شعر

لا تبحث عنّي…

أفين بوزان

لا تبحث عنّي…
لا تبحث عنّي بين غروبِ عمري ..
ولا في مواسمِ عبوري ..
ولا في الممرّاتِ التي اجتزتُها
حافيةَ القلب
أجرُّ خلفي أذيالَ خيباتي ..
كأنّني آخرُ الناجياتِ
من حريقٍ التهمَ حدائقَ الذاكرة.

لا تبحث عنّي…
فأنا أرتبُ تراتيلَ رحيلي
في محرابِ حنيني
وأرمِّمُ ما تصدّعَ من مرايا روحي
وألتقطُ شظايا أحلامي
من تحتِ أنقاضِ امرأةٍ
كانت تظنُّ أنّ الحبَّ
آخرُ معجزاتِ الحياة ..
وأنّ القلوبَ التي تتقنُ العطاء
لا تعرفُ كيف تمارسُ الخذلان.

أنا …
أعيدُ ترتيبَ مساءاتي المنسيّة ..
وأطوي خرائطَ الجهاتِ التي أضاعتني
وأطفئُ قناديلَ الانتظارِ
واحداً تلوَ الآخر ..
دونَ أن ألتفتَ إلى ظلٍّ
ما زال يتهجى اسمكَ
على جدرانِ وحدتي.

لا تبحث عنّي في فصولِ الذاكرة
فقد غادرتُ خريفكَ منذ زمن
وتركتُ للريحِ ما تبقّى من مواسمي
وأودعتُ الغيمَ دموعي
التي لم تجدْ سماءً تتسعُ لانهمارِها
ولا أرضاً تحسنُ احتضانَ انكسارِها.

أتعلم؟
لقد كنتُ امرأةً ..
من فرطِ ما أحببتُكَ ..
أُسامحُ الغيابَ قبل أن يعتذر
وأختلقُ الأعذارَ للأبوابِ الموصدة
وأُشعلُ في عتمةِ الانتظار
شموعاً من أضلعي ..
حتى غدتْ روحي
معبداً مهجوراً ..
لا يسمعُ في أروقته
سوى تراتيلِ الذكريات.

كنتُ أُخبِّئُ وجعي
في تضاريسِ ابتسامةٍ عابرة
وأُواري انكساري
تحتَ عباءةِ كبرياءٍ مثقوبة ..
وأقولُ للعابرين: إنّني بخير ..
بينما كانت في أعماقي
مدنٌ بأكملها تتهاوى
وتنطفئُ نوافذها
واحدةً إثرَ أخرى ..
كأنّ الحنينَ زلزالٌ
لا يتركُ خلفه سوى الركام.

لا تبحث عنّي…
فأنا لم أعد تلك المرأةَ
التي كانت تعلّقُ قلبها
على شرفةِ احتمال ..
وتنتظرُ مرورَ طيفِكَ
ليستعيدَ العالمُ أسماءَ جهاته
وتستردَّ الأشياءُ ملامحها
بعد طولِ اغتراب.

لقد تعلّمتُ، متأخرةً
أنّ بعضَ الأبوابِ لا تفتحُ بالمفاتيح
وأنّ بعضَ القلوبِ
تتقنُ الغيابَ أكثرَ ممّا تتقنُ الحب
وأنّ ثمّةَ انكساراتٍ
لا يُرمِّمُها الاعتذار ..
وأنّ الإنسانَ قد يموتُ في داخله
مراتٍ لا تحصى
دونَ أن يوارِي الترابُ جسده.

سأمضي…
وفي حقيبتي مساءاتٌ لم تكتمل
ورسائلُ أكلَ الصمتُ أطرافها ..
وقبلةٌ تاهتْ على تخومِ المسافة
وأمنياتٌ أدركها الخريفُ
قبل أن تبصرَ ربيعَها.

سأمضي…
لا أحملُ منكَ سوى ارتعاشةِ ذكرى
ولا أتركُ لكَ سوى حكايةِ امرأةٍ
كانت قادرةً على أن تهبَكَ عمرَها
لكنّها عجزتْ ..
ذاتَ انكسار ..
عن انتشالِ قلبِها
من قاعِ غيابِكَ.

وحين يسألونَ عنّي…
قلْ لهم:

كانت هنا امرأةٌ ..
تتقنُ إنباتَ الربيعِ في أصابعِها
وتغرسُ الياسمينَ على حوافِّ الجراح
وتهدي العابرينَ شيئاً من الضوء
لكنّها أرهقها سقيُ الحدائقِ
التي استعصى عليها المطر
وتعبتْ من إحياءِ مواسمَ
لم يكن لها فيها سوى الانتظار.

وقلْ لهم:
إنّها لم ترحلْ لأنها كرهت ..
بل لأنّ قلبَها استنفدَ
آخرَ احتمالاتِ الاحتمال ..
ولأن الكرامةَ، حين تنهضُ
من تحتِ ركامِ امرأةٍ موجوعة
تصبحُ العودةُ إلى الوجع
شكلاً من أشكالِ الخيانةِ للذات.

لا تبحث عنّي…
فربّما تجدُني في قصيدةٍ يتيمة ..
أو في نافذةٍ تطلُّ على مساءٍ رماديّ
أو في فنجانِ قهوةٍ ..
تجمّدَتْ على حوافِّه رعشةُ الانتظار
أو في أغنيةٍ أُغلِقَتْ دونَ اكتمالِها ..
خشيةَ أن يفضحَ اللحنُ ما تبقّى منّي.

وربّما لن تجدني أبداً…

فأنا لم أعد أسكنُ الأماكنَ التي تعرفها
ولا الذاكرةَ التي تحفظُ ملامحَنا
لقد انتقلتُ إلى ضفّةٍ أخرى من الحياة
أُصالحُ قلبي على ما اقترفتْه به الأيّام
وأُعلّمُ روحي أبجديّةَ النجاة
وأستردُّ من الغيابِ
ما تبقّى لي منّي.

لا تبحث عنّي…
فأنا أرتّلُ آخرَ ترانيمِ الحنين
وأُسدِلُ على نافذةِ الأمس
ستائرَ الغياب
وأمضي إلى نفسي
أبحثُ عن تلك المرأةِ
التي أضاعتها محبّتُكَ طويلاً…

امرأةٍ لم تمتْ ..
لكنّها دفنتْ في أعماقِها
نسختَها التي أحبّتْكَ ذاتَ يوم
ولم تعدْ
بعد كلِّ هذا الرحيل
تلك التي عرفتَها.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

الروح الجنَّتية

شعر: روان أوسو الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود   قليل من الكلام، في كثير من الشفافية الزرقاء هناك روح يحلّق بها خيالها…