جوان سلو
“في شوارع المدن الوسطى النابضة بالحياة، من أزقة القاهرة المزدحمة إلى حارات بغداد الفسيحة، وصولا إلى أسواق أوروبا المحاطة بالكاتدرائيات، كان البغاء يشكل جزءا لا يتجزأ من نسيج الحياة اليومية في العصور الوسطى. لم يكن الجنس التجاري مجرد هامش محظور ينظر إليه بعين الازدراء، بل كان ظاهرة اجتماعية معقدة تتقاطع فيها الضرورة الاقتصادية مع الرغبة البشرية، والتنظيم القانوني مع الإدانة الأخلاقية”.
يعتبر “الجنس” من أكثر الموضوعات إثارة للجدل في المجتمعات البشرية على مختلف الأزمة والحقب التاريخية. ليدلّ على مدى تغلغل فكرة الجنس وعلاقته شبه الثابتة والسرية بينه وبين السلطة والدين، في كونها حجر الزاوية لفهم الكثير من الظواهر الاجتماعية والثقافية والحضارية.
في كتابه الجديد “تاريخ حلو المذاق” الممنوع والمرغوب في العصور الوسطى، للكاتب أ. د. أشرف صالح محمد سيد، والصادر عن دار الزمان لعام ٢٠٢٥ يعرض لنا بأسلوب منهجي تاريخ الجنس في العصور الوسطى، انطلاقا من مبدأ أن الجنس لم يكن مجرد فعل بيولوجي منغلق، إنما أسلوب حياة يتمتع بأبعاد دينية فلسفية فنية وقانونية عميقة جعلته محط اهتمام وسجال وجدال دائم.
**لماذا حلو المذاق؟
في سيميائية العتبات النصية اختار الكاتب عنوانا توصيفيا يدخل في أعماق تحليلات دقيقة لإحدى مفاصل الفيزيولوجية عن طريق الصورة والتصوير، فاختيار *تاريخ حلو المذاق* عنوانا لكتابه، هو إشارة إلى الطبيعة المعقدة والمثيرة لهذا الموضوع الشائك. ففي الظاهر، قد يبدو الجنس موضوعاً بسيطاً أو “حلو المذاق كما يوحي العنوان، ولكنه في الواقع يمثل واحداً من أعمق وأقدم المواضيع التي أثرت على المجتمع الأوروبي والعربي والإسلامي طوال العصور الوسطى. وتحديا لكثير من الباحثين والنقاد والشعراء والكتاب، ذلك “الحلو” الذي يتحدث عنه لا يعكس فقط اللذة، إنما يشير إلى الطرق التي جرت فيها تلك المجتمعات على مدار القرون لتشكيل مفهومنا عن الجسد والرغبة والانحراف. ويشكل الأرضية لمناقشات طويلة بين الفلاسفة ورجال الدين. باعتبار اللذة الجنسانية كوسيلة لحفظ توازن الجسم والعقل. والأهم من ذلك هو التفريق بين ما هو “مقبول” وبين ما كان ينظر إليه على أنه “منحرف” أو “محرم”، وكيف أن هذه التصنيفات كانت تؤثر في نظرة المجتمع إلى الأفراد الذين يتجاوزون الحدود المفروضة مثلما كان هناك تقديس للعلاقات الجنسية الشرعية في إطار الزواج، كان هناك أيضا تلك الجوانب المظلمة التي كانت تتراوح بين الخرافات والأساطير حول الجنس والهوية: “الجنس كخطيئة أم متعة؟ هل كان الجنس في العصور الوسطى مجرد خطيئة، أم كان أيضا مصدراً للمتعة؟ الإجابة كانت دائماً أكثر تعقيداً مما يمكن اختزاله في “نعم” أو “لا”. فبينما كانت معظم الديانات تعتبر أن الجنس خارج إطار الزواج هو خطيئة، كانت هناك دائماً أفكار عن ضرورة التوازن بين الجنس كخطيئة وبين الجنس كمتعة مشروعة ضمن حدود الزواج. كانت المتعة الجنسانية تعتبر في بعض الأحيان ضرورة للتوازن العقلي والجسدي، ولكن مع التحفظ الكبير على شكل الممارسة أماكنها”.
