قراءة في كتاب

” حين يصبح الحب جواز سفر : قامشلو ونصيبين في نبض الكيساندرا ” قراءة انطباعية في ديوان ” نبض ” للشاعرة الكيساندرا محمد

نصر محمد / ألمانيا

لا يأتي ديوان ” نبض ” للشاعرة الكيساندرا محمد – الصادر بدعم من اتحاد مثقفي روج آفا عام 2024 – كديوان غزل تقليدي يضاف إلى رف المكتبة ، بل يأتي كوثيقة وجدانية لجيل كامل .

الشاعرة ابنة قامشلو ، مواليد 2002 ، طالبة الهندسة المعلوماتية ، تكتب من منطقة لم تعرف الهدوء . لذلك لم يكن غريباً أن لا تتحدث عن حبيب مجرد، بل عن حبيب – جغرافيا ، وحبيب – قضية ، وحبيب – وطن .

قصيدة ” أنا وأنت ” التي تشكل العمود الفقري ، هي مفتاح الديوان كله .

تقوم القصيدة على تقنية واحدة ذكية جداً : اللازمة .

” أنا وأنت
كقضية لا حل لها
أنا وأنت
بحرٌ غرق فيه الكثير من اللاجئين
أنا وأنت
كأسوار منيعة مفصول بينها
أنا وأنت
كصورة مطبوعة للوجه نفسه مقسومة نصفين
أنا وأنت
كقهوة وماء لا ثالث لهما
أنا وأنت
متى نلتقي ؟! ”

التكرار هنا هو إيقاع القلب نفسه . الشاعرة لا تبحث عن قافية ، بل عن تعريفات متتالية لنفس الوجع . وتتدرج التعريفات بوعي من الأكبر إلى الأصغر : من قضية دولية بلا حل ، إلى مأساة العصر وهي غرق اللاجئين ، إلى أسوار سياسية ، إلى صورة شخصية مقصوصة ، إلى طقس يومي بسيط هو القهوة . كأنها تقول : وجعي بحجم العالم ، لكنه أيضاً بحجم فنجان قهوة .

التجلي الأجمل في الديوان هو الحب كجغرافيا مقسومة ، وهو ما لا يمكن لشاعرة من خارج الجزيرة أن تكتبه :

” أنا وأنت كنصيبين وقامشلو
يفصل بيننا علهان
وجغرافيتان
وحدودٌ
ولكننا متصلا الجذور
لا تفصل بيننا حدود
فالأرواح تتعانق ”

نصيبين وقامشلو مدينة واحدة قسمها سايكس بيكو بسكة قطار . معبر علهان هو الجرح بينهما . الشاعرة لا تشبّه حبيبها بمدينة ، بل تشبّه علاقتها كلها بعلاقة المدينتين . الحب هنا ليس لقاء في مقهى ، بل هو محاولة تهريب روح عبر معبر حدودي. ” متصلا الجذور ” ليست استعارة شعرية ، بل هي حقيقة بيولوجية وتاريخية لأهل المنطقة .

ويكتمل هذا الخطاب الجغرافي في نص :

” قلبي كنهر دجلة يا نبض
يمرّ بكثير من الجغرافيات
لكنه يأبه
أن يعانق غير ديرك
عشقت ديرك بك يا نبض
لأنها جميلة مثلك
هيا عد الآن يا نبض
لأعانقك عناق المئة عام ”

دجلة يمر بثلاث دول لكنه يرفض أن يعانق إلا ديريك . هنا يتحول النهر من جغرافيا إلى موقف عاطفي . ديريك لم تعد مكان ميلاد الحبيب ، أصبحت هي الحبيب . و “عناق المئة عام ” هو عناق يتجاوز اللحظة العابرة إلى عناق تاريخي ، عناق شعب يريد أن يلتئم .

تنهي الشاعرة هذا المسار العاطفي بإعلان فلسفي صريح في هذا النص :

” نحن في هذه البلاد يا نبض
نتسلّح باليقين
مرات بسلاح
مرات بقلم
أو دفتر
الحرب
هي
الحرب
لا مفرّ منها ”

هنا تسقط كل الأقنعة الرومانسية . نحن في بلاد تتسلح باليقين للبقاء . السلاح والقلم والدفتر كلها أدوات حرب واحدة . هذا المقطع القصير المتقطع ، المكتوب كطلقات ، يكشف هوية الكاتبة الحقيقية : ناشطة ومهندسة وكاتبة تعرف أن الحب في زمن الحرب هو أيضاً جبهة .

لغة الديوان كلها إذاً تتحرك بين قطبين : قهوة الصباح وبحر اللاجئين ، عطر القميص ومعبر علهان ، عناق المئة عام وحرب لا مفر منها .

ما الذي يجعل ” نبض ” ديواناً يستحق القراءة الانطباعية ؟

ليس لأنه ديوان متقن عروضياً أو متخم بالاستعارات النخبوية ، بل على العكس تماماً . قوته تكمن في بساطته وصدق جغرافيته .

الكيساندرا محمد لا تستعير صورها من دواوين قديمة ، تستعيرها من شارعها : من سلك نصيبين ، من نهر دجلة ، من فنجان قهوة الصباح ، من دفتر جامعي . لهذا يصل نبضها بسرعة .

” نبض ” هو دفتر محاولة فتاة من قامشلو أن تجعل من الحب جواز سفر غير قابل للتمزيق. حاولت السياسة أن تقسم الصورة إلى نصفين ، فكتبت هي تحت الصورة : فالأرواح تتعانق .

إنه ديوان يقول لنا : القضية التي لا حل لها ، والبحر الذي غرق فيه اللاجئون ، والسور المنيع ، كلها يمكن أن تُختصر في سؤال واحد بسيط ينهي كل القصيدة :

” أنا وأنت
متى نلتقي؟! ”
وهذا السؤال وحده ، هو النبض .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

امرأةٌ من أيلول

أفين بوزان تحملُ رياحُ أيلول وشاحي القديم وتنثره فوق الطرقات كأنها تعرف أن امرأةً مثلي لا يليق بها إلا الغياب. أمشي... وفي…