صبحي دقوري
ليست الكتب كلها سواءً في لحظة الكتابة، كما ليست الأزمنة كلها سواءً في قابلية الاحتمال. هناك كتب تُكتب في هدوء المكاتب، وكتب تُصاغ في العزلة المديدة، وكتب أخرى تُنتزع من بين أظافر الحريق. وكتاب الطاغية في سقوطه الأخير ينتمي، من أول صفحة إلى آخر امتداد فيه، إلى هذا الجنس الثالث: جنس الكتابة التي لا تجلس إلى الطاولة بوصفها ترفًا، بل تنهض إلى الورقة بوصفها نجدة، أو شهادة، أو محاولة أخيرة لمنع الخراب من أن يحتكر تعريف نفسه. فمن عنوانه، ومن مادته الممتدة على مئات الصفحات، ومن فهرسه المكتظ بأسماء الجراح والأسئلة والكيانات والمنافي، يعلن الكتاب أنه لا يريد أن يكون مجرد تجميع مقالات عن حدث سياسي عابر، بل وثيقة وعي، ودفتر مساءلة، وأرشيفًا لمأساة سورية وكردية كُتبت وهي ما تزال تتنفس رمادها.
إن القيمة الأولى لهذا العمل تكمن في نوع الصوت الذي ينهض به. فإبراهيم اليوسف لا يكتب هنا بلسان المؤرخ البارد، ولا بلسان الباحث الذي يقيس المسافة بينه وبين موضوعه بمسطرة المنهج وحدها، بل يكتب بلسان الشاهد الذي يعرف أن الكلمات، حين تتأخر، قد تتحول إلى نوع من التواطؤ. ومن ثم فإن الكتاب لا يخفي انحيازه، ولا يعتذر عن توتره الداخلي، ولا يتخفف من نبرته الأخلاقية. هذه ليست نقطة ضعف كما قد يتوهم قارئ اعتاد التنميط الأكاديمي المحض، بل هي، في هذا النص تحديدًا، مصدر من مصادر قوته الأساسية. فالكاتب لا يدّعي أن جرحه لا شأن له برؤيته، بل يكاد يقول، في العمق: إن هذا الجرح نفسه هو جهاز الرؤية. ومن هنا يكتسب النص تلك الحرارة التي لا نجدها في الكتابات التي تتعامل مع الكارثة بوصفها موضوعًا ذهنيًا لا أكثر. في مقدمة الطبعة الثانية، كما في التقديمات الأولى، يظهر الكتاب منذ البدء بوصفه شهادة على مرحلة سورية كاملة، لا على سقوط شخص فحسب، ويتسع ليشمل الاستبداد والهوية والثورة والتدخلات والخراب والأسئلة المؤجلة عن البناء والعدالة والمصير.
ليس الطاغية، في هذا الكتاب، فردًا وحسب، وإن كان الفرد حاضرًا حضورًا كثيفًا في العنوان وفي المتن؛ إنه بنية، وسلالة سياسية، ونظام اشتغال على المجتمع واللغة والذاكرة. ولذلك فإن سقوطه لا يُقرأ هنا بوصفه نهاية درامية لاسم واحد، بل بوصفه انكشافًا لخراب أعمق، خرّب الدولة والمجتمع والعلاقات والرموز، حتى لم يعد السؤال: من سقط؟ بل: ما الذي بقي صالحًا للقيام بعد هذا السقوط؟ ومن هذه الزاوية يبتعد الكتاب عن السرد الاحتفالي البسيط، ويرفض أن يجعل من انهيار الرأس خلاصًا تلقائيًا للجسد. فالكاتب يعرف، على نحو واضح، أن الاستبداد لا يسكن القصر وحده، بل يسكن التشوهات التي يتركها في النفوس والمؤسسات والجغرافيا والألفاظ. ولهذا تبدو فصول الكتاب، في كثير من مواضعها، كأنها تنقّب لا في حادثة سياسية فقط، بل في الأنقاض الرمزية التي خلّفها عقود من الحكم والتدمير.
