صبحي دقوري
يا سيدتي،
أكتب إليكِ في ساعةٍ من الليل سكتت فيها الأصوات كلها، إلا صوت قلبٍ يذكركِ. وما أشدّ ما يكون القلب صدقاً حين لا يجد أحداً يحدّثه إلا نفسه، ولا يجد نفسه إلا في صورة من يحب.
أما بعد،
فإني لا أدري كيف أبدأ حديثي عنكِ، لأن الكلمات التي تعلّمتها من الناس تضيق بكِ، ولأن المعاني التي أشعر بها نحوك أكبر من أن تستقر في حروف. ولقد جرّبت مراراً أن أصف ما أحدثه حضورك في روحي، فكنت كمن يريد أن يضع البحر في كأس، أو أن يحبس ضوء الفجر بين أصابعه.
إنكِ لم تدخلي حياتي كما يدخل الناس حياة الناس؛ لم تأتِ من باب المصادفة العابرة، ولم تكوني وجهاً مرّ ثم غاب. لقد دخلتِ حياتي كما يدخل النور إلى غرفةٍ أغلقتها السنوات طويلاً. لم يصنع النور الجدران، ولكنه كشفها. ولم يخلق الأشياء، ولكنه أعادها إلى الظهور.
ومنذ عرفتكِ، وأنا أشعر أنني أعرف نفسي أكثر.
كنت أظن أن العمر هو عدد السنين التي نعبرها، ثم اكتشفت أن العمر الحقيقي هو عدد اللحظات التي نحياها بعمق. وبعض الناس يعيشون سبعين عاماً فلا يعيشون يوماً واحداً، وبعضهم يعيش دقيقة حبٍّ صادقة فتكون أوسع من سبعين عاماً من الفراغ.
وأنتِ كنتِ تلك الدقيقة التي اتسع فيها العمر.
يا حبيبتي،
إن الحب ليس أن أراكِ جميلة، فالجمال تراه العيون كلها. ولكنه أن أراكِ مختلفة عن العالم كله. أن يكون لوجودكِ معنى لا يشبه أي معنى آخر. أن أشعر أن صوتكِ لا يصل إلى أذني فحسب، بل إلى أماكن في روحي لم تكن تعرف من قبل أنها موجودة.
أحياناً أجلس وحدي فأستعيد بعض الكلمات التي قلتِها منذ زمن، فأعجب كيف تبقى كلمة واحدة في القلب سنوات، بينما تمضي خطب كاملة من الذاكرة كأنها لم تكن.
ذلك لأن الكلمات التي تخرج من القلب لا تموت.
وأنتِ، يا سيدتي، لم تكوني في حياتي مجرد امرأة قالت كلمات جميلة، بل كنتِ اللغة نفسها. كنتِ تلك الأبجدية التي أعادت ترتيب العالم في داخلي. فصار للحزن معنى آخر، وللفرح معنى آخر، وحتى للصمت معنى آخر.
لقد كنت قبل حبكِ أظن أن الوحدة هي أن يجلس الإنسان منفرداً. ثم عرفت أن الوحدة الحقيقية هي أن يعيش القلب بلا شخص ينتظره. ومنذ عرفتكِ لم أعد وحيداً، حتى في أكثر ساعاتي عزلة.
فما أغرب هذا الحب!
يجعل الغائب حاضراً أكثر من الحاضرين، ويجعل المسافة وهماً حين تعجز عن إبعاد روحٍ عن روح.
يا حبيبتي،
لو خيروني بين أن أعيش عمراً طويلاً بلا حب، أو أن أعيش لحظة واحدة أحبكِ فيها ثم ينتهي كل شيء، لاخترت تلك اللحظة.
لأن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بما يمر فيها من نور.
وأنتِ كنتِ من أنوار حياتي.
ولعل أجمل ما في الحب أنه لا يطلب الكمال. إنه يحب الإنسان بكل ما فيه؛ بأخطائه، وضعفه، وارتباكه، وحزنه، وتناقضاته. بل ربما كانت هذه النواقص هي التي تجعل المحبوب أقرب إلى القلب، لأن القلب لا يعشق التماثيل، بل يعشق البشر.
ولهذا أحببتكِ كما أنتِ.
لم أحب صورة متخيلة، ولا حلماً مصنوعاً من الخيال. أحببت إنسانة من لحم ودم، تفرح وتحزن، تقترب وتبتعد، تصمت وتتكلم، لكنها في كل أحوالها تبقى هي نفسها: المعنى الأجمل في قلبي.
وأعرف أن الأيام تمضي، وأن الزمن لا يتوقف لأحد، وأن كل شيء في الدنيا معرّض للتغير. لكنني أعرف أيضاً أن هناك أشياء لا يقوى الزمن عليها.
ومن هذه الأشياء ذكرى حبٍّ صادق.
فإذا افترقت الطرق يوماً، وإذا حملتنا الرياح إلى جهات مختلفة، وإذا أصبح اللقاء حلماً بعيداً، فسيبقى في أعماقي ركن هادئ لا يسكنه أحد سواكِ.
سيبقى اسمكِ هناك كما تبقى النجمة البعيدة في السماء؛ قد لا نصل إليها أبداً، لكننا نهتدي بنورها.
لهذا لا أكتب إليكِ اليوم لأطلب شيئاً، ولا لأعد بشيء، بل لأقول فقط إن القلب الذي أحبكِ مرةً بصدق، لن يستطيع أن ينظر إلى الحياة بالطريقة نفسها بعدكِ.
لقد مررتِ في عمري كما يمر الربيع في البساتين اليابسة؛ لم يأخذ منها شيئاً، بل أعاد إليها ما كانت قد نسيته من ألوانها.
فشكراً لكِ.
شكراً لأنكِ كنتِ في حياتي قصة لا تشبه القصص، ونوراً لا يشبه الأنوار، وذكراً جميلاً كلما مرّ في خاطري شعرت أن العالم، على قسوته، ما يزال جديراً بأن يُحب

التعليقات (0)