نصوص أدبية

جَسدُكِ المأهولُ بالموسيقى!

خالد حسين

I

عَيْنَاكِ أَجْمَلُ فُسحَةً لأَرَى طَريقي إلى الأَبَديّة!

كنتُ أستكشفُ تلك المدينة!
رهطٌ من الرواة كانوا يستظلّون بأحجار قلعتها الشهيرة وهم يسردون بلغةٍ عذبة عن فرسان وخيولٍ مطّهمة بأكفال ناصعة البياض. رذاذ الماء يشاكس الظهيرة المنصهرة في فضاء المقهى.
كنتُ ألمسُ زرقة المتوسط:
لم نكن سوى بحيرةٍ وطريقٍ مسعورٍ ينحدر إليها.
كنا نذوبُ في لغةٍ غامضةٍ؛ حدثَ أن الإلهَ كان أجملَ من ظلّه في عينيكِ!
كنتُ تائهاً وكم كنتِ مزدحمةً بدمعِ الأبدية!
مجازفةٌ من أجل الحبّ…سماء بصفائها؛
وأنتِ في أُنوثتكِ رقيقةٌ مثل النّدى!
كم يشتهي أن يكون قاطعَ طريق؛ يتَفَادَى الحبَّ على مَدَار جَبالٍ ومنعطفاتٍ وأنهار ومدنٍ ونساء رشيقاتٍ. غير أنّه، في محادثةٍ قصيرة، يتلاشى في رنين صَوْتكِ كمدينةٍ تذوب شوقاً في مطر أوّل الخريف!
ها هو يتذكّرُ نبيذَ شفتيكِ
شمسُ الخريف تتلألأُ مَرِحَةً بين أوراق شجرتي الجكرنده …

II

كما لو أنها نبيذٌ للشّتاء!

إنها شؤونُكِ في الصَّباح: الأناقةُ المعهودة، الأظافرُ بلونها النبيذي الداكن، الشّعرُ الذهبيُّ بمجازفات الفضيّ في تصفيفٍ أخّاذ …والأشدّ جمالاً:
أنتِ القصيدةُ التي تفاقمُ ألغازَ العالم!
قهوةُ الصّباح، اللحظة الأكثر اكتنازاً، فُسحة الزمن الأعمق إراءةً:
هكذا
أيها الحبُّ الذي يُشبهُ التباسَ غيمةٍ على مشارفِ هذه النافذة!
يداكِ المزدهرتان شوقاً، شفتاكِ المكتنزتان بالمنّ والسّلوى، قُبُلَاتُكِ حَبّاتُ كرزٍ في بَلَاغَةِ جَمَالِهَا!
ضحكتكِ كما لو أنّها نبيذٌ للشتاء!
أيتها الهبةُ!
أيّها الجمال المشتعلُ على مشارف الصَّباح!
يا لسماءِ الحيَرةِ أيها العاشق!
في عَينيكِ تمتدُّ آفاق مخضرّة بلا تخوم!
هكذا: القصيدةُ ابتهالٌ فحسبُ لهذا السّحر الباهر في عينيك!

III

سماءٌ تركنُ إلى كتفيكِ، عَيناكِ بضفافٍ بعيدة!

إنها الومضةُ، السّحر:
هذه الغمازةُ على ضفاف شفتيك تستعيد الإشراقَ لمدينةٍ حطمّها الليلُ!
يستعيد الشّاعر شذرات الحكاية:
رقةُ الفراشةِ، صَفَاءُ الينابيعِ، شغفٌ بلون الأُرجوان، شفتاكِ فاكهةٌ بنكهةٍ غامضة! في هذه اللحظةِ بتصفيفةِ شَعركِ الجديدة والبلوزة الرّمادية: تمطرُ في عينيكِ “غيمةٌ خضراءُ”!
يتذكر ذاك المساء الممطر، ذاك الوَسَن اللذيذ…  تلك الرموشَِ الشّقراء في جمالها المطلق!
أيتها “الشّمس الذهبية” المتوهّجة أبداً في قلبِ الغريب…
خُصلاتُ شَعْرِكِ ــ حقولُ القمح، ابتسامتُكِ التي تباغتُ إشراقةَ الصَّباح. جمالُكِ…الأَسْحارُ المباغتة في عينيكِ، الانثناءاتُ الآسرةُ في جسدِكِ.
أيُّ إلهٍ نشوان خَطَّ شَفتيكِ في تلك اللحظةِ المَارقة؟!
لولا عيناكِ لغرقَ العالم في لجّة الشّر!