ومن أبرز ما يميز هذا العمل أنه يعيد ترتيب الخريطة السورية من زاوية طالما تعرضت للإقصاء أو الإرجاء أو التشويه: الزاوية الكردية. ليست القضية الكردية هنا ملحقًا أخلاقيًا يضاف إلى متن المأساة السورية لتجميل خطاب التعددية، بل هي في قلب الفهم نفسه. ذلك أن الكتاب يصرّ، بإلحاح متكرر، على أن تهميش الكرد ليس عرضًا جانبيًا في التاريخ السوري الحديث، بل علامة كاشفة على العطب البنيوي في تصور الدولة السورية لهويتها ولمواطنيها. ولهذا جاءت موضوعات عديدة في الفهرس والنصوص حول الكرد السوريين، والعلاقة الكردية العربية، وأخوة المصير، وعفرين، وسري كانيه، والثقافة الكردية، والعدالة، وخيارات المستقبل. هذا الحضور الكثيف ليس زيادة موضوعية فحسب، بل اختيار معرفي وأخلاقي معًا. فالكاتب يريد أن يقول، ضمنًا، إن سوريا التي لا تُعاد كتابتها بما ينصف الكرد ليست سوى إعادة طلاء لخراب قديم.
إن المسألة الكردية في هذا الكتاب لا تظهر على هيئة خطاب حقوقي بحت، مع أن البعد الحقوقي حاضر بقوة، بل تظهر أيضًا بوصفها مسألة ثقافة وذاكرة واسم وبيت. حين يكتب إبراهيم اليوسف عن محو اللغة، أو عن محاربة الأغنية، أو عن اقتلاع السكان، أو عن تغيير الأسماء والخرائط، فإنه يذكّر القارئ بأن الاستبداد لا يقتل الناس فقط، بل يقتل شروط تعرّفهم إلى أنفسهم. هنا تصبح الثقافة الكردية، كما يتضح من عناوين عدد من الفصول ومن نبرة المتن، ليست مجرد تراث من الفلكلور، بل مقامًا للمقاومة، ووسيلة للدفاع عن الوجود ذاته. وهذه من أرقى مناطق الكتاب وأكثرها عمقًا، لأنه ينقل النقاش من السياسة اليومية وحدها إلى طبقات أعمق: إلى سؤال من يملك أن يسمي نفسه، ومن يملك أن يبقي لغته حيّة، ومن يملك أن يرث ذاكرته من دون وصاية.
ومع ذلك، فإن هذا العمل لا يتوقف عند المظلومية الكردية بوصفها معزلًا عن المأساة السورية العامة، بل يعقد بينها وبين خراب سوريا كله شبكة علاقات متداخلة. فالكرد هنا ليسوا فقط ضحايا سياسات الإقصاء التاريخية، بل هم أيضًا شهود على عطب النظام، وعلى انتهازية قوى إقليمية، وعلى هشاشة معارضات كثيرة، وعلى عجز المجتمع الدولي، وعلى طبيعة السوق السوداء التي بيعت فيها القضايا الكبرى تحت أسماء براقة. ومن هذه الجهة ينجح الكتاب في تجنيب المسألة الكردية خطر الانغلاق الهوياتي الضيق؛ إذ يربطها، في مواضع كثيرة، بمفهوم الشراكة الوطنية، وبإعادة بناء سوريا على قاعدة أكثر عدلًا واتساعًا. وهذا ما يمنح النص طاقة مزدوجة: فهو من جهة يدافع عن حق قومي وثقافي وتاريخي واضح، ومن جهة ثانية يربط هذا الدفاع بإمكان قيام وطن لا يقوم على الإنكار.
أما من حيث اللغة، فالكتاب يكتب من داخل الاضطراب لا من فوقه. ولهذا فإن جُمله لا تتحرك دائمًا بحسب هدوء التحليل الصافي، بل كثيرًا ما تسير على حواف الغضب والمرارة والانكشاف. هناك عبارات في هذا العمل تبدو كأنها ليست مصنوعة من الحبر وحده، بل من تراكم القهر وفائض الشهادة. وهذه إحدى خصائص النص لا واحدة من علله فقط. فالكاتب يختار أن يكون صوته واضحًا، حادًا، أخلاقيًا، متورطًا في ما يصف. لا يتخفف من لغته كي يرضي أنماطًا أكاديمية محايدة، ولا يقلص من حدته كي يبدو أكثر “توازنًا” في نظر قارئ يدجن المآسي بالمصطلحات. وعلى الرغم من أن هذه اللغة تمنح النص حرارة وصدقًا وقوة حضور، فإنها تضعه أحيانًا على تخوم الخطابة، أو تدفع بعض المقالات إلى التكرار المعنوي، أو إلى تغليب الإيقاع الاتهامي على البناء المفهومي الدقيق. لكن هذا لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه فشلًا خالصًا؛ بل بوصفه أثرًا من آثار جنس الكتاب نفسه: إنه كتاب كُتب تحت الضغط التاريخي، لا في رفاهية المسافة الباردة.
