فواز عبدي
مسكني الزمن من أذني وأخذني إلى ميدان الطفولة في نقاره.
كانت القرية في عجلة من أمرها. حركة الثياب المزركشة لا تهدأ، والشباب والفتيات على موعد مع الفرح. الكبار منشغلون بما لا يترك متسعاً لالتقاط الأنفاس، ينثرون النصائح هنا وهناك كما تُنثر حبات القمح على البيادر.
اليوم عرس نايف… وعرس أخته أيضاً، لكن في قرية كجل عرب.
حين أراد والده، صوفي سلو، تزويجه، لم يكن يملك مهراً، فراح يبحث عن عائلة تشبههم في الحال والظرف ليبادلوا بناتهم. وبعد أن اتفقت العائلتان على “البديلة”، حددوا موعد العرس، على أن تتم المبادلة في بيادر قرية سيهرمكا التي تتوسط القريتين، وكأن العروسين محصولان ينتقلان من موسم إلى آخر.
ومع تأهبّ سيارات المدعوين للانطلاق، لم يكفّ الكبار عن توزيع النصائح. أوصوا الرجال بحمل العصي، فربما احتاجوها إذا اختلفوا مع أنسبائهم الجدد. ففي مثل هذه المناسبات قد تتحول كلمة إلى مشاجرة، والمشاجرة إلى ما لا تُحمد عقباه.
“كونوا جاهزين يا شباب”.
لكن عملية التبادل تمت بسلام، إن استثنينا بعض الشتائم والسخريات التي ظلت تتطاير فوق العرس مثل غربان عابرة.
أخذ كل طرف عروسه واستعجل العودة، غير أن الطريق إلى البيت لم يكن نهاية، وإنما بداية امتحان آخر.
وحين نزلت العروس من السيارة، بدت كأنها خارجة من صندوق قديم للفرح. كانت ترتدي فستاناً من المخمل الأحمر، يثقل صدره ما علق به من حلي وذهب، وفوق الفستان خفتان أحمر فاتح شفاف. يشدّ خصرها زنار حريري، وفوق رأسها الكوفية الكردية يتدلى من فوقها الطرحة الحمراء الشفافة..
لم أر يومها فستاناً ولا طرحة باللون الأبيض. كان الأحمر يحيط بها من رأسها إلى قدميها، حتى حذاؤها الجلدي الصغير كان أحمر.
أدخلوها الغرفة مع العريس، ثم أغلقوا الباب وراءهما. أما الواقفون في الخارج، فقد بدوا وكأن أمراً خطيراً ينتظر الحسم.
اجتمع الشباب أمام الباب الخشبي العتيق. بعضهم كان يختلس النظر من الشقوق، وبعضهم يتسلق زوايا الشباك بحثاً عن شيء لا يعرف تماماً ما هو.
كانت الدقيقة تطول في عيني والدي العريس حتى تصير ساعة، والساعة تكبر حتى تكاد تصبح يوماً كاملاً.
ويتكرر السؤال:
Çi bi te re çêbû Nayif?
ويأتي الجواب عميقاً، كأنه خارج من قاع بئر:
Hindik ma… Hindik ma…
فتنتقل العبارة من فم إلى فم، وتدور بين الشباب كأنها أغنية قصيرة.
وبعد دقيقة أو دقيقتين يعود السؤال بنبرة أكثر إلحاحاً:
Kuro Nayifo ma tu bû çi?
فيأتيهم الجواب نفسه:
Hindik ma… Hindik ma…
وهكذا ظل السؤال يطرق الباب، والجواب يعود من الجهة الأخرى، حتى لاح العلم الياباني من بين شقوق الخشب.
لم تكن البقعة الحمراء دائرية تماماً، لكنها كانت كافية.
ارتفعت الزغاريد، وتناثرت السكاكر والعملات المعدنية فوق رؤوسنا نحن الصغار. ورأيت الفرح يومها يقفز من يد إلى يد، ومن فم إلى فم، كعصفور أفلت من قفصه.
نعم، ركبها نايفو في تلك اللحظة.
لكنها ركبته بقية العمر.
لا العروس وحدها.
بل تلك اللحظة كلها.
لحظة الباب المغلق، والأصوات المتعجلة خلفه، والسباق الخفي الذي لم يدع له وقتاً ليكون هو نفسه.
أظن أن شيئاً غير مرئي خرج معه من تلك الغرفة يومذاك، واستقر بينه وبين زوجته.
شيءٌ يشبه ظلاً صغيراً.
كلما أراد أن يكبر، كبر الظل قبله.
وكلما حاول أن يمشي منتصباً، وضع الظل يده على كتفه برفق.
ومع مرور السنين، صار ظهر نايفو أكثر ميلاً إلى الأرض، بينما ظل ذلك الظل واقفاً كما هو.

التعليقات (0)