**الجنس بين الغاية والرغبة:
إن الأمور الأكثر وضوحا بالنسبة للدافع الجنسي هو أن الإنسان والطبيعة لهما هدفان مختلفان، بينما تنشد الطبيعة التناسل، ينفرد الإنسان في غايته ألا وهي البحث عن المتعة والسعادة، إذ يغوص الكاتب في أعماق تاريخ الحياة الجنسية في العصور الوسطى، مسلطا الضوء على كيفية تشكيل هذا التاريخ للأفكار والممارسات الجنسية من خلال المنهجيات التاريخية الأنثروبولوجية والأدبية، موضحا أن السياقات الاجتماعية والسياسية، بما في ذلك الحروب الصليبية والنزاعات الدينية، قد ساهمت في تصورات الناس عن الجنس. معتبرا أن الجنس هو حافز بيولوجي ونتاج للكيمياء ضمن العضوية، أما الرغبة والمتعة والحب فهو توقٌ انفعالي من إبداع خيال الإنسان، وسعيٌ للسعادة.
جاء في الكتاب: “بدلاً من التركيز على الجنس أو الزواج، كان الحب هو محور الأبطال في القصص معا. بدلاً من ذلك الاهتمام، ونادراً ما ينتهيا كانت قصص الحب العذري” تصور العشاق وهم يتبادلون الإعجاب عن بعد، وتنتهي عادةً بمأساة. من المثير للاهتمام أنه تم افتراض أن أفكار الحب العذري استفادت من النساء النبيلات. بما أن الفروسية كانت تضع النساء في مكانة عالية وكان من المفترض أن يكون الرجال مخلصين تماما لهن، كانت النساء قادرات على ممارسة المزيد من السلطة والقوة في المنزل”.
** الأدب والفن والجنس:
يتحدث الكاتب عن دور الأدب والفن في التأثير على الفهم الشعبي للجنس وكيف أعيد تصوير الجسد والرغبة عبر العصور. معتبرا أن التاريخ الجنسي هو جزء لا يتجزأ من التاريخ البشري ويعكس في كثير من الأحيان تحولاً في القيم والمفاهيم التي تستمر في التأثير على المجتمعات كأداة ثقافية سياسية ودينية في العصور الوسطى، وكيف يمكن أن نستفيد اليوم من هذه الدروس لفهم أنفسنا والمجتمعات التي نعيش فيها.
“إن البستان في حكايات ألف ليلة وليلة فضاء مهم لطبقة السلطة والأثرياء لأنه فضاء حميمي للعشق والجنس، وبه تتم المسامرة والمنادمة، ففي حكاية «عزيز وعزيزة الداخلة ضمن حكاية الملك عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان، يذهب عزيز يومياً إلى بستان إحدى النساء اللعوبات بنت الدليلة المحتالة، وهناك في البستان تغريه بجماليات جسدها، وبالطعام والشراب: « ومشيت ولم أزل ماشيا حتى وصلت إلى البستان فوجدت بابه مفتوحاً … وفي وسط المقعد فيه فسقية فيها أنواع التصاوير، وبجانب تلك الفسقية سفرة مغطاة بفوطة من الحرير، وإلى جانبها باطية كبيرة من الصيني معلومة خمرا وفيها قدح من بلور مزركش بالذهب. وإلى جانب الجميع طبق كبير من الفضة مغطى فكشفته فرأيت فيه من سائر الفواكه ما بين تين ورمان وعنب ونارنج… عندها تطمئن نفس عزيز بوصال المرأة اللعب”.
**الحياة الجنسية
عندما نتخيل الحياة الجنسية لدى القدماء، فإننا عادةً ما نتصور في أن العلاقات كانت أكثر نمطية. يتوقع البعض أن المحرمات الجنسية كانت كثيرة، إلا أن الواقع هو أن مفهوم الحرية والقيم كان مختلفاً جداً في ذلك الزمن. كانت العلاقات المثلية مألوفة في الجيوش القديمة، إذ سمح بها للحفاظ على الحالة المزاجية للقوات.
