قراءة في كتاب

تجليات الإلهة الأنثى في مجموعة «لم أكن ساهيًا عن الوردة» للشاعر خالد حسين

دراسة أحمد شكري عثمان

بلغةٍ رشيقة مفعمة بأنوثة العبارة الشفيفة والتي يمتزج فيها الأسطوري بالمحسوس يحلق بنا الصديق خالد حسين في فضاءاته الشعرية كاسرا حاجز اللغة المحضة .
باحثاً عن الأنثى الإلهية التي تسكن عالم الحوريات . تلك الأنثى الغامضة التي تمشي كالملكات في مواكب أسطورية، ترافقها الوصيفات بنات الريح وعازفات الناي تلك التي تترصع بتيجانها :

في قصيدته عالية كسهر الورد نقرأ للصديق خالد :

_من تخومِ سَمَاواتٍ بعيدةٍ تَقْدُمُ إناثُ الرّيح وصيفاتٍ وعازفاتِ ناي بقفاطينهنَّ السّاحرة.
ها أنتِ تكابدينَ زحمة النهار مكللةً بتيجان الكبرياء…

انها الآلهة التي تشبه في سحرها واغواءها نار المجوس المقدسة :

_يا نار المجوس المقدسة

– استحضار الأنيمَا / صورة الأنوثة المفقودة

يمثل هذا النموذج، وفق مفهوم الأنيمَا عند يونغ، صورة الذات التواقة إلى الأنوثة المفقودة، العصيّة على الاستحضار؛ تلك التي يبحث عنها اللاوعي ولا يبلغها .
لأنها :

_القصيدة التي تضيء الطريق إلى ضفاف الآلهة

وهي الانثى الإله المتجسد بشرا التي تجرح كوكبا ما بكلماتها الغامضة فيمضي الشعراء إلى حتفهم

_ ها هو كوكبٌ مجروحٌ بكلماتِك الغامضة، ها هي الفتنةُ تزدهرُ في عينيكِ بمغانم من الرموش لاتُحَدُّ…

يَمضِي الشُّعراءُ جَسَارةً في “مياه اللغة المعتمة” إلى حَتْفِهِم!

وهي تارةً تشبه الموج، وتارةً تمنح العاشق الوجود، وتارةً تدفعه إلى التلاشي.
هذا التلاشي هو ما عبّر عنه لاكان بمفهوم الجويسانس (Jouissance)؛ حيث يتجاوز الشغف حدود اللذة المعتادة، ويمتزج بالتوتر والألم، حتى يصبح للتلاشي نشوة، وتكفي الطعنة لمعانقة الأزل.

نقرأ ذلك في قوله :

_نشوة التلاشي بلا أثر

وفي نص آخر :

_لتكن الطعنة بما يكفي لمعانقة الأزل.

وهكذا نجد أن هذا النموذج الأنثوي المطلق هو إعادة خلق، باللغة الشعرية، لأنثى تختصر عددًا من النماذج الإلهية في ذات واحدة، لتنتج في النهاية صورة مركبة لأكثر من إلهة أم ؛ فهي التي يدها تبتكر العالم:

_إنها يدك التي تبتكر العالم.

وتسند العالم مانعة إياه من الانهيار

نجد هذا في قوله :

يدك الرقيقة تسند العالم من الانهيار

وهي التي كلماتها كأنها تراتيل مقدسة تستعير أسرار الغابات البدائية الأولى في العصر الحجري
يقول الشاعر في نص له :

_إنها كلماتك التي تستعير أسرار الغابات.

والعدم يستحيل إلى حديقة، حيث دورة التجدد والخصب عند عشتار:

_ حتى العدم يستحيل بعينيك إلى حديقة
تستحم فيها شمس الخريف.

وطعنة منها تكفي لمعانقة الأزل بمعناه الجلجامشي كمرادف لخلق أسطورة خاصة بالشاعر :

_لتكن الطعنة بما يكفي لمعانقة الأزل.

إذن، المرأة هنا ليست جزءًا من الكون؛ إنها الكون نفسه، الذي يُعاد خلقه من خلال لغة الشاعر

– حضور أفروديت: سيدة الموج

نجد في النصوص صورة أفروديت، إلهة الحب والجمال في الميثولوجيا اليونانية، حيث ترتبط في أشهر روايات ميلادها بالبحر :

_يا سيدة الموج

_لك مفاتن نجمة تنزف الذهب تواطئاً مع حقول الليل.