IV

دروبٌ تصعدُ صوبَ نجومٍ بعيدة…

بين يديّ باقةُ وردٍ تتفتّحُ بتويجاتٍ من نبيذ!
تزدهرُ يداكِ عناقاً، يا لنداوة الوقت!
تلمسُ الرّيحُ أصابعكِ المرمية بنشوةٍ على كتفيّ. يداكِ مأوى لطيورٍ تائهة، دروبٌ تصعدُ صوبَ نجومٍ بعيدة…
هذا الحبُّ يُحيطُ بالصّباح كحديقةٍ، امرأةٌ من ضوءٍ حيث يتيه العالم في ابتسامتها، فسحةٌ معطّرة بالگاردينيا.
هذه الحيرة!
هذا الجمالُ الفينيقيُّ الذي يجمعكِ مع البحر وتلك السّماء المنحدرة إليكِ!
بأيّ كلماتٍ جديدة سوف يمجّدُ الغريبُ عذوبة الأُنوثة في لغتها؟
يا فتنةُ الفصول، يا ملكة العواصف التي تؤجّج الغيم، أيتها الأرض المباحة لألق التوليب، الغزالة التي تشعل الصدى في الحنين؛
هذا الرضاب أشهى من النبيذ!
هذا الإشراقُ في ضحكتكِ!
هذا اللونُ الذي يَرْشُقُنَا بالحيرةِ في عينيكِ
إنها أزهارُ الجكرنده تتألقُ في السّماءِ الملطخةِ بالزُّرقة أعلى يَديكِ…

V

إنّها النجومُ تضيء طريقكِ إلى القصيدة!

يُصغي إلى أَنغام المطر:
هذا المساءُ ثملٌ بحبكِ، ثملةٌ باقةُ أزهار التوليب على الطّاولة،
أنحاءُ المنزل، الممراتُ منتشية بأثر خَطواتكِ …
أشاركُكِ هذا المطر
الغيمةُ تذوبُ في تلك الأشجار هناك. أشبكُ أصابعي بأصابعكِ قبل أن يتمزّق الليل!
إنها فرصةٌ لمآثر هذا المطر أنْ تتألّق في ضوء ابتسامتك …
مع هذه النظرةِ الخاطفة؛ تنهمكُ القصيدةُ بتكيحلِ أهدابها!
ـ يكتب الراوي في افتتاحية روايته القصيرة:
امرأةٌ ورجلٌ، لا شأنَ لهما سوى اختزال المسافات البعيدة
المرأةُ بإشراقتها ــ النرجس، بحاجبيها اللذين يؤجّجان القلبَ في مساء الحبّ. الرجلُ مع باقةِ توليب بلون أظافرها!
عاشقان يعزفان لأشجار الجكرنده في كلّ خطوة!
تقول بغتةً: ثمة سرديةُ حبٍّ عميقةٌ في هوامشِ القبلةِ القادمة!

VI

إلى أيّ سَمَاواتٍ تمضي بي هذه الفتنةُ المشتعلةُ في عَينيكِ!

يمضي المسافرُ ظلاً بعينيكِ إلى سهوب تتألق في خديعةِ المدى،
يرسم خرائطَ لعوالم ساحرة.
مع تحية الصّباح ترتعشُ الكلماتُ ترقّباً لقصائد لم تأتِ بعدُ!
هذا الإشراقُ في ضحكتكِ!
هذا اللونُ الذي يَرْشُقُنَا بالحيرةِ في عينيكِ
في هَذا الغرام المضفور بحرير الحنان:
حيثُ لكلماتكِ القليلةِ ضوءُ القمر!
حيثُ لكلامِكِ رائحةُ الرّيحان صَبَاحَاً!

VII

بكلماتكِ الأُوْلى تَفْتَتِحُ النّافذةُ صباحها.

يتبدّى الوقتُ كلغةٍ غريبة تُسمع لأوّل مرة؛ كَأنَّ “البَدْءَ” لا يلتمعُ إلا بجواركِ!
لن تكونَ القَصيدةُ سوى تاريخٍ للضوء!
لن يكونَ الضوءُ سوى قَصيدةٍ لإشراقكِ!

في الغَاباتِ التي تستحمُّ غروباً بعينيكِـ، في الأشعة التي تتقاطع برهافةٍ بين أغصان الأشجار، يتلاقى المرئيُّ باللامرئيِّ نشيداً للونٍ لم يُسَمَّ بعدُ. في سديم المجرات هناك تتلاقى السّماءُ بالأرض أنوثةً لا فكاكَ منها كما لو أنَّ ثمة فراغاً ينتظر انهياراً لا يُرَدُّ.

في هذا البهاء:

شَعْرُكِ الذَّهبيُّ المبتلُّ بالشَّمْس، أَصَابِعُكِ التي تخترقُ خُصُلاتِهِ الفضية بحنان… أما أسرارُ شيفرة جمالكِـ، أما التباساتُ لون عَيْنَيْكِ؛ أَمّا الأبديةُ التي اتخذت ما بين الشَّامتين مأوىً لها؛ فتظلُّ رَهْنَ النُّجوم النَّائية …
في هذا المنعطفِ من قبلةٍ عميقة:
أردّدُ اسمَكِ كأغنيةٍ
ها هو جسدُكِ المحاطُ بالليل مَرْجٌ مأهولٌ بالموسيقى!

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى