نصر محمد / ألمانيا
“إلى من يحمل الوطن في القلب ولو أبعدته المسافات، أهديك مسافة أمان وفاء للذاكرة ومحبة للأرض التي تسكننا أينما كنا”
بهذه الكلمات أهدتني الشاعرة والفنانة التشكيلية سوسن ديكو – ابنة عفرين المقيمة في النمسا، والناشطة الكردية التي تحدثت باسم المرأة الكردية في الأمم المتحدة بجنيف – ديوانها الأول مسافة أمان 2022 .
والعنوان ليس صدفة. مسافة الأمان في قانون السير هي المسافة التي تتركها بينك وبين السيارة أمامك كي لا تصطدم. ومسافة الأمان عند سوسن هي المسافة التي تتركها المنفية بينها وبين وطنها كي لا تحترق بالحنين ولا تموت بالنسيان . أن تبقى بعيدة قريبة . لست داخله ولا خارجه .
الديوان كله ، كما قرأته من خلال ثمانية نصوص ، هو رحلة في هذه المسافة . ثماني محطات مرتبة بوعي شديد من يا هوى حتى عفرين .
أولاً : النداء والاعتراف – يا هوى و اعترافات
يبدأ الديوان بنداء : يا هوى.
” ياهوى فؤادي .. قل للحبيب ماهوى ..
أصبحنا بحال يحبو بما جرى ”
سوسن تلعب على معنيي الهوى : الحب والسقوط . الحبيب هنا ليس رجلاً فقط ، بل أرض تداعت . اللغة موالية ، جمل قصيرة متقطعة كأنفاس ، تطلب ” كسرة أمل ” و ” صدى لصوتي “.
ثم يأتي اعترافات كحوار مع القلب نفسه : “ويحك أيها القلب تمهل.. رويدك قليلاً “. وهنا يظهر جيل المنفى الرقمي :
لا تطيق انتظار آخر ظهور لهم
تترقب قصائد ليست كلاماً ولا حروفاً
من أنا الفردي إلى نحن الجمعي : ” لعلنا نسمع صدى قلبينا بهمس دافئ يحتوينا “. هذا هو صوت الناشطة ، ليس وجعي وحدي ، بل وجع الآخرين .
ثانياً : تشريح الجرح وزمنه – أنين الألم و هذا المساء
في أنين الألم تتحول سوسن من الشاعرة إلى الفنانة التشكيلية التي تشرح الألم ككائن فيزيائي :
هل تدري ماهو الألم..!
وهو يدمر كل الجزيئات الصغيرة
وتنتاثر جزيئاته في مكنونات صدرك دون حراك
ليس دمعة ، بل انفجار ذري. حرب داخلية تفتح الصناديق المغلقة دون مفاتيح . وتختمه بجملة تلخص مشروعها النسوي الكردي :
بكل عنفوان امرأة وكبرياء رجل
ألم دفين .. داخل كل منا
مدينة مؤرخة يعلن عنوانها نسبة إليك .. أيها الأم
الألم هوية، ومدينة، وأم.
أما هذا المساء فهو زمن هذا الألم . المساء ليس رومانسياً عندها ، بل عتمة تعلو أنفسنا نخفي فيها مكنوناتنا . ثم يأتي التعداد الجنائزي الذي هو قلب الديوان كله :
” إلى مكان لا زمان فيه
إلى أناس لا وجود لهم
إلى واقع لا أنتمي إليه
إلى حبيب غائب، إلى طفل مفقود ”
إلى زاوية هدمت ، إلى شجرة قطعت ، إلى وردة قطفت
إلى أمان لا أجده ، إلى صديق سحق عمداً
إلى وطن ميت
وأنا لست داخله ولا خارجه
ماهي إلا متاهات أيها المساء المتعب
هنا عفرين كلها . الزاوية والشجرة والوردة والصديق . وهذه الجملة ” لست داخله ولا خارجه ” هي تعريف “مسافة أمان” الحقيقي .
ثالثاً : العلاج بالحب – همسات الشوق و لا تسألني
بعد هذا الثقل ، يأتي همسات الشوق كنسمة :
” عصفورة تحلق بجناحيها
وتطير إليك
لتسبقني بزقزقة يوم سعيد ”
لغة طائرة ، خفيفة ، مليئة بالريح والعطر . الحب عندها دواء :
إذا مت عشقاً.. فقولوا :
الروح لا تفصل بينه وبين نبضات قلبي
الروح لاتشبه أية ريح إلا ريح أنفاسك
ثم تصل الذروة العاشقة في لا تسألني .. ص 90-92 وهو أجمل نص في الديوان فنياً .
