مقامُ الهواء.. شعرٌ صوفيٌّ للنخبة ودروسٌ في الحكمة

إدريس سالم
يحدث أن تطلب كوباً من الشاي فيأتيك ديواناً شعرياً. مقامُ الهواء. هذا العنوان الموسيقي الصوفي، الذي ينهض على اشتغالٍ شعري عميق، ليعبر عن تجربة شعرية صوفية، وفلسفة حكيمة لعصر خلى منه الفلسفة والحكمة والمفاهيم والمبادئ، سيدرك القارئ أن مَن كتب هذا الديوان كان شاعراً مفيداً في فكرته، وحكيماً مقوّماً في دروسه، وفيلسوفاً متصوّفاً في مفاهيمه، فهو في كل نصّ أو نصّين يقدم الحِكَم البليغة والإرشادات الوجيهة والواضحة بصيغة الأمر، في عصر الخراب الفكري والاجتماعي بسمته البارزة، ومن تلك النصوص التي قدمها الشاعر برؤية حكيمة وصوفية “لاجئ قنوع، لو كنت إيزيدياً، لكي تبقى مُحبّاً، كن مثلك،  مقام الهواء..”، بالإضافة إلى نصوص أخرى. 
استخدم الشاعر ماجد محمد في ديوانه الشعري الأول (مقامُ الهواء) أسلوباً أدبياً قوياً وغامضاً، وكأنه يستخدم الأسلوب العلمي، موجّهاً بالدرجة الأولى إلى المثقفين النخبة. أما القارئ البسيط سيتلكأ في قراءات شكله ومضمونه، ففي كل صورة بيانية هناك استعارات وكنايات وتشبيهات، ثانوية كتابة ومتفرّعة ومتكاثرة مضموناً، ومجازات ستخيفه أثناء تفكيك الصور والجمل ، لثقلها على كاهل عقله وفكره.
أما التراكيب والألفاظ، فكانت قريبة إلى لغة الأدب الجاهلي، فالتراكيب بشكل عام كانت طويلة غامضة مترابطة، أخذ بها القارئ في رحلة عبر اللغة والمعاني والصور، فيما الألفاظ فتجتمع مع الجزالة سهولة المعاني وتعقيداتها، صعبة مجلجلة، كان الغرض منها التأثير والإمتاع ونقل الأفكار، معبراً بعاطفة إنسانية عامة ممزوجة بمشاعر التمرد والغضب والعدوانية والثورية.
في كثير من النصوص كان الشاعر يتلاعب بالفواعل والمفاعيل والأفعال، كان يحدد المقصود مبكراً ثم يترك العناصر الثانوية تتوالى من خلال فلسفة عميقة حوارية بين ذاته والنص، ليوّجهه لذات المتلقي، وكأنه يلعب مع خصم عنيد في لعبة طاولة أو شطرنج، ليزرع الحيرة والدهشة والرغبة في آن واحد، وهي إستراتيجية أدبية يحتاجها كل كاتب يريد إنتاج عمل أدبي قيّم.
شاعر لاجئ، أو مهجّر. كتب مجموعته الشعرية الصادرة عن دار «جنار» للنشر في إسطنبول، والتي بلغت مجموع قصائدها (سبع وثلاثين) قصيدة، مستغرقاً بذلك أربعة أعوام في ولادتها، بدءاً من 2011 وحتى 2015، كتبها بمواضيع إنسانية متنوعة، مثل يوميات اللاجئ السوري عموماً والكوردي خصوصاً، عن الألم واللجوء، عن ظلم الاستبداد والمستبدين الطغاة، وكيف كانوا منقادين من الطغاة وأسيادهم وآلات فتكهم بالوطن والمجتمع، وتقطيع أوصال الجغرافية. 
ففي نصّ (همسات المنقادين) يشرح ظلم الطاغية وقبحه، وظهور حقيقة مَن هو عدوّ السوريين وصديقه، فالصديق بات عدوّاً، والعدوّ بات صديقاً، وبين استغراق المدة الزمنية لمعرفة هذه الحقيقة المرة باتت سوريا تولد أبنائها من رحم الخراب والتشرد والغربة، كتب أيضاً عن الحب، وعلاقة الحيوان بالإنسان، ومسّ السوء بالأديان، والملل والتعب، ومواضيع أخرى سيجدها مَن يقرأ نصوص الديوان.
وفي نهاية هذه الدراسة الأدبية القصيرة والمختصرة (مراعاة لملل القارئ) وكتعريف لماجد محمد، فهو شاعر، وكاتب، وصحفي مُجاز. موسوعة معرفية قوية ثقيلة مليئة بثقافات الشعوب ومبادئها ومذاهبها وتجلياتها. فارس إبداعي بسيط جداً، عندما يترجّل، لا يكون مثل غيره، فهو في “مقام الهواء” كان يركب حصان الشعر، ويترجّل من ظهر المعاني والبلاغة والبيان والصرف بأسلوب غامض شرس، ومعقّد، كمحارب يريد تطهير الأرض من الطغاة وإحلال السلام، طغى على ديوانه العدوانية، وهذه سمة إيجابية على القارئ أن يتحلّى بها.
 
