مقالات

دلالة هذا اليوم ودور مركز القلم الكوردي

دلالة هذا اليوم ودور مركز القلم الكوردي

الدكتور زردشت حاجو
الرئيس الفخري لمركز القلم الكوردي ـ The Kurdish PEN Center

أولاً: البعد التاريخي لهذا اليوم
الزميلات والزملاء الأعزاء، الأدباء والمفكرون الكرام، ضيوفنا الأفاضل من قريب ومن بعيد!

نلتقي اليوم، 06.11.2026 في رحاب صرح تاريخي وفي منعطف مصيري: في آمد (ديار بكر)، في قلب جغرافيا عريقة تزخر بإرث حضاري تليد. إن بحثنا اليوم في العلاقة الجدلية بين الأدب والسلام لا يندرج ضمن الأنشطة الأكاديمية النمطية، بل هو وثبة فكرية شجاعة وتعبير راسخ عن أمل عميق.

تكمن الدلالة الجوهرية لهذا اليوم في ترسيخ مبدأ بديهي لا يقبل المساومة: لا يمكن لسلام حقيقي أن يقوم على الهيمنة القسرية، أو سلب الحقوق، أو فرض الصمت بقوة الإكراه. فمنذ تأسيس الجمهورية التركية، تعرض الشعب الكوردي لتجريد ممنهج من حقوقه الدستورية. وعلى امتداد عقود طويلة، حُظرت الكلمة الكوردية، وجُرّم التعبير الأدبي والفكري بها. واليوم، في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، نقف في منظمة القلم الكوردي ـ The Kurdish PEN Center لنطالب – بقوة الكلمة ونزاهة الحرف – بالحق في عيش مشترك يسوده السلام، والمساواة، والحرية.

إن السلام الحق لا يُبنى إلا على أسس الحوار البنّاء والتشاور الصادق. إن المفكرين والأدباء هم طليعة السلام؛ فهم الذين يشيدون الفضاء الأخلاقي والوجداني الذي يُتيح للإنصاف والتفاهم المتبادل أن يتحولا إلى حقيقة ملموسة.

ثانياً: مغالطة الاختزال السياسي وأسس السلام المستدام
إننا نشهد في المشهد السياسي الراهن مساعي واضحة من قبل السلطة لاختزال القضية القومية والوجودية للشعب الكوردي تحت شعارات أمنية ضيقة مثل «تركيا بلا إرهاب»، ومحاولة تصوير الأزمة وكأنها تنتهي بمجرد حل حزب سياسي لنفسه وإلقاء السلاح.

إن هذا الطرح يمثل وهماً سياسياً كبيراً ومغالطة تاريخية جسيمة. فالإجراءات العسكرية والتصريحات الرسمية الأحادية لن تجلب السلام إلى تركيا. السلام لا يتحقق إلا عندما تعي عقلية الدولة الحقيقة التاريخية والديمغرافية وتُقر بها: تركيا ليست دولة أحادية القومية؛ بل هي الوطن المشترك لشعبين رئيسيين – الكورد والترك – إلى جانب سائر المكونات والثقافات الأصيلة الأخرى. ودون اعتراف دستوري صريح بهذه التعددية، ستؤول كل جهود السلام إلى الإخفاق.

إن استقرار الدولة وسلامة نسيجها يقومان على شعور كل مواطن بكرامته وانتمائه الحر إليها دون قيد:

الخدمة العسكرية والوظيفة العامة: حين يؤدي الشباب الكوردي واجب الخدمة العسكرية، ينبغي ألا يشعروا بأنهم يقدمون أرواحهم خدمة لأيديولوجية إقصائية تقوم على التتريك. بل يجب أن يخدموا بيقين راسخ بأنهم في خدمة دولة تصون لغتهم، وهويتهم، وكرامتهم المتساوية.
وينطبق هذا المبدأ دون تمييز على المعلمين، والعمال، والموظفين، ومكلفي الضرائب من أبناء الشعب الكوردي.
لا يجوز للدولة أن تتصرف كآلة للصهر القومي والإبادة الثقافية، بل يتعين عليها أن تكون الدرع الحامي لكرامة وحقوق الجميع.

إن العيش المشترك في إطار الدولة لا يمكن أن يكون نتاجاً لسياسات الصهر القسري تحت وطأة القمع؛ بل يجب أن ينبع من الإرادة الحرة والتوافق الطوعي. والشراكة الطوعية بين شعبين تستلزم االمساواة التامة. ومن هذا المنطلق نطالب بالآتي: ١. التثبيت الدستوري لهوية الشعب الكوردي، ولغته، وثقافته كأمة وشعب مستقل في الدولة. ٢. الضمان القانوني الكامل للحق في التعليم باللغة الأم واستخدام اللغة الكوردية رسمياً في المجال العام. ٣. الإنهاء التام للفلسفة الشوفينية التي تعتبر صهر الهويات المتنوعة في قالب أحادي شرطاً للوحدة.

ثالثاً: الأدب كجسر للتفاهم: الكلمة في مواجهة الصمت القسري
يمتلك الخطاب الأدبي بعداً أخلاقياً ووجدانياً عميقاً تعجز عنه الحسابات السياسية الظرفية. فبينما تحكم السياسة تكتيكات ومصالح آنية، ينفذ الأدب مباشرة إلى ضمير الإنسان؛ يمنح صوتاً لمن خُنقت أصواتهم، ويزيل بذور الشقاق ليرسي ركائز التعاطف الإنساني. يبدأ السلام في اللحظة التي يُنصت فيها كل طرف للآخر ويستوعب رأيه.

لقد استطاع الأدب الكوردي في أحلك الحقب – في الزنازين، والمنافي، وتحت وطأة أشد أشكال الحظر – أن يحمي لغتنا وهويتنا. لذا نضع كرامة هذا الأدب اليوم حجر أساس لمؤتمرنا هذا.

رابعاً: الركائز الثلاث لعمل مركز القلم الكوردي
بصفته فرعاً أصيلاً لمنظمة القلم الدولية، يمثل مركز القلم الكوردي صوت لغة وأدب عانيا من محاولات الطمس لسنوات طويلة. وتستند رسالتنا إلى ثلاث ركائز: ١. الحقوق اللغوية جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان العالمية: لا سلام بلا صون للغة الكوردية. ٢. حرية الرأي والتعبير: إن رمزية الكرسي الشاغر في هذه القاعة تجسد جرح حرية الفكر الحر. وطالما بقي الكتّاب والمفكرون خلف القضبان، فلن يحظى أي مسار للسلام بالمصداقية. ٣. التضامن الدولي: يواصل مركز القلم الكوردي إيصال صوت لغتنا ومطالب شعبنا العادلة في السلام والكرامة إلى المحافل الدولية.

إن على المفكرين والأدباء أن يشحذوا أقلامهم دائماً انتصاراً للحقيقة، والعدالة بين الشعوب.

ختاماً، نتوجه بالنداء إلى كافة القوى وصناع القرار السياسي: تخلّوا عن نهج الإنكار وسياسات الصهر، وانخرطوا في حوار صادق قائم على الاعتراف المتبادل بين الشعبين الكوردي والتركي، والمساواة الدستورية لكافة الهويات في هذه البلاد.

أشكركم على حسن استماعكم.

06.11.2026

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

لا تبحث عنّي…

أفين بوزان لا تبحث عنّي... لا تبحث عنّي بين غروبِ عمري .. ولا في مواسمِ عبوري .. ولا في الممرّاتِ التي اجتزتُها…