إن كنت أقحمتك داخل عاصمة فوضى الحواس
وأثرت لك سحابة صافية جميلة
تمطر أملاً وذهباً يضيء لك طريق السعادة
أغمض عينيك.. وسر معي يا صديقي بأمان
أنا أملك مفاتيح أبواب السماء كلها..
هنا سوسن الساحرة . تأخذ حبيبها المغمض العينين في رقصة فوق أعالي الجبال تحت سحابات سوداء تتصاعد دخانها ثم تتلاشى إلى سحابات خفيفة تبتسم بسماء صافية. وتسأل أخيراً :
وترسم بقلوبنا مسافات آمنة ؟!
نعم، هذا هو الحل . المسافة الآمنة لا يرسمها الجغرافيا ، بل قلبان يرقصان معاً في ليلة وردية رغم برودة المكان القارسة وأبدان مقشعرة على وشك إعلان استسلامها قبيل بزوغ الشمس . الحب ينتصر على المنفى .
رابعاً : الجذر والقبلة – ليلاي أمي و عفرين
بعد كل الحب للرجل ، تعود للجذر في ليلاي .. أمي :
” أكتب في أمي التي في صغري
نقشت لونها كالزهر بصدري
حتى غدوت زهرة في كبرى
بيت الحنان والأمان ها.. هنا
في القلب نبضها أمي … في أبهري
هي رئة الله.. ليلاي “
هي رئة الله . لم أقرأ تعريفاً للأم أبلغ من هذا . ليست إنسانة ، هي رئة يتنفس بها الله . ” كل الورود هي أمي ولا ورداً يشبه خدها المتنور “. الأم هي الأرض الأولى قبل عفرين .
وتختم الرحلة كلها بنص عفرين .. ص 120 وهو قبل الأخير في الديوان ، كأنه لا تريد أن تنتهي إلا به :
” يا هوى غرية منسية لتبقي العتبة ..
بذور انثرت بأراضيك قهراً …
وسلبت تربة .. مندية ..
لاح لي وجهك بلطيف نسيم زيتونك
وسرت في عروقي أحلام الطفولة
أراك في كل مكان ..
أنت الطرقات والغابات والحدائق وأنت كأمي نبع الحنان
لو سألوني عن أمنيتي لقلت نعم
إلى عفرين خذوني.. هي قبلة روحي
وأميرة الزمان
ولا أريد أن تنتهي قصيدتي …
إلا بك يا عفرين..”
الدائرة اكتملت . بدأت بـ “يا هوى” وانتهت بـ “يا عفرين”. الحبيب صار وطناً ، والوطن صار أماً . ” بذور انثرت بأراضيك قهراً ” تلخيص لمأساة التهجير القسري لعفرين في سطر . ” أراك في كل مكان ” هي لعنة المنفي ونعمته .
ديوان ” مسافة أمان ” ليس ديواناً سياسياً مباشراً رغم أن صاحبته ناشطة تتحدث في الأمم المتحدة ، وليس ديوان غزل عاطفي رغم أنه مليء بالشوق ، وليس ديوان رثاء رغم أنه مليء بالفقد .
هو ديوان امرأة تحرس الذاكرة .
لغتها متعمدة البساطة ، لأنها لا تريد أن تزخرف الجرح ، تريد أن تسميه . صورها تأتي من مرسمها : جزيئات ، سحابات ، رقص فوق الجبال ، خد متنور . ونبرتها أمومية حنونة حتى وهي تصف القهر .
من “يا هوى” إلى “عفرين” سارت سوسن ديكو في خط واحد : من النداء ، إلى الاعتراف ، إلى تشريح الألم ، إلى سكنى المساء ، إلى التداوي بالشوق ، إلى الرقص في السماء ، إلى حضن الأم ، إلى قبلة الروح عفرين .
ومسافة الأمان في النهاية ليست خوفاً ، بل وفاء . أن تبقى بعيداً جسداً ، قريباً قلباً . أن تحمل الوطن في القلب ولو أبعدتك المسافات .