كردي يرفض منصب «وزير ثقافة أميركي»

إبراهيم محمود

في إحدى زياراتي الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث قدّمتُ محاضرة، بناء على توجيه دعوى خاصة من إحدى المؤسسات نصف الأهلية- نصف الحكومية والمتعدية” تهتم بثقافات الآخرين كثيراً “، مع طلب التركيز على موضوع جديد قدر المستطاع، فسمّيت الموضوع الذي وُوفق عليه في الحال من خلال العنوان، وهو ” دور الحشرات في الثقافة اليوم”. Lecture titled “The role of insects in the culture today .

وقد قدّمت المحاضرة في مؤسسة ظهر عاملوها نشطاء كالنمل، بالقرب من البيت الأبيض، وجرى نقاش مستفيض حولها، وتحديداً: كيفية الربط بين الحشرات والثقافة دلالياً، والمستجد في مكانة الحشرات وتنشيطها لمفهوم الثقافة عالمياً.
في نهاية المحاضرة التي فاجأتني بمستوى النقاش والآراء حولها، جاءني شخصان ورغبا أن أرافقهما إلى مكان آخر، وكان عبارة عن مكتب لا أستطيع وصفه ويقع في الطابق الـ ” 101 ” في إحدى ناطحات السحاب الأكثر علواً، وبعد الكثير من الحديث الودي فوجئت بعرض مغر، وهو أن أصبِح وزير ثقافة أميركياً.
في الحال استدعيت إلى الذاكرة ما يجب معرفته، وهو أنني لن أُدعى إلى مناسبة مهمة، كحفل توزيع جوائز الاوسكار، مثلاً، وحتى إذا حضرت فسوف أكون في كرسي عادي جداً، وربما أكون محل سخرية نجوم السينما، لأنني لن أكون الأول في الصف الأول والناطق الأول والمصفَّق له أولاً، باعتباري مسئولاً وأنوب عن ” راعي البلاد “، كما أنني لن أذهب إلى أي مناسبة أخرى، إلا إذا كانت شديدة الارتباط بعملي الوظيفي حصراً، وبعيداً عن الأضواء كلياً.
لهذا شكرتهم: من اصطحباني ومن كانوا هناك، كما يجب الشكر، وعبّرت عن رغبة خاصة بي:
أرفض أن أكون وزير ثقافة، وأرغب أن أكون عامل تنظيفات
I refuse to be the Minister of Culture, and I want to be a factor cleanings
فوجئوا بعرضي، وتغيرت ملامحهم، وتبادلوا النظرات، ثم أظهروا ابتسامة لا بد منها لأستعيد هدوئي.
وتكرر السؤال تلو السؤال، وكان الموضوع واحداً، وهو: لماذا اختيار هذا المنصب وليس غيره؟
Repeated question after question, and the subject was one, which is: Why choose this position and no other?
فأوضحت موقفي قائلاً:
السبب هو أنني أشعر بحريتي أكثر في هذا المقام
The reason is that I feel my freedom more in this place
ووجهت بحقيقة فاجأتني: ولكن لعامل التنظيفات منصباً لا يعطى لأي كان ؟
But the cleaner position is not given to anyone?
كان الذي حفّزني على الخيار المباغت، هو أنني لا أحب العمل الوظيفي المعتاد، وإنما التحرك في الهواء الطلق، واستجابة لرغبة في تتبع هواجسي الفكرية والبحثية من خلال ما أراه وأسمعه دون رتوش كثيراً.
ثم أعلِمت أن وزير الثقافة ليس لموقعه تلك المرتبة التي توصف في البلاد التي قدمت منها، وكان للحوار والنقاش منحى آخر، من خلال مواجهتي بأسئلة، أعترف أنني لم أتهيأ لها، من نوع:
لماذا هذا المنصب بالذات؟ وما الذي حفَّزك على أن تباغتنا به ؟ وكيف أن أحداً من قبل لم يأت على ذكر طلب كهذا؟
وليكون هناك توضيح مسهب للموضوع:
بالنسبة لوزير الثقافة، يكون مجيئه إلى دائرته وخروجه منها اعتياديين، كما أنه محاط بالأنظار ومن كل الجهات، ولن تكون هناك مستجدات لرصد أنشطته كما يجب، والوضع مختلف بالنسبة لعامل التنظيفات، إذ إن منصبه خطير جداً، وأكثر مما يتصوره أي كان بسهولة، حيث إن البلاد كلها مرتبطة به، لأن العبرة ليست في النظافة، وأنتم تعتبرون عامل التنظيفات بـ” الكنَّاس ” وهي فكرة تترجم  القيمة الدونية التي يُعطاها والتصور الخاطئ والمشوه عن الدور الكبير الذي يقوم به، بعكس وظائف كثيرة يتم التنافس عليها في بلادكم، إذ إنه ليس في وسع أي كان أن يصبح عامل تنظيفات، وبسهولة، كما الحال في بلادكم وبلاد أخرى مجاورة، لأن سمعة المدينة مكاناً وبشراً تتصل بالدور الذي يقوم به، إذ كونه طليقاً أو شبه طليق، وينتقل من بيت إلى بيت، وهنا من شارع إلى آخر، حتى مع وجود حاويات القمامة، فإنه في وسعه أن يقوم بالكثير من الأعمال تلك التي ترتبط بأمن البلد من كل النواحي، وهو يراقب ما حوله، ويمكنه تصويره، وحتى الربط بين المودع في الأكياس وما يجري في الحي الذي يتنشط فيه، وإذا كامل عامل بلدية، كما يشار إليه أحياناً، فلأنه الأكثر علماً بما يجري في مدينته، وهذا يمكنه من الاتصال برفاقه في الأمكنة الأخرى، وعامل البلدية هو محور البلد حقاً.
أعترف أنه كان لدي معلومات موجزة عن حقيقة المهن المعتمدة في تلك البلاد وبلاد أخرى زرتها في العالم، لأن ثمة غموضاً وفتنة معاً يتلبسان عامل التنظيفات، ولا بد أن الباحث عن الاستلهامات يجد في هذا الكائن الذي لا يكلّم أحداً إلا بما هو مطلوب، لأنه يعيش حواراً مع أشيائه، بقدر ما يكون مندمجاً بموضوعات تعنيه، وربما ما يتجاوز المرئي فيه.
هنا، تراءى لي ” الكنَّاس ” في بلادنا، وأقول” الكنّاس ” فقط، انطلاقاً من بؤس التصور لما يجري، وما يكونه التعامل مع المدينة، وكيفية الحرص عليها، حيث ينتشر الكثيرون ممن لا يعرفون إلا القليل عنها، أو حين ألتقي في أمكنة أخرى من لا يعرفون لغة هذه البلاد أو تلك، بينما يتحركون بحرّية من زاوية إلى أخرى، وربما من أمام بيت إلى أمام بيت آخر، ومنذ الصباح الباكر، دون أن يخطر سؤال من نوع: ماذا لو كان هؤلاء أبعد ما يكونون عن ” عمال التنظيفات “؟ وبالمقابل: كيف يمكن الربط، وبعمق: بين أهمية المدينة لأهلها، وخاصية النظافة، وفعل النظافة المركَّب فيها ؟
===
دهوك
م:
أولاً، أنا لم أزر الولايات المتحدة الأميركية قط، ولا وجّهت إلي دعوة لزيارتها، إنما هي فكرة مركَّبة في ذهني، إلى حد المرض أحياناً إزاء تداعيات أفكار هنا وهناك.
ثانياً، بالنسبة لعنوان المحاضرة ” دور الحشرات في الثقافة اليوم ” هي مادة مكتوبة بالفعل، وسوف أنشرها قريباً.
ثالثاُ، بالنسبة للجمل الانكليزية التي تبدو أنها تقابل نظيراتها بالعربي، لست متأكداً منها، ولعلها تتضمن أخطاء قليلاً أو كثيراً، لأنني ” بصراحة ” اعتمدت على الترجمة الالكترونية، رغم أنني الآن أتهجى بعض الجمل الانكليزية..!؟!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صالح أحمد بربهاري *