وهي القريبة من التجسد السماوي فلها جناحان، وتقترب من الملائكة، وترتبط بزرقة البحر
نقرأ في نص له :

_هناك أترصد جناحيك تكمنان لزرقة البحر الرمادية بانصال الرغبة.

وهي التي مياهها خضراء، تتنزه وحيدة على ضفاف القصيدة نقرا في نصه أنثى الوشق :

_تتنزه الجميلة وحيدة على ضفاف القصيدة

من مغبة غواية مياهها الخضراء.

تلك التي تتلو شذرة قصيرة على شعب الموج بلذة ربما هي لذة الخلق والتجلي

حيث نقرا :

_تتلو شذرة قصيرة على شعب الموج بلذة

وحيث أصداء البحر تبدد عتمة الليل من نداءها الإلهي :

_أصداء البحر في نداءك تزيح رداء الليل عني

* استحضار ليليث: الأنثى المتمردة

يستحضر الشاعر ليليث بنمط الأنثى التي لا تمنح العاشق ضمانة الوصول إليها؛ إنها الأنثى المستقلة بذاتها، الشرسة، التي لا تكتفي بأن تكون موضوعًا للرجل، بل تخلق خطابها وفضاءها الخاص، وتكسب صوتًا مستقلًا.
فهي ذاتها :
_ قلب أنثى الوشق.
وهي التي :

_تستعرّ بمكرٍ وشراسة.

وهي المتاهة، بقوله:

_ أيّتها المتاهة.

وهي التي:
بأناملها الرشيقة توقد بعض الأسرار،
تصقل الكلام بزرقة العقيق.

* استحضار عشتار/إنانا: المرأة المحاربة

في الميثولوجيا الرافدية ترتبط إنانا/عشتار بالحب والخصب والحرب . كما تتصل بالنزول إلى العالم السفلي. فهي إلهة الجمع بين المتناقضات التي لا يمكن جمعها في ذات واحدة . فهي التي تمنح الحياة وتدخل العاشق في حرب، وتنقله من الرغبة إلى العنف، ومن الجمال إلى الطعنة.
ونجد هذا التجلي في عبارات مثل:

_ عواصف أرجوانية في هوامش ظلالك.

وحيث أسرار الكون توقد من أناملها الإلهية:

نقرا له أيضا :

_ بأناملها الرشيقة توقد بعض الأسرار.

والتي عنقها النور قادر على الطعن لا مجرد تلقي الطعنات :

_ عنقك الساطع يطعن كبرياء السيوف

والتي حاجباها يحرسان المدينة التي يحبها الشاعر :

_ ها هما حاجباك يحرسان المدينة التي أحب

ولأجلها الطعنة كفيلة بالخلود :

_ لتكن الطعنة بما يكفي لمعانقة الأزل.

* استحضار اللات: الأرض والقداسة

نجد استحضار اللات ضمن دراسة الأنوثة المقدسة في صور الأرض والخصوبة، حيث يتجاوز جسد المرأة حدود الجسد الفردي ليتحول إلى أرض وبلاد ومجال كوني مفتوح للتأويل

نقرا له :

جسدك المقدود من رخام أبيض
يُمَوْسِق إيقاع الأفق مع نِهْدَي الأرض.

وهي التي جسدها خصب يبتكر لغة المطر والربح

نقرا أيضا :

_ جسدك الذي يبتكر لغةً من ضباب وغمام،
ريحٍ ومطر.

وهي رمز البلاد التي ينتظرها الشاعر في لغته

_ أنتِ البلاد التي أنتظرها نجمةً في ليل اللغة.

وفي مقطع آخر نقرأ :

_ أنتِ البلاد التي تمر من رماد إلى رماد.

خاتمة:

نجد أن المرأة في قصائد الصديق خالد حسين ليست معشوقة يُجرى تأليهها فحسب، بل كيان أسطوري يجمع أكثر من إلهة؛ فهي أفروديت واللات وليليث وإنانا، وهي الأرض والتاريخ والموج والسماء.
وبذلك تتحول الأنوثة من موضوع للرغبة إلى قوة كونية تتقاطع فيها أساطير الخلق والحب والفناء في ذات واحدة أجمل ما فيها انها عصية عن الحضور إلا في الفضاء الشعري

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

فضيلة البحث عن الحقيقة

صبحي دقوري لو وضع الله الحقيقة كاملةً في يده اليمنى، ووضع في يده اليسرى السعي الدائم إليها، ثم خيّر الإنسان بينهما، لاختار…