نارين عمر
عندما نلقي نظرة على عنوان الكتاب ندرك على الفور مضمونه والمقاصد التي دفعت الأديب والفنّان التّشكيلي صبري يوسف إلى تدوينه وإعداده ونشره.
ديريك، المدينة التي ابتهجت ببشارة طفل أبهج عائلة فلاحية، متواضعة، كادحة ونبيلة المعشر والخلق في منتصف خمسينيات القرن العشرين، وكأنّها كانت تعلم أنّ هذا الطّفل الذي أسموه ” صبري” تيمّناً بملامحه الهادئة ووجهه البشوش سوف يعشقها – أي ديريك- عشقاً يحمل بين ثناياه ملامح الإنسانية الحقة ومحبة الآخرين، لذلك ظلّت مدينته ترافقه أينما ذهب وتوجّه، وأينما حلّ وحطّ التّرحال، بل ويُخيّل إلينا أحياناَ أنّه أخذ معه ديريك إلى بلاد الغربة، ديريك بأهلها وناسها، بطبيعتها وسهولها، بينابيعها وسواقيها، بلغاتها وقومياتها وأديانها، يعيشان معاً في مملكة السّويد التي حوته كلاجئ واحتضنته كمواطن لها وفيها.
يوضّح الأديب صبري يوسف في مقدّمة الكتاب الأسباب والدّوافع التي ألهمته في الكتابة بالقول:
((ديريكُ أرضٌ رحبة تنضح اخضراراً، معرِّشة بوهج تجلِّيات الإبداع. أنْ تكتب كتاباً عن مدينة بكاملِها، عن شعب بكلِّ هذه التَّفرُّعات، فيه متعة لا تُضاهى، وفيهِ جهد كبير وتفعيلٌ للذاكرة التي غفَتْ على شواطئ غربة هذا الزّمان. تجذبُني ديريك بكلِّ هذهِ التَّفاصيل أن أكتبَ وأستوحيَ منها ما جاء في كتابي، وكأنّي بهذا أُعيد ما قدَّمتْه لي من فضل وعطاء، وما زوَّدَتْني به من خزين إبداعيّ وإنسانيٍّ وحنيني، يحميني من غدر السّنين. هل عَودتي بهذه الشَّهيّة المفتوحة لتناول هكذا مُتفرِّعات في سياق مفتوح على أقصى مرامي الحنين والخيال، هو بمثابةِ تكريمٍ لهذه المدينة التي مَنحَتْنا الشَّهقة الأولى، وتجسيد لتجلِّيات مكانتِها السَّاكنة والمسكونة فينا مُنذ الأزل؟! أجل هو تكريمٌ لهذه المدينة والشَّعب الطُّموح، المفطور على الخصوبة والعطاء أينما كانَ وحلَّ بِه الرِّحال)).
صدر الكتاب عن دار نشر صبري يوسف Sabri Yousef Bokförlag في ستوكهولم عام 2026، في 434 صفحة، تصميم الغلاف للفنّان شكري لازار، يؤكّد فيه أنّه بدأ بكتابته في مستهل العام 2015 وانتهى منه بصيغته النهائية في بداية شهر أيلول 2026، ما يعني أنّه وهب عشر سنوات من عمره لهذا الإنجاز الذي سيكون المصدر الموثّق للأجيال القادمة من بنات وأبناء ديريك بضواحيها ونواحيها.
لكي نتعرّف إلى مضمونه وتفرعاته سوف نورد التّقسيم الذي أورده الأديب نفسه في مقدّمة الكتاب:
((يتفرّعُ الكتاب إلى عدّة أبواب، كلُّ باب فيه بمثابة كتاب مستقلٍّ، مرتبط مع بقيَّة الأبواب. يتضمّنُ الباب الأوَّل عدّة نصوص ومقالات استلهمتُها من عوالمَ مبدعين ومبدعات من أجناس إبداعيّة متنوِّعة، واستلهمْتُ نصوصاً أخرى من فضاءات ديريكَ المنقوشة في ذاكرتي، والباب الثَّاني يتضمّن الحركة المسرحيّة منذ البدايات حتَّى آخر عرض مسرحي تمَّ تقديمه في ديريك، وأمّا الباب الثَّالث فقد استوحيتُه من عوالم الفنَّانين والفنَّانات بمختلف الفنون ابتداء من الفنون التَّشكيليّة مُروراً بالتَّصوير، والغناء والموسيقى، وتطرّقت في الباب الرَّابع إلى بعض المهن الحرّة وقدَّمت عرضاً عن عوالم الفلّاحين واختتمتُ الباب الخامس عَنِ الرِّياضة مُستخلصاً أسماء اللَّاعبين واللّاعبات بشتى الألعاب الرِّياضيَة نقلاً عن كتاب فهد حنّا شيعا الذي أصدرَه مؤخَّراً تحت عنوان: “تاريخ نادي الرَّافدين والرّياضة في ديريك)).
من خلال ما تقدّم نرى أنّه زخرف لديريك وأهلها أبواباً واسعة، وفضاءات رحبة نستطيع من خلالها الولوج إلى بيوت الكثير من أهل ديريك وسكّانها بسلالة وترحاب من الأدباء والكتّاب والفنّانين التّشكيليين والممثّلين والمسرحيين وأصحاب المهن الحرّة والفلاحين والعمّال والرّياضيين وغيرهم. نتعرّف على نشأتهم وأعمالهم ومواهبهم دون أن نطرح عليهم أسئلة أو استفسارات.
