عندما يمتهن الشبيح القتل ويعشقه.. إلى الشهيد حمزة الخطيب رمزا للطفولة المغتالة

وليد حاج عبدالقادر

تمالك نفسه ، وقمع بشدّة الدموع التي تقاطرت حبيباتها في عينيه .. سنوات وهو يكافح ويتعارك ـ دمعا عصيا وقد تصخّر ـ لئلاّ تنهمر … تأمّل
الشراع وهو يتمايل في زحفه صوب الأفق المجهول ، وبؤبؤة عينيها وذاك الإشعاع بمدلوله العميق . البسمة غير مرئية ، ومرثية الوداع ترتسم بكرنفالها ، هي الحياة إذن فخض في معتركها ، ذهاب وإياب ، فإياب وذهاب ، فقط هي الحسرة التي تحلّق حينا فينا ، نعم أنها الحسرة على كم هادر ومهدور من الوقت بتنا لا نخشاه ، ولا نحسّ به ، إلا بعد أن تعتلي بنا الطائرة ، أو تدور بنا عجلة القطار في انحدار شديد ، فنحلّق كما نتقدم كجدارية لألم حزين وقد أبرعت ريشة الصديق وليد توفيق في رسم تجاعيد ومنحنيات نبض ذاك الغم بحزنه العميق . .
قالت : وداعا !! قال : إلى اللقاء وبين الكلمتين مافيها من بقع وقد أظلمتها أقدار مبتئسة ، فترتسم متاهات شمال وجنوب ، لا ، شرق وغرب وأمل سيبقى يتجدد ، وإشعاعات نور يتدفق بغنج أزلي ، أنه القمر بتيهه وقد تنوّر بعد أن أزاح الشمس فيما أزاح : شعاعاته الكاوية مفسحا لذاك الضوء الهادئ في رومانسية تتواتر معها نبضات قلوب العاشقين وهي تصبو للمبتغى ، وتصوّر بلامتناهية غدر الطلقات وهي تنهمر فتصيب الجسد / الأجساد البشرية كدريئة / درايا فتفتك بمن تفتك وتدمي من لا يجب أن يدّمى ..ولكنهم القتلة الجدد .. أطلق , أطلق ، ما ألذ القتل حتى وإن كان بلا سبب !!
عاد من جديد وتأملات نهره الوحيد وهويتدفق بانسيابية مرة وارتطام بقاع غير مرئي مرّة أخرى فيكوع هنا ويتوه من هناك وفي كل تكويعة تهدر به دواماته التي تفور كما تغور به مياهه فيتوه من جديد !! .. آه أيها النهر ؟! ياالزمن المتهالك : غادر أنت كما وفاؤك !! .. سرمدي بتدفقك ، لا نهائي في جريانك ، كم غطسة كانت فتاهت في عنفوانك أجساد ، ما خالت ولو للحظتها أنها قد أضحت فانية ، فطعام غير مستساغ لأسماك جور وقد تغوّلت بفعل ـ الدهر ومصائبها ـ لتتعود أن تقتات على البعض من صغارها !! .. ضعيفة أنتن أيتها السمكات الصغيرة التي ما تعوّدت قط على .. !! لابل وبإعتراضية شديدة ما تخيلت لبرهة أن تكون هكذا صيدا .. لقمة !! لا شيئا فيلعقها الغول .. أيّ غول وهو ما تسيّد إلا بإسمها !! لا لا أيها الغول أنت ما تعودنا على هذا ، كم مرة أصغنا لكم وانتم تروجون فينا : إنما أنتم هنا لتحمونا !! مسكينة كانت تلك السمكات الصغيرة كان الأوان قد فات حينما درين : أن الجور ما تغوّل إلا من أجسادهن الطرية !! .. ويلي !! ما أشبه الغول بالقرش والقرش بالتمساح ، والتمساح بإنسان وقد تجرّد من كل إنسانيته وبدأ يفتك .. ألا هلاّ دللتموني على أمر : كيف يقتل الإنسان الإنسان ؟ .. قالوا : قتلوا حمزة الخطيب ؟ .. قيل: مات حمزة الخطيب . وبدأ المفسّر يفسّر في أمر الموت : تارة أرداه الخوف ومرة طلقات طائشة ، وأخرى ,لا أدري أو لا يدرون ولكنها حقيقة صارخة ـ تعددت الأسباب والموت واحد ـ وهنا ، نعلم ويعلم الجناة مانعنيه بطريقة الموت التي لا تختلف : أجل … هي تلك الأوسمة ، الطلقات التي حفرت بدقة لا متناهية بصماتها وما اكتفت لتخلف النرجسية آثارها على جسده فتحولت الآلام بانطباعية مزهلة الى ألوان متداخلة كما بشرته  .. علما سوريا يخفق بجدارة ..  فقط بسمته ، البسمة ، رباه !! هي السرّ كما الأمل ..تأملوا في عينيه وذاك البريق الذي ـ رغما عن كل شيء ـ  ما همد . أما زهقت قاتله ، أو أردته ـ على أقل تقدير ـ رعبا حتى وإن كان الشهيد قد تشوّه !!
ـ 2 ـ
اصوات انفجارات تتالت ودنت زخات رصاص مصحوبة بأزيز وأحيانا بصوت يوحي باختراقها جسدا حيّا ، أصوات لأنين حاد ومزيج لبكاء أطفال أو نسوة خائفين ، هدير لدبابات تعفّر الجوّ المشحون رعبا ودما , كم من السنين مرّت ياحوران حتى لقد قاربت أن تنسي شكل وأصوات لابل وارتدادات السلاح. وفجأة عدتّ جبهة أمامية !! تداخلت الأصوات والإنفجارات مع رائحة البارود والغبار ، شواط رهيب ، حرائق تكاد تسمع لسعتها المنعكسة من الصخور السوداء ، اختلطت آليات الشواء البشري بالجماد ، والناس تهرول وتكبّر وتصرخ : سلمية ، سلمية ، سلمية ، .. عجبا !! هل نسوا لغتنا المشتركة ؟ أم أنهم باتوا لا يسمعون ؟ ومع هذا ـ فرّ الشيطان ـ بعد برهة ، إلا الشبيح تثبت وبدأ من جديد ، و … تناول خرقة وبكل بساطة ولا مبالاة بدأ ينظف بندقيته بعدستها القانصة !! . صرخ أحدهم هاتفا :  إنه  حمزة . . حمزة الطفل .. الغدر ..البراءة ..شؤم أنتم أيها القاذفون لنار لا ترحم … إغتيل حمزة .. الطفولة اغتيلت ومعها البراءة قد اختطفت ، ومع كل هذا مازالت ثمة دبابة وعلى ساريتها علم يرفرف !! قالها الحوراني بشماتة : أنظر أنه العلم السوري ، يظنون بأنفسهم وكأنهم يناورون في تل أبيب ليس إلا ّ ؟ ! . وبحركة استعراضية التفت الدبابة ووجّهت سبطانتها وتعالى صوت الهدير من جديد ومعها وباستعراض بهلواني لاغير ارتجت السبطانة في حركات آلية فتقصف وتناور وكأنها تخوض ما يوازي معركة العلمين في شدتها ما لبثت أن هدأت من جديد فقط هم ذووا تلكم الملابس السود المموهة وضحكاتهم الهستيرية يتلذذون بما جنوا في قنصهم !! عد الى تيهك أيها التائه انت أما  قلتها عام 1987في الذي اغتال الطفلة شهناز مقديد الدهوكية !!أن القتلة هم قتلة وكفى !! . 
 ـ 3 ـ
كانت البقرة تخور .. والعجل المسكين يأنّ جوعا وهو ينتظر أن تفرغ المرأة الحلاّبة من الثدي الحلوب .. رويدا , رويدا والحليب يتقاطر بجزيز ذي جرس موسيقي صاخب يطنّ كهدير يكاد ينفجر وأذني العجل المسكين ، يريد أن يصرخ ، يهتف ، يعاند ، بسريالية غير مفهومة ، أو حتى بتلقائية لامبالية لا تعيره الحلابة أية اهتمام ، ولما لا ؟ أنهم ، أنها تسرق وجبتي !! لا تسرقي وجبتي ، حليبي ، ويعلو الخوار الناعم لعجل لم يكمل من العمر حول بعد .. ومن جديد يعود الى المرأة يتأملها : يالها من بارعة هذه المرأة وهي تفرغ ثدي أمي من الحليب !! العجل المسكين ازداد أنين جوعه ، والميدان طغى عليه هدير الدبابات التي اضحت تفتك بلا رحمة ، فاختلط من جملة ما اختلط  الدم ، اللحم ، الحليب .. رباه !! ما أكبرالألم سورية الحبيبة !!   
walidhjabdlkadr@hotmail.com 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي

كنا في أيام الدراسة نجمع أنفسنا، نحن طلاب القرية، بعد ظهر كل يوم خميس، وننطلق مشياً على الأقدام نحو ديارنا؛ دفعتنا إلى ذلك حالتنا المادية البسيطة من جهة، وانعدام السيارات في ذلك الوقت من جهة أخرى. وفي يوم الجمعة بعد العصر، كنا نسلك في عودتنا طريق “الدواب” الضيق لأنه كان…

نجاح هيفو

في حياة كل إنسان لحظة فاصلة ينقسم فيها العمر إلى نصفين؛ نصف قبل المعرفة، ونصف بعدها. بالنسبة لي، جاءت تلك اللحظة في يوم ربيعي من أيام نوروز، تحت ظلال نظام الأسد القمعي البائد. كنت طفلة صغيرة أرى العالم ببراءة كاملة، وأسير ممسكة بيد عمتي “خالصة” التي كانت تمثل بالنسبة لي الأمان كله.

خرجنا نبحث عن…

محي الدين حاجي

على قمة جبل “جودي” الشاهق (محافظة شرناق بشمال كردستان) تقام في الأسبوع الأول من شهر تموز في كل منطقة بوطان ، بحدث كوني مهيب يُعرف بـ زيارة جودي (Ziyareta Cûdî) أو “عيد جبل جودي”. لقرون طويلة، تحول هذا الجبل في الفلكلور والوجدان الكردي إلى “سُرّة الأرض” وبداية الحياة الثانية للبشرية؛ حيث كان يتوافد آلاف الأكراد من…

نارين عمر

 

يعدّ المكان الذي تحتض أرضه أيّ شخص في المعمورة، ويستمع إلى صراخه ليحوّله فيما بعد إلى ابتسامة، فضحكة هو الحاضن لكلّ أيّامه بشهورها وسنواتها، تنقش في ذاكرته كلّ الأحداث والمتغيّرات التي ترافق حياته؛ لكلّ هذا وذاك نجد الكاتب والباحث عمر اسماعيل يلجأ إلى ذاكرته المنقوشة بكلّ ذكرياته عن قريته عين ديوار قلب منطقة…