في قراءتي العميقة للديوان، أرى أنه ينقصه أدوات كثيرة ليصل بها إلى معظم القراء، وكأنّ المؤلف جعل من ولادة مجموعته ولادة قيصرية، والضعف كان في الأداء الفني والموسيقي، فالنصوص قوية وناجحة – إن تمكن القارئ من فكّ رموزها – وصعبة ومعقدة ومملة بالنسبة للجيل المثقف الجديد، الذي في ظل مواقع التواصل الاجتماعي يبحث عن مقالات طويلة بمقطع أو اثنين، وقصائد شعرية قصيرة جداً، ولا يهم إن حصد منها الإنتاج الفكري والثقافي والإنساني أما لا، فالمثقف الجديد في العصر الراهن بات مثقفاً شكلياً، أيّ، في الظاهر هو مثقف، وفي الباطن فارغ لا يملك شيء.
باقة من اقتباسات شعرية من نصوص مختلفة في الديوان:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تنتظر:
أيقن بأن آلةَ الأدلجةِ
قد تُنظّف تِباعاً
ما احتوت ذاكرتهُ من الرأفة
هذا إن لم تُصبِح مع الأيامِ ظِلاً لهمْ
فجاهِد لئلا ترضخ
عندما تسعى الحقيقةُ لخناقكَ بأظافرها
بل وابدأ الحفرَ سريعاً بقُربها
همساتُ المُنقادين:
مَن نحنُ
نَحنُ الشوارعُ المنقادة
بقينا عقوداً نزرع الزهورَ على حوافِ البلاد
ليمرّ الأمير
نُجَمّل قُبحهُ
ونمدَحهُ
وهو يفتكُ بالعبادِ
لو كنتُ ايزيدياً:
لو كنتُ إيزيدياً بالأساسْ
لبغضتُ المسلمونَ على شناعات أنفارِهم
حتى يقروا بأنهم ليسوا (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس).
لكي تبقى محبّاً:
لتعلَمَ بأن دوامَ محبة الكلبِ لدى صاحبه
مرهونٌ بحفاظه على بروتوكول مسافة الحُب
وليس في التهارُش المُختلَق
أو التباهي بفن العواءْ
بل وسيظل مقامَه محمودًا
إذا ما استطاع المكوثَ بأُلفته المعهودة في محيط الامتثال
أعرِض عن القُبح:
يوشوشُ قارئٌ في اُذن قارئٍ مثلهُ:
لا أعرفُ؟
إن كان الشِّعر لا يحتفظ بآثار الحِقد على الورق
أم أن تعالي المُهتم بالتقاط الجواهِر
يجعله متجاوزاً الكثيرَ من الأعشابِ الضارة
في حدائق نُسَّاج المشاعر؟
أكثر ما يؤلِم الحمار:
أعرفُ تماماً بأنك لستَ منهم
لذا، فعليكَ يا أنايَ أ تحاول بأن تَحلمَ لتكونَ مثلهم

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…