وإذا أردنا أن نحدّد الطبيعة الحقيقية لهذا النص، فعلينا أن نقول بوضوح: إنه كتاب شهادة ورؤية وتعرية، أكثر مما هو كتاب نظرية وبرنامج مفصل. وهذه الملاحظة ضرورية، لأنها تتيح إنصاف العمل من جهة، وتحديد حدوده من جهة أخرى. فالكتاب قوي جدًا في تشخيص الخراب: في فضح النظام، وفي رصد خيانة المجتمع الدولي، وفي تحليل أدوار تركيا وإيران وروسيا والمعارضات المسلحة وغير المسلحة، وفي تسمية مواضع التواطؤ والانحراف، وفي التقاط تشققات الداخل السوري. كما أنه يمتلك قدرة عالية على إعادة ترتيب الوقائع من منظور أخلاقي وسياسي لا يخشى الاصطدام. لكنه، حين يقترب من سؤال الغد، يبدو أقل تفصيلًا مما هو عليه في مساءلة الأمس. فهناك إشارات متكررة إلى العدالة الانتقالية، وإعادة البناء، والدولة اللامركزية، والمواطنة، والشراكة الوطنية، لكنها تبقى في الغالب على هيئة أفق مرئي أو رغبة مشروعة، لا على هيئة معمار تصوري كامل. حتى التقديم النقدي في الصفحات الأولى يلمّح إلى هذا الأمر حين يشير إلى الحاجة إلى توسيع بعض الجوانب الاقتصادية والسياسية المستقبلية.
غير أن هذا النقص، أو هذا التردد في بلوغ خرائط المستقبل، يمكن فهمه أيضًا بوصفه أحد أعراض الصدق. فالكاتب لا يختلق يقينًا لا يملكه، ولا يقدّم وصفات جاهزة لبلاد ما تزال تتشقق تحت أقدام أهلها. إنه يعرف، على ما يبدو، أن من عاش وسط الركام قد يكون أقدر على وصف الركام من ادعاء رسم المدينة الجديدة بأكملها. ولذلك لا يتورط في ادعاء إغلاق الأسئلة، بل يتركها مشرعة، بل لعل فضيلته الأساسية أنه يوسّعها. إنه لا يقول للقارئ: هذا هو الحل النهائي؛ بل يقول له: هذه هي طبيعة الخراب، وهذه هي القوى التي صنعته أو استثمرته، وهذه هي الندوب التي لا يجوز تجاوزها باسم التسويات السريعة. وهذه وظيفة فكرية وأخلاقية بالغة الأهمية، لأن كثيرًا من الخطابات السياسية تسارع إلى المستقبل كي تهرب من مسؤولية الذاكرة. أما هذا الكتاب فيبدو مصرًّا على أن الذاكرة نفسها جزء من أي بناء ممكن.
ويلفت الانتباه، كذلك، أن الكتاب مبني على مقالات متعددة كُتبت خلال مدد زمنية حساسة، وبعضها خلال ثلاثين يومًا تلت سقوط النظام، قبل أن تُضاف مواد لاحقة في طبعات لاحقة. وهذا التكوين يمنح العمل ميزة وعبئًا في آن. ميزته أنه يحتفظ بحرارة اللحظة، وبإيقاع التفاعل المباشر، وبشعور القارئ أنه أمام دفتر حي يلتقط الحدث وهو ينقلب ويتشقق. وعبؤه أنه يجعل الإيقاع متفاوتًا بين نص وآخر، وأن البناء الكلي لا يبلغ دائمًا تماسك الكتاب المؤلف ابتداءً على هيئة فصول مترابطة ضمن بنية نظرية موحدة. لكن مرة أخرى، فإن هذه السمة جزء من هوية النص. فالقارئ هنا لا يقرأ مؤلفًا أكاديميًا صلب العمود فحسب، بل يقرأ وعيًا يكتب نفسه في العاصفة. ومن الظلم أن نطالبه، في كل موضع، بهندسة المخطوطات الهادئة، لأنه يريد أن يمنحنا شيئًا آخر: يريد أن يمنحنا الوثيقة الحية للوعي المشتبك مع زمنه.
ثمّة أمر آخر يرفع من قيمة هذا الكتاب، وهو أنه لا يقع في سذاجة الثنائية المريحة بين “ثورة طاهرة” و”نظام شرير” على نحو تبسيطي، مع احتفاظه بإدانة واضحة للنظام وبالانحياز الأخلاقي للضحايا. فالكاتب يعرف أن المأساة السورية لم تعد قابلة للقراءة من خلال صورة واحدة ولا عبر جهة واحدة. ولذلك نراه يشتبك مع تشوهات المعارضة، ومع الجماعات المتطرفة، ومع الرعايات الإقليمية، ومع آليات تصنيع الوهم السياسي، ومع الشائعات، ومع الخطابات الشعبوية، ومع إعادة إنتاج الاستبداد في لبوس جديدة. وهذه نقطة جديرة بالتقدير، لأن كثيرًا من الأدبيات تفقد صدقيتها حين تستبدل التبسيط القديم بتبسيط مضاد. أما هنا، فثمة وعي بأن الخراب السوري تعقّد حتى صار يحتاج إلى لغة قادرة على تسمية أكثر من عدو، وأكثر من قناع، وأكثر من سقوط. وقد عكس الفهرس هذا الاتساع في محاور الكتاب، من الاستبداد والسجون والقيصر والعدالة الانتقالية، إلى المسألة الكردية، إلى الخطاب الشعبوي، إلى التحريض، إلى إعادة البناء.
ومن الزاوية الجمالية، يمكن القول إن هذا العمل يملك ما يمكن تسميته بلاغة الشهادة. ليست بلاغته ناتجة عن السجع أو الصنعة الأسلوبية المحضة، بل عن توتر أخلاقي يُكسب الجملة كثافةً، وعن صور تنبع من تماس مباشر مع الفجيعة. ولعل أفضل ما في هذه البلاغة أنها لا تسعى إلى تجميل الخراب، بل إلى جعله مرئيًا. فالكاتب لا يكتب لكي يطرب القارئ بالأسلوب، بل لكي يوقظه من قابلية الاعتياد على الكارثة. ومع ذلك، فإن بعض المقالات كان يمكن أن تستفيد من مزيد من الاقتصاد اللغوي، أو من تهذيب في مواضع التكرار، أو من توزيع أوضح بين السرد والتقرير والتأمل، كي تبلغ طاقتها التأثيرية أقصى ما يمكن. لكن حتى مع هذه الملاحظة، يبقى للنص حضوره الخاص، لأنه مكتوب بوعي يرفض أن يحوّل الألم إلى موضوع محايد.
إن الطاغية في سقوطه الأخير، في حقيقته الأعمق، ليس كتابًا عن نهاية رجل، بل عن امتحان وطن. إنه نصٌّ يسأل: ماذا يحدث حين يسقط الطاغية ولا تسقط البنية كلها؟ ماذا يحدث حين تنهار السلطة ولا تقوم العدالة؟ ماذا يحدث حين تتعدد الرايات ولا تتسع البلاد لأبنائها؟ ماذا يحدث حين يُترك الكرد مرة أخرى عند باب التسويات، وتُعاد سوريا إلى لغتها القديمة في الإنكار، ولكن بأقنعة جديدة؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل الكتاب مهمًا، حتى حين لا يجيب عنها كلها. فالقيمة ليست دائمًا في الإجابات النهائية، بل في نوع الأسئلة التي يجرؤ النص على حمايتها من الإخماد.
وخلاصة القول إن هذا الكتاب ينهض على ثلاث قوى كبرى: قوة الشاهد، وقوة الذاكرة، وقوة الانحياز الأخلاقي. فهو يملك شجاعة تسمية الجرح، ووفاءً واضحًا للمسألة الكردية بوصفها قلبًا من قلوب السؤال السوري، وقدرةً على تحويل المقالة السياسية إلى أثر من آثار الدفاع عن المعنى. أما حدّه الأوضح، فيكمن في أن أفقه المستقبلي لا يوازي دائمًا عمق تشخيصه للخراب، وأن المادة المقالية، بما تفرضه من تفاوت اللحظة، تجعل البناء غير متساوٍ في جميع أجزائه. لكنه، رغم ذلك، أو ربما بسبب ذلك، يبقى كتابًا حيًا. حيًا لأنه لا يتحدث من وراء الزجاج، ولا يكتب فوق الجرح بعد التئامه، بل يكتب وهو ما يزال مفتوحًا. وذاك في الأدب السياسي، وفي الشهادة الفكرية، فضل لا يُستهان به.
ولو وجب أن نختم هذه القراءة بعبارة واحدة، لقلنا:
إن إبراهيم اليوسف لم يكتب في هذا العمل سقوط الطاغية فقط، بل كتب الصوت الذي يصدره الركام حين يرفض أن يكون صامتًا.