في اليونان القديمة، كانت النساء تتسلى بالإليسبوس تعني في اليونانية الانزلاق داخلاً، وكان عبارة عن دسار (قضيب خشبي بطول حوالي 15 سنتيمتر مصنوع من الخشب ومبطن بالجلد) . كما كانت توجد منه أنواع مختلفة، ولكن الأقل كلفة كان عبارة عن دسار مصنوع من الخبز يشبه أعواد الخبز حاليا. وانتشر أيضا استخدام زيت الزيتون كمزلق. ومن الممارسات الشائعة بين الرومان القدماء كما استشهد الشاعر المعارض مارزيل في قصيدته الساخرة، أن شاعر روماني آخر يدعى هوراس، قد أقام غرفة نوم مغطاة بالمرايا من أجل هذا الغرض الاستمتاع منفردا. وكانت حدود المتعة قليلة لدى بعض القدماء المصريين، إذ كانت الحياة الجنسية طبيعية، تقوم على نمط حر دون وجود الكثير من المحظورات الأخلاقية، باستثناء الاعتداء الجنسي على الأطفال والبهائم. وهناك أيضاً استثناء آخر يتمثل في المثلية الجنسية، كانت هناك فقرة في كتاب الموتى حتى وإن لم يتم التأكد من سلامة ترجمتها بما فيه الكفاية، إلا أنها تبدو أنها أدانت إقامة العلاقة مع أشخاص من نفس الجنس. كما وانتشرت ظاهرة النيكروفيلية، وتعني العلاقات الجسدية مع الموتى، إذ يقول:
“كانت النيكروفيلية موجودة منذ قرون، وهناك العديد من الإشارات إليها في الأدب وجميع أنواع الوسائط باعتبارها مرتبطة بشيطان غير معلن. إنها فعل شرير لا يمكن أو ينبغي للإنسان أن يمارسه. كانت ممارسة النيكروفيلية موجودة في جميع أنحاء العالم لعدة قرون. لكن المصطلح تم استخدامه لأول مرة في عام 1850 عندما ألقى الطبيب البلجيكي جوزيف جيسلان محاضرة عن نيكروفيليا معاصرة لشخص يدعى فرانسوا بيرتراند. يمكن تفسير المصطلح حرفيا ليعني الميل أو المحبة للموتى (الجثث)”.
ويشير الكاتب أيضا إلى غياب المثلية الجنسية عن الدولة الإسلامية حتى أواسط الدولة العباسية تقريباً، حيث بدأ يظهر رجال يرتدون أزياء النساء، ويميلون عادةً إلى الإخصاء. إن الأمر ازدهر في عصر الخليفة العباسي الأمين (809-813م) الذي كان أكثر تساهلاً، فكان الجنس يمارس علنا من قبل بعض المتحولين جنسيا، وكان لهم دور كبير في الموسيقى والفنون. فنلاحظ انتشار الشذوذ الجنسي بين الطبقات الأرستقراطية المملوكية، إذ يقول في كتابه:
“ابتلي المماليك بالشهوات وفشا بينهم الشذوذ الجنسي، فاستمتعوا باللواط في الشباب وتعشق الصبية، وساهموا في انتشار الداء بالمجتمع إذ اعترفوا بممارسة الفاحشة رسميا نظير رسم أو ضريبة تحصل من راغبيها”.
**الرموز الجنسية في الأدب والشعر:
حيث كانت الكلمات تُحاك كالخيوط الذهبية لتروي حكايات البشر، كان الجنس موضوعاً متسللاً ببراعة إلى الأدب والشعر، يحمل في طياته الرغبة والخيال والتحدي من قصص ألف ليلة وليلة التي أضاءت ليالي بغداد بمغامراتها المثيرة إلى أشعار التروبادور التي غنت الحب العذري في جنوب فرنسا كان الجنس أكثر من مجرد فعل جسدي كان رمزاً للعاطفة، محفزاً للإبداع، ومرآة تعكس تعقيدات المجتمع. في هذا المبحث يغوص الكاتب في تحليل النصوص الأدبية التي احتضنت الجنس بأشكال متنوعة نكشف عن الرموز الجنسية المخبأة في القصص، ونستكشف كيف ألهم الجنس الشعراء والرواة ليخلقوا أعمالاً لا تزال تثير التأمل حتى اليوم، مقدمين أمثلة ممتعة تجمع بين الثقافة والمتعة.
في إحدى الحكايات الشهيرة، “قصة الملك عمر النعمان وولديه”، نجد وصفا للعلاقات الجنسية بين الملوك والجواري بأسلوب يمزج بين الفخامة والإغراء: “وكانت الجارية ترتدي ثوباً شفافا يكشف عن مفاتنها، فألهبت قلب الملك حتى أمضى معها ليلة كأنها من ليالي الجنة”. هذه الأوصاف ليست مجرد زخرفة بل رموز للقوة والسلطة، حيث كان امتلاك الجسد الجميل دليلاً على الهيمنة الرموز الجنسية تتجلى أيضا في الأشياء: الفاكهة الناضجة، السيوف المسلولة، والأبواب المغلقة، كلها تحمل دلالات خفية تثير خيال القارئ وتدفعه للتأمل في المعاني العميقة.
