيه العقلُ والثقافة والوجود. لذلك حين ظهرت الزنوجة في الأدب الأفريقي والكاريبي لم تكن مُجرَّد اتجاه شِعري أو نزعة جمالية تبحث عن إيقاع…

بَهْزَادُ عَبْدُ البَاقِي عَجْمُو
القصيدةُ الثانيةُ المُهداةُ إلى البارزانيِّ الخالدِ

أَشْهَدُ أَنَّكَ لِلْكُورْدِ زَعِيمٌ،
وَبِاسْمِكَ نَفْخَرُ مَا دَامَ فِي الصَّدْرِ قَلْبٌ يَخْفِقُ وَيَفْتَخِرْ،
فَلَسْتُ أَدْرِي: أَأَنْتَ كُورْدِسْتَانُ،
أَمْ أَنَّ كُورْدِسْتَانَ فِي مَجْدِهَا بِاسْمِكَ تَزْدَهِرْ؟

يَا أُسْطُورَةً لَنْ تَتَكَرَّرْ،
يَا رَايَةً فَوْقَ الجِبَالِ تَرْفَعُهَا أَيَادِينَا يَوْمَ النَّصْرْ،
يَا صَوْتَ شَعْبٍ لَمْ يَبِعْ حُرِّيَّتَهُ،
وَلَمْ يَنْحَنِ لِلرِّيحِ، وَلَمْ يَخْشَ مِنْ عَاصِفَةٍ أَوْ خَطَرْ.

يَا سِمْفُونِيَّةَ وَطَنٍ،
تُصْغِي لِأَلْحَانِهَا…

فراس حج محمد| فلسطين

صدر مؤخراً عن دار الرعاة للدراسات والنشر في رام الله وجسور ثقافية للنشر والتوزيع في عمان، الطبعة الأولى من كتاب “أعطني فنّاً- لنجعل الحياة ممكنة” للكاتب والمحامي الحيفاوي حسن عبادي، بتحرير فراس حج محمد، ويقع الكتاب في 170 صفحة من القطع المتوسط، وازدانت لوحة غلافه وبنيته الداخلية بتصميم الفنان ظافر شوربجي.

ينطوي العمل…

نصر محمد / ألمانيا

في مساءٍ كان للكلمة فيه موعد مع القلب ، وللوطن البعيد حضورٌ لا يغيب ، احتضنت قاعة جمعية آسو – Komela ASO li Herne في مدينة هيرنه الألمانية أمسيةً أدبية وفنية استثنائية ، التأمت فيها القلوب قبل الكراسي . لم تكن أمسية عابرة ، بل كانت لقاءً للذاكرة بالجغرافيا ، حيث اجتمع…