نصر محمد / ألمانيا
” يسعدني ان اهدي كتابي لمن يقرأ أعماق الكلمات ومابين السطور كما احسه في قلبي ، إلى الصديق الغالي الأستاذ نصر محمد مع المحبة “
بهذه الكلمات أهدتني الصديقة الشاعرة ريما فاضل محفوض ابنة السلمية هذا الديوان عندما التقيت بها وزوجها الدكتور عبدالعزيز غيبور وابنتهم ريتا في مدينة فانا آيكل الألمانية ، وكان لي هذه القراءة المتواضعة
حين يصبح الانتظار قصيدة
ليست كل الدواوين تكتب بالحبر ، بعضها يكتب بالصبر . ديوان ” ريتا ” للشاعرة السورية ريما فاضل محفوض، والصادر عن تجربة إنسانية استثنائية – عشر سنوات من الزواج قبل أن تأتي ريتا ، ابنتها التي تبلغ اليوم خمس سنوات – هو وثيقة من هذا النوع .
الديوان الذي يحمل اسم الطفلة على غلافه ، ليس كتاباً عن الطفولة ، بل هو سيرة انتظار . هو محاولة شعرية للإجابة على سؤال واحد كبير : ماذا تفعل المرأة بنفسها وهي تنتظر معجزة ؟
من خلال عشرة نصوص مختارة من الديوان ، أقدم هذه القراءة الانطباعية.
أولاً : عتبة النص – من الإهداء إلى العنوان
قبل أن ندخل القصائد ، يضعنا الديوان أمام خريطة روحية كاملة في صفحات الإهداء .
الشاعرة لا تهدي ديوانها لريتا فقط ، بل تهديه لعائلتها التي صنعت ريتا :
لأمي : ” قديسة روحي… المحراب الذي يتقبل صلواتي… يقرع أجراس كنائسي “
لأبي : ” رجل جعلني أمشي فوق السحاب… لأني أحمل اسمه “
لأخي أيهم : “خلقني الله بقلبين وروحين… كي تتردد أنت في صدري أنفاساً “
لزوجي عبد العزيز : ” نصفي الآخر… ونبض حياتي… اليد التي تمسك بأصابعي كل صباح لأكون أجمل “
بهذا التسلسل ، نفهم أن ريتا ليست مجرد ابنة ، بل هي خلاصة محبة عائلة كاملة . والعنوان الفرعي الذي اختاره الناقد محمد محمود دحرج للديوان ” وجع يوجع الأوجاع ” يلخص المفارقة : الفرح الذي يأتي بعد وجع طويل ، يصبح هو نفسه وجعاً جميلاً ، خوفاً من الفقد .
ثانياً : المحور الأول – فلسفة الانتظار
الثيمة التي تحكم أكثر من نصف الديوان هي تحويل الانتظار من حالة سلبية إلى فعل مقدس .
الشاعرة لا تشتكي الانتظار ، بل تحترفه . في النص الثالث ” ريتا ” ص 16 ، وهو مفتاح الديوان كله ، تقول :
” علمني انتظارك أن احترف الصلاة
أن انحت على صبري
وقتا يشبه ادعيتي “
هنا الانتظار هو نحت ، هو صلاة ، هو حرفة . وفي النص الثامن ” إني منحتك روحي ” ص 27 ، تبلغ هذه الفلسفة ذروتها :
” راقصت يوما أحلاما بلا ملامح
انتظارك علمني أن انحت تفاصيل وجهك على كل أحلامي
ألقيت شباكي لأصطاد حظا
فلم التقط إلا صبرا وفتات المستحيل “
ريما كانت ترسم وجه ابنتها قبل أن تراها بعشر سنوات . هذا هو جوهر قصيدة النثر عندها : الخيال الذي يسبق الواقع ويصنعه .
ثالثاً: المحور الثاني – حضور الغائبة
أجمل ما في الديوان فنياً هو لعبة الحضور والغياب . ريتا حاضرة جداً في القلب ، وغائبة جداً عن اليد .
في النص الرابع عشر ” وجه يتفتح في قلبي ” ص 39 :
” أشد يدي لألتقط كفها الصغير
فلا أجد إلا نورا يملأ قلبي اشتياقا وانتظارا
تتركني وقد ملأت كل الفراغ
واحدثت فراغا أكبر بغيابها “
وفي النص الثاني والثلاثين ” اسمي واسمك ” ص 85 ، وهو من أكثر النصوص وجعاً :
” اسمك وحده
فجوة في عمر عمري
تاريخ مسروق من تقويمي
…
اسمك حروف تدمي ذاكرتي
وتسير بي أسيرة لقدر لم يقدر يوما أن يلبيني “
ريما لا تكتب عن طفلة ، بل عن فجوة في الوجود . لهذا صورها دائماً متناقضة وحسية : صمت يذبح ، نور يملأ القلب ، عبير يتناثر . هي تحاول القبض على ما لا يُقبض .