 

في يوم خريفي هادىء وبينما كنت غارقاً في العمل داخل حقلي المتواضع في القرية رن جرس هاتفي وأنتشلني من دوامة الغرق تلك لأجلس وأستند الى أحد جذوع أشجار العنب والعناقيد تتدلى من فوقي ولالتقط أنفاسي ولأرد أيظاً على المكالمة التي جاءتني وما أن خرجت الهاتف من جيبي حتى وقع بصري على…

إبراهيم محمود

استهلال

دنيز وزياد ليسا خلاصة الكردية

ليسا أول الكردية

ليسا آخر الكردية

إنما تأكيد ديمومة الاسم بمعناه المشترك

في أبجدية معنى أن تكون كردياً

هما لم يمضيا إلى حتفهما

إنما إلى زحفهما

إلى مضاء عزيزتهما

لم يقولا: وداعاً يا حياة

إنما سلام عليك يا حياة

لم يتفقدا اسميهما الينبوعيين

إنما أضافا إلى نهرهما الكردي زخم خصوبة

وفي الذي أسمّيه باسمهما

باسم كل كردي يصعد…

سيماف خالد محمد

منذ أن استُشهدت فتاتنا الكردية، فتاة الشمس والنار، لم يهدأ فكري، وأنا أعود مراراً إلى تلك اللحظات الأخيرة التي عاشتها وحدها، لحظاتٍ يفقد فيها الزمن معناه، ويغدو القرار حدّاً فاصلاً بين الكرامة والموت.

أتخيّل قلبها الجميل، كم كان ممتلئاً بحبّ الوطن، حبّاً لم يعد يحتمل البقاء حبيس الصدر، فانسكب دماً ليَروي…

عبد الستار نورعلي

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

 

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

 

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

* *

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى….

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

 

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في…