** فضاء المتعة في “ألف ليلة وليلة”
إن البستان في حكايات (ألف ليلة وليلة) فضاء مهم لطبقة السلطة والأثرياء، لأنه فضاء حميمي للعشق والجنس، وبه تتم المسامرة والمنادمة، ومن هنا فإنه كفضاء خارجي مفتوح على جهات القصر، يأخذ نفس وظيفة المقصورة التي يتم بها الوصال الجنسي. ففي حكاية عزيز وعزيزة الداخلة ضمن حكاية الملك عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان، يذهب عزيز يوميا إلى بستان إحدى النساء اللعوبات (بنت الدليلة المحتالة، وهناك في البستان تغريه بجماليات جسدها، وبالطعام والشراب. فالجنس لم يكن مجرد زخرفة في الأدب والشعر، بل كان شرارة أشعلت الخيال. في “ألف ليلة وليلة، كانت القصص الجنسية وسيلة شهرزاد للسيطرة على مصيرها، مما يظهر كيف تحول الجنس إلى قوة إبداعية. كل ليلة كانت تحكي فيها قصة جديدة مليئة بالمغامرات والإغراء كانت تبتكر عالماً جديداً يأسر الملك ويؤخر موتها. هذا الدور يتجاوز السرد إلى الفلسفة: الجنس هنا ليس غاية، بل وسيلة لخلق الحياة والفن.
**دور الجنس كمحفز للإبداع
في شعر التروبادور، كان الحرمان الجنسي هو المحفز الأساسي. فالشاعر، الممنوع من لمس محبوبته، يصب هذا الحرمان في كلمات تتغنى بالجمال والألم المؤرخون يرون أن هذا النوع من الشعر ساهم في تطور مفهوم الحب الرومانسي في الغرب، مما يظهر كيف ألهم الجنس تطوراً ثقافيًا أوسع. حتى في القصص الشعبية، كان الجنس يدفع الشخصيات لاتخاذ قرارات جريئة -كخيانة الملك أو السفر عبر البحار – مما جعل الأدب مرآة للصراعات الداخلية والخارجية.
وفي “قصة الملكة زبيدة والصياد من ألف ليلة وليلة، تصف النصوص لقاء بين الصياد وزبيدة بكلمات مثل: “وكانت عيناها كالبحر العميق، تسحر كل من ينظر إليها، وهي عبارة تحمل إيحاءات جنسية تجذب القارئ”. في شعر التروبادور، كتب جوسيلم ديسكورزون: “قلبي يحترق بنار لا تطفأ. لكنها نار تجعلني أغني”، وهو تعبير يحول الرغبة إلى طاقة إبداعية.
** هل الجنس هو ما يجعلنا بشراً:
إن التفكر في هذا الكتاب يدعونا إلى أن نتأمل بعمق في مسألة الجنس فهل هو ما يجعلنا بشراً، أم أن محاولاتنا لضبطه وفهمه هي ما تحدد إنسانيتنا؟ لقد كان الجنس في الأزمان السابقة تحت المراقبة، لكنه ظل ينبض بالحياة في كل زاوية من المجتمع. وفي العصر الحديث، أصبح أكثر حرية، لكنه لا يزال يثير الجدل والصراع. ربما تكمن الحقيقة في أن الجنس، بكل تناقضاته، هو مرآة لروحنا المتغيرة في شكلها، والثابتة في عمقها. إذ يعتبر تجربة إنسانية غنية كشفت عن قدرة البشر على التوفيق بين الرغبة والقيد، وبين الخيال والواقع.
لقد أصبحنا ندرك أن التغييرات السطحية في القوانين، الثقافة، والتكنولوجيا لا تلغي الجوهر الثابت للسلوك الجنسي كتعبير عن الحياة ذاتها. وهذه الرحلة عبر العصور تذكرنا بأن “الجنس، بكل ما يحمله من متعة وألم، قوة وهشاشة، هو خيط متصل يربطنا بماضينا ويوجهنا نحو مستقبلنا. إنه تاريخ حلو المذاق، لأنه تاريخنا معقد، مثير، وإنساني بامتياز”.







التعليقات (0)