وفي النص السابع والثلاثين ” تتأرجح فوق نبضي ” ص 94 ، تصل هذه الصورة إلى ذروة جمالها الأمومي :
” لأصل إلى نجمتين تأخذان مكان غمازتين
وضفيرة تتأرجح على نبضي لتفرد دمي قريبا من الشمس “
رابعاً : المحور الثالث – الخوف من الفرح
بعد أن جاءت ريتا ، لا ينتهي الوجع ، بل يتغير شكله . يصبح خوفاً من فقدان الفرح . وهذا بعد نفسي عميق جداً لمن عاش انتظاراً طويلاً .
في النص السابع والعشرين ” أخاف الأمل ” ص 74 :
” بت أخاف الأمل كيلا اصطدم بذاك الجدار الذي كسر كل أحلامي
تمزقت وردة كانت في كفي.. أشم عطرها الآن يدوخني.. يذبحني..
أأستطيع أن اجرم بحق وردة أخرى ونور تفتح من جديد ..!”
من انتظر عشر سنوات ، يصبح الفرح نفسه مصدر رعب . الوردة التي تمزقت في يده ، تجعله يخاف أن يمسك وردة جديدة . هذا النص يكشف أن صدمة الانتظار لا تشفى بمجرد مجيء الطفل .
ويستمر هذا القلق الوجودي في النص التاسع عشر “مجرد ذكرى ” ص 54 :
” تلك الابتسامة على وجهي مجرد تذكرة للحياة.. للاستمرار عنوة
كيلا ترى كل الوجوه دمعا يسيل وراء قلبي.. ويحرقه “
وفي النص الأخير ” يغتالني إغماء الصدى ” ص 126 ، تعود الشاعرة إلى ذاتها كامرأة متعبة :
” يغتالني شلل النطق واغماء الصدى
تعبت ذاكرتي الآن “
خامساً : الملامح الفنية
- اللغة : لغة الديوان بسيطة ، مباشرة ، وجدانية ، بعيدة عن التعقيد البلاغي المتكلف . هي لغة دعاء ورسائل يومية ، وهذا سر وصولها . جملها قصيرة ومشحونة :
” حلقي في أرجاء روحي كسرب من فراش “.
- الصورة الشعرية : صورها مأخوذة من عالمها كأم وصيدلانية وابنة سلمية . الضفائر ، الكف الصغير ، الحضن ، النور ، البحر الهائج ، الشباك ، المرساة . كلها مفردات حسية قريبة من الجسد .
- الإيقاع : رغم أنه ديوان نثري ، إلا أن تكرار نداء “ريتا” في بداية المقاطع ، وتكرار أفعال الأمر ” تعالي ، حاولي ، حلقي ” يخلق إيقاعاً داخلياً يشبه الترنيمة .
في النهاية ، ” ريتا ” ليس ديواناً عن الحب بين رجل وامرأة ، بل عن الحب بمعناه الأبقى : حب الاستمرار .
هو ديوان امرأة استطاعت أن تحوّل عشر سنوات من الفراغ إلى خمس مجموعات شعرية ، وأن تحوّل الصمت إلى صلاة ، وأن تحوّل الانتظار إلى حرفة .
وتظل جملتها المركزية التي تلخص التجربة كلها ، هي الجملة التي يجب أن يكتب بها تاريخ هذا الديوان :
” علمني انتظارك أن احترف الصلاة “
*ريما فاضل محفوظ – مواليد سلمية ، سورية 1978 –
*خريجة كلية الصيدلة جامعة دمشق 2002 –
*بدأت كتابة الشعر في سن 14 –
*حفيدة الشاعر والمجاهد خضر العلي محفوظ –
*صدر لها : ريتا ، جسور متأرجحة ، حلاوة الملح ، توحد مع القمر . ظلان يشبهان وجهي .
*شاركت بعدة امسيات شعرية في جامعة دمشق وفي منتديات مدينة السلمية
- نالت شرف العضوية في منتدى إتحاد ادباء وكتاب بابل كأول شاعرة من خارج العراق لتتحقيقها أعلى نسبة مشاهدات في المنتدى الادبي
- حازت على جائزة البيت الثقافي _ ذي قار للقصة القصيرة جدا
- نشرت لها عدة صحف ومجلات عراقيه ومصرية العديد من القصائد