ما يميّز الكتاب أنّ هذه البيوت مع أصحابها لا ينتمون إلى طبقة اجتماعية أو إلى طائفة أو قومية معيّنة أو إلى مذهب ديني ما، بل ينتمون إلى كلّ الشّعوب والقوميات والملل التي تعيش في المدينة من السّريان والكرد والأرمن والكلدان والآشور وغيرهم، وهذه خصلة تميّز الكاتب والقاص والفنّان صبري عن غيره من الباحثين وهو الدّيركي السّرياني، ما يؤكّد على روح الإنسانية التي يتمتّع بها والطّيبة التي ورثها من عائلته ومن خصوبة ديريك ونقاء ينابيعها.
الميّزة الأخرى للكتاب أنّ الكاتب نأى بكتابه عن التّوثيق التّاريخي أو تقسيمه إلى مراحل تاريخية مستنداً على الوثائق والبيانات المتعلّقة بكلّ مرحلة، بل سعى إلى توثيق سير شخصيات الكتاب خلال الفترة الزّمنية التي عاشوها ويعيشونها من عمرهم بفكر وقلم أديب، ناقد وفنّان لا بفكر المؤرّخ، وفي ذلك يقول:
“الكتابةُ مسؤوليّة، لم أكتب هذه النُّصوصَ كتاريخ، أو تجسيد مرحلة تاريخيّة معيّنة، بل كتبتُها من وحي مرحلة تاريخيّة معيّنة ومن وحي عوالم مبدعينَ ومبدعات من شتّى التّخصُّصات، ومن فضاء شخصيَّات تربطُني بهم علاقاتٌ إنسانيّة عميقة وهم في قلبي منذ أمد بعيد، لهذا فإنَّ النُّصوص تجنح نحو عوالمَ إبداعيّة رغم أنَّها عن شخصيّات ومكان وزمان، لكنَّها في العمق تنبع من مخيال مرتكز على مسارات حنينيّة مفتوحة على شهقةِ اللَّيل)).
استغلّ الكاتب فرصة التّعبير عن مشاعره تجاه الكتابة وعلاقته الشّخصية والرّوحية بها، فهي تجلب له المتعة حين يعوم في فضائها أو تلامس روحه خصوبة أرضها، وبعدها يحرص على أن يهب هذه المتعة لقرّائه ومتابعي أعماله الأدبية والفنية حيث يقول:
((إنّني حاولت أنْ أقدِّم باقة ورد للقارئ والقارئة العزيزين، آملاً أنْ أكون قد حقَّقْت متعة وبعض الفائدة لكم أيّها الأحبّة القرّاء، لأنَّ هدفي الأقصى من الكتابة هو تحقيق المتعة الشَّخصيّة لنفسي أثناء الكتابة وبالتَّالي مشاركة القارئ بهذه المتعة، لأنَّ الكتابة تمنحُني متعة لا تضاهيها أيّة متعة على وجه الدُّنيا، ولا أخفي عليكم انّني لا أفكِّر نهائيَّاًّ بالقارئ أثناء الكتابة، ليسَ لأنّه لا يهمُّني بل لأنّني أكون غائصاً في لذائذ ولادة النَّصِّ وشهوةِ النّصِّ ومُتع النَّصِّ وفضاءاتِه، ثمَّ يأتي لاحقاً دور المتلقّي القارئ، والقارئة، فلو نال استحسانَهما أهلاً بهما ولو لم ينَلْ استحسانهما أهلاً بهما أيضاً، ولا أقصد هذا الكتاب فحسبُ، بل كلَّ كتبي بما فيها هذا الكتاب!))!
و”لأن الشّيء بالشّيء يُذكر” كما يُقال فقد وددت أن أؤكّد على أنّ لعائلتنا -عائلة عمر سيف الدّين- نصيب وافر من هذا الجهد المشكور لكاتبنا وأديبنا وفنّاننا صبري يوسف، حيث تناول السّيرة الشّخصية لأخي الشّاعر عادل عمر سيف الدّين، كما تناول سيرتي الشّخصية والأدبية، ومن دواعي سرورنا أنّنا كعائلتين عشنا معاً في حارة واحدة وهو صديق أخي وكان أستاذي في المرحلة الإعدادية.
………………………..
*صبري يوسف:
أديب وفنّان تشكيلي، ولد في مدينة ديريك عام 195، درس اللغة الانكليزية لمدة سنتين في جامعة حلب
درس الفلسفة في جامعة دمشق عام 1987
عمل في سلك عدة سنوات
هاجر إلى مملكة السّويد وهناك أكمل دراسته في جامعة ستوكهولم، قسم الفنون.
درّس مادة الرّسم في مدارس السّويد.
أقام معارض فنية في العديد من الدّول
أصدر كتب أدبية عديدة في القصّة القصيرة والشّعر والدّراسات النّقدية والأدبية منها:
احتراق حافات الرّوح/ قصص قصيرة، روحي شراع مسافر/ مجموعة شعرية، ذاكرتي مفروشة بالبكاء، السّلام أعمق من البحار/ شعر، طقوس فرحي/ قصائد بالعربية والسّويدية، أنشودة الحياة بأجزائها ال15، حوار مع الذّات بأجزائه السّبعة وسلسلة حوار السّلام العالمي وغيرها من الكتب والمؤلفات التي لا تعدّ ولا تحصى.






التعليقات (0)