آناهيتا حمو. باريس
من باريس عاصمة الثقافة الأوروبية والإبداع والحب، من فيكتور هيغو وبودلير وروسو جاك بريفير صموده. و جيرارد شاليان وبيير روندو ،هناك من بينهم من دوّن تاريخ للشعب الكُردي العظيم.
من فيينا، عاصمة النمسا، إلى إيسن الألمانية، رحلةُ كتابٍ يحمل اسم كردستان، ويُعبّر عن قيم الأخوّة وعمق الانتماء وحنين الإنسان إلى أرضه وذاكرته.
في لحظةٍ ثقافية مفعمة بالاعتزاز والوفاء، احتضنت العاصمة النمساوية فيينا، يوم ١٨ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٦، مراسم الاحتفاء والتوقيع على الكتاب الجديد «كُردستان: التآخي الحنين»، في مناسبة نظّمتها جمعية كُردية نمساوية ، لتمنح هذا المحفل الأدبي مساحةً يلتقي فيها الفكر بالوجدان، والثقافة بالهوية، والذاكرة بالأمل.
ولم يكن هذا اللقاء مجرّد حفل توقيع لكتاب جديد، بل كان احتفاءً بكلمةٍ تحمل في طيّاتها حكاية شعب، وملامح وطن، وأصداء ذكرياتٍ لا تمحوها المسافات ولا تُطفئها سنوات الاغتراب. فحين تُذكر كُردستان، لا تحضر الجغرافيا وحدها، بل تحضر معها الأرض والإنسان، واللغة والتراث، والأغاني التي تحفظها الذاكرة، والوجوه التي تسكن القلب مهما ابتعدت الدروب.
إن عنوان الكتاب، «التآخي والحنين»، يختزل بُعدين إنسانيين عميقين؛ فالأخوّة هي الجسر الذي يصل الإنسان بأخيه، مهما اختلفت اللغات والثقافات والبلدان، والحنين هو ذلك الصوت الداخلي الذي يعيدنا إلى جذورنا، إلى الأماكن الأولى، وإلى تفاصيل الحياة التي صنعت وجداننا وملامح هويتنا. وبين هذين البُعدين، تتشكّل رسالة ثقافية تؤكد أن الانتماء إلى الوطن لا يتعارض مع الانفتاح على الآخرين، وأن الاعتزاز بالهوية يمكن أن يكون طريقاً إلى التفاهم والتعايش، لا حاجزاً بين الشعوب.
ومن فيينا إلى مدينة إيسن في ألمانيا، يواصل هذا الكتاب حضوره في فضاء الإغتراب، حيث تكتسب الكلمة معنى إضافياً، وحيث تصبح الثقافة مساحةً للحفاظ على الذاكرة ونقلها إلى الأجيال الجديدة. فالمهاجر قد يبتعد عن أرضه، لكنه لا يبتعد بالضرورة عن تفاصيلها؛ إذ تبقى في داخله لغة الطفولة، ودفء العلاقات الإنسانية، وصور المدن والقرى، وأصداء الحكايات التي ترافقه في رحلته.
وتأتي مبادرة الجمعية الكردية النمساوية للثقافة والفنون للاحتفاء بهذا الإصدار لتؤكد الدور الحيوي الذي تؤديه المؤسسات الثقافية والجمعيات المدنية في رعاية الأدب، وتشجيع الحوار، وخلق مساحاتٍ يلتقي فيها أبناء الجاليات مع محيطهم الأوروبي، في إطار من الاحترام المتبادل والتعدد الثقافي. فمثل هذه اللقاءات لا تحتفي بالكتاب وحده، بل تحتفي أيضاً بالإنسان الذي يجعل من الثقافة جسراً للتواصل بين المجتمعات.
إن قيمة الكتاب لا تُقاس بعدد صفحاته فحسب، بل بما يثيره من أسئلة، وما يوقظه من مشاعر، وما يتركه من أثرٍ في ذاكرة القارئ. والأعمال التي تستلهم الوطن والإنسان والحنين تظل قادرةً على فتح نوافذ للحوار حول معنى الانتماء، وقيمة الذاكرة، ومسؤولية الأجيال في صون تراثها الإنساني والثقافي.
لقد شكّلت مراسم التوقيع في فيينا محطةً مضيئة في مسيرة هذا الإصدار، كما مثّل حضوره في ألمانيا امتداداً لرحلته الثقافية خارج الحدود. وبين المدينتين، تتجلى صورة الكتاب بوصفه رسالةً تتجاوز المكان، وتخاطب الإنسان بلغته الأعمق: لغة الذاكرة والمحبة والأخوّة.
فكُردستان في هذا العنوان ليست مجرد اسمٍ على غلاف، والحنين ليس مجرد ذكرى عابرة، والأخوّة ليست مجرد كلمة جميلة؛ إنها معانٍ تتصل بالإنسان وكرامته، وبحقه في الاحتفاظ بذاكرته، وبقدرته على مدّ الجسور نحو الآخرين.
وهكذا، يطلّ كتاب «كُردستان التآخي الحنين: » من فيينا إلى إيسن، حاملاً رسالةً ثقافية وإنسانية عنوانها أن الأوطان قد تفصل بينها الحدود، لكن الذاكرة تستطيع أن تجمعها، وأن الكلمة الصادقة قادرة على تحويل الحنين إلى إبداع، والهوية إلى حوار، والثقافة إلى مساحةٍ مشتركة للأخوّة والسلام.
إنه احتفاءٌ بكتاب، واحتفاءٌ بالذاكرة، وتحيةٌ لكل من يؤمن بأن الثقافة تظلّ واحدةً من أجمل الطرق التي يتعارف بها البشر، ويحفظون من خلالها ماضيهم، ويصنعون أملاً مشتركاً للمستقبل لا بل تحديد المصير المشترك لأبناءالأمةالواحدة لبناء الإنسان ودولته كُردستان.

التعليقات (0)