رواية (عشبة ضارة في الفردوس) .. في هاجس العنوان ودلالته

د. ولات ح محمد 
    كثيراً ما يذكر الأديب في حواراته أو في أثناء سرده لأجزاء من تجربته الكتابية أنه قد غير هذا المكون النصي أو بدّل تلك الفكرة أو الشخصية في هذه المرحلة من كتابته أو تلك. ويمكن القول إن أكثر المكونات النصية التي تتعرض للتغيير أو التعديل لمرات عدة هو العنوان، لأن هاجسه يظل يقلق الناص في أثناء اشتغاله على نصه ولا ينتهي بانجازه فيزيائياً ولا بدفعه الكتاب إلى المطبعة في صورته النهائية، لما له (العنوان) من أثر في إلقاء القبض على المتلقي وجره للإقبال على حمل الكتاب وقراءته أو دفعه للفكاك منه والإحجام عنه وتركه على الرف من جهة، ولما له من سلطة ـ من جهة ثانية ـ على توجيه تلقي القارئ للنص وتأويله بهذا الاتجاه أو ذاك.
    كنت واحداً من المحظوظين الذين سنحت لهم فرصة قراءة رواية (عشبة ضارة في الفردوس) للروائي والناقد السوري هيثم حسين عندما كانت مخطوطاً قيد التجريب. ما أثار انتباهي عند صدور الرواية تحت العنوان ذاك هو أنني كنت قد قرأت الرواية/ المخطوط آنذاك تحت عنوان (ترويض الشياطين). وإذا كان استبدال أي مكون نصي أو تعديله أو حذفه أو إضافته أمراً طبيعياً يمارسه الكاتب مع نصه (ربما مرات عدة أحياناً) بهذه الدرجة أو تلك، وإذا كان هذا جزءاً من آليات الكتابة وطقوس التأليف كما سبق القول، فإن أية واحدة من تلك العمليات لا تخلو من دلالة (دلالات) تترك أثرها في قراءة القارئ لأنها في الأساس تتم عبر عملية نقدية واعية يمارسها الكاتب على نصه. 
    في هذا السياق إذا اقتربنا أكثر من رواية هيثم حسين التي نحن بصدد دلالة استبدال عنوانها فإن جملة من الأسئلة ستنهض أمام قارئها تدعوه إلى الإجابة عنها من قبيل: ماذا لو بقيت الرواية محتفظة بعنوانها الأول؟، ولماذا غير الروائي عنوان روايته هذا التغيير الجذري؟، وما دلالة كل من العنوانين في علاقته بموضوعة الرواية أو الرؤية المطروحة فيها؟، وفي النتيجة، ما الذي سيختلف لدى المتلقي إذا قرأ الرواية تحت هذا العنوان أو ذاك؟.
    لا يمكن الركون بطبيعة الحال إلى أن سبب هذا التغيير الكلي للعنوان يقتصر على وظيفته التعريفية  المتمثلة في إزاحة عنوان وتمييز الرواية بآخر مختلف، ولا على وظيفته الإغرائية (على أهميتها هنا) التي تدفع القارئ لتناول الراوية والإقبال عليها وقراءتها، بل يتجاوزهما ـ حسب هذه القراءة ـ إلى تغيير الناص رؤيته في نصه وتالياً تغيير بؤرة الدلالة التي أراد توجيه انتباه القارئ إليها؛ فالعنوان في أحد أدواره يعد العلامة الأولى والأبرز التي تضع القارئ أمام أفق (قد يضيق أو يتسع) يتوقع من خلاله ما يمكن أن يقرأه في هذا النص أو ذاك. من هنا يمكن فهم تغيير هيثم حسين لعنوان روايته الأخيرة على أنه تجسيد لرغبته في وضع قارئه أمام أفق توقع مختلف عما كان يرغب فيه في المرة الأولى، ومن ثم توجيهه إلى بؤرة/بؤر دلالية معينة في نصه مغايرة لما كان عنوان الرواية الأول يدفعه باتجاهها.
    (ترويض الشياطين) يوحي للقارئ بوجود مجموعة من المتمردين (الشياطين) الخارجين عن الأعراف أو القوانين أو الشرائع أو المسلمات أو الأصول، وبوجود من يحاول أو يعمل على تهدئتهم وتدريبهم (لترويضهم) وإعادتهم إلى أصول اللعب وإلى جادة الصواب. ذلك هو العالم الذي يتوقعه القارئ من خلال ذلك العنوان الذي ينطوي على الكثير من الإغراء للقارئ لجذبه إلى دهاليز النص، ولكن يبدو أن الروائي اكتشف في لحظة ما من لحظات كتابته أن ذلك العالم ليس هو ما يدعو قارئه إلى اكتشافه في هذه الرواية. 
    (ترويض الشياطين) عنوان مفعم بالحركة واللعب والتمرد والفهلوة والذكاء، على العكس من العنوان الثاني الذي صدرت تحته الرواية والذي يَسِمه السكون والهدوء؛ فهذا الأخير أقرب إلى وصف حالة ثابتة وقارة (عشبة في الفردوس) تحرك سكونَها مفردةُ (ضارة) الفاعلة والعاملة على إلحاق الضرر، ولكنه في الوقت نفسه يوحي بوجود عالم جميل مثالي (الفردوس) تعكر صفاءه وجماله ومثاليته (عشبة ضارة) واحدة تنهض وسط أعشابه المفيدة الكثيرة وفاكهته اللذيذة ومياهه العذبة. هذا هو العالم الذي يرسمه العنوان الجديد في مخيلة القارئ، وهو مختلف تماماً عن إيحاءات العنوان الأول وإحالاته.
    الفرق بين أفق التوقع الذي يشكله كل من العنوانين في مخيلة القارئ هو تماماً  الفرق بين الرؤية التي أراد الروائي تقديمها لقارئه في المرة الأولى وتلك التي يريد طرحها في الثانية، أو ما يريد للمتلقي أن يتوقعه للنص من خلال عنوانه. من هذه الزاوية يبدو أن هيثم حسين ـ وهو يحاكم عنوان روايته الأول ومبتغاه في نصه ويقوم بعمليات الإزاحة والإحلال ـ قد غادر فكرة الشياطين وترويضها إلى فكرة أنْ يرى الآخرون في أحدهم عنصراً مفسداً وضاراً بفردوسهم المزعوم الذي يظنون أنهم يمثلونه أو يعيشونه وأنهم يمثلون الملائكة فيه، أو فكرة أن ترى نفسك فاسداً منبوذاً مكروهاً وسط الآخرين، أو أن تكون كذلك حقاً، ولكن من وجهة نظر الكاتب على أقل تقدير. 
    العنوان الجديد البديل يدور في هذا الفلك الدلالي وهو مختلف اختلافاً جذرياً عن الأول، علماً أن النص الروائي هو هو. هذا التغيير في العنوان يعني بالضرورة أن الشخصيات والأحداث الروائية التي تمثل “العشبة الضارة والفردوس” وتحيل إليها داخل النص قد تقدمت في رؤية الكاتب الجديدة على حساب تراجع مثيلاتها التي تمثل “الشياطين وترويضها” فيه. وهذا يعني، تالياً، أن صاحب (إبرة الرعب) قد غير هدفه من نصه وأراد أن يغير وجهة قارئه أيضاً باتجاه مبتغاه الجديد، فكان استبدال العنوان أولى العلامات الدالة على هذا التحول في الرؤية وأفضل الآليات القادرة على إيصال هذا التحول إلى القارئ بأفضل الصور وأسرعها.
    ينبغي أن أشير في هذه العجالة إلى أنه بين مخطوط الرواية الذي قرأته وبين تلك التي خرجت مطبوعة إلى القارئ لم يكن العنوان هو المكون البنائي الوحيد الذي أعمل فيه مؤلف (الرواية بين التلغيم والتلغيز) مبضعه النقدي تغييراً أو تعديلاً أو حذفاً أو إضافة؛ بل هناك الكثير من بنيات النص التي تعرضت لواحدة من تلك العمليات أو أكثر، من إضافة لفقرات أو صفحات وحذف لأخرى وتغيير لمواقع بعض فصول الرواية، وتغيير لمواقع الراوي والمروي له وتنويع لطرائق السرد وغير ذلك. كما أن الشخصية الروائية التي تمثل العشبة الضارة باتت أكثر حضوراً في المشهد الروائي مع العنوان الجديد مقارنة بما كانت عليه في (ترويض الشياطين). كل ذلك بغض النظر عن أيهما (العنوان وبنية النص) قد تسبب في تغيير الآخر؟. 
    الجدير بالذكر، أخيراً ـ ضمن هذه التغييرات المرتبطة بتغيير العنوان ـ أن الروائي قد جعل من (ترويض الشياطين) عنواناً للفصل الأول من (عشبة ضارة في الفردوس)، وهذا يدل على أن هيثم حسين لم يغادر فكرة الشياطين وترويضها تماماً وإنما جعلها في موقع فرعي من رؤيته الجديدة في نصه. وهذا ما ينتظر الروائي من قارئه أن يكتشفه بعد أن يبدأ بتخطي عتبة العنوان حاملاً توقعاته باتجاه دهاليز النص التي تنتظره ليخوض معها مغامرته الخاصة لاكتشاف عوالم الرواية وخباياها بأدواته القرائية الخاصة أيضاً.   
ــــــــــــــــــــــــ
*المقال منشور في العدد الأخير (76) من جريدة القلم الجديد Penusa nu، أيلول 2018.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…