نارين عمر معروفٌ لدى الكردِ ومنذ أمدٍ بعيدٍ أنّ شهرَ آذارَ هو ربيبُ الكرديّ في فرحه وحزنه, وهو طائرُ السّعدِ بالنّسبةِ له, يجلبُ له السّعادة المثلى, و طائرُ الشّؤمِ كذلك, يجلبُ له التّعاسة والنّحسَ.
يبدو أنّ شهرَ تشرين الأوّلِ من هذا العامِ /2007/ قد قرّرَ أن يورّثَ آذارَ, أو يحاكيه في دغدغةِ الهمّ الكرديّ الذي ما فتئ يُدغْدَغُ من الدّهر والقدر.
بينما كنّا نلملمُ أشلاءنا المتناثرة على رحيل الرّوائي والكاتبِ محمّد أوزون, صعقنا القَدَرُ بنبأ أكثرَ صعقاً وارتعاداً, حين اقتحمَ وبدون سابقِ إنذارٍ معْبدَ الكاتب والمترجمِ صلاح سعدالله يوم الجمعة في 19/10/2007 ليخطفه منّا في لمحةِ بصرٍ, ويعمّقَ في شرخِ جراحنا الغائصةِ في فلكِ اللاوعي.
/أورديخان جليلي/.
أورديخان جليلي, كاتبٌ كرديّ متميّزٌ لأنّه تخصّصَ في مجالاتٍ أدبيةٍ وفنيّةٍ, قلّما يتطرّقُ إليها الكتّابُ والأدباءُ, وهو مجال الفلكلور. فقد تنبّه إلى هذه المسألةِ في بداياتِ نزوله إلى محرابِ الكتابةِ, فجعلَ من الفلكلورُ الكرديّ (بحثاً وتمحيصاً وجمعاً وتأليفاً) شغله الشّاغل خلالَ مسيرةِ عمره المباركِ. ولكنّ هذا الانشغالَ الدّؤوبَ لم يشغله عن احتضانِ اللغةِ الكرديةِ والاهتمام بها, والسّعي للحفاظِ عليها حيّة نقيّة ولم يشغله كذلك عن الاهتمامِ بالتّاريخِ الكرديّ كذلك. كيف لا وهو الابنُ البارّ لعائلةِ جليلي الكردية العريقةِ, التي أنجبت وما زالتْ خيرة مبدعي الكرد ومثقفيه.
صلاح سعدالله (1930-2007/ الكاتب والمترجمُ والمثقّفُ المبدع, زوج السّيّدة/سينم خان/ابنة الأمير جلادت بدرخان.
ولجَ عام الكتابةِ والنّشاطِ الأدبيّ في سنّ مبكّرةٍ, منذ أن كان طالباً في المرحلةِ المتوسّطةِ من خلال تأسيسه لـ(جمعية الثقافة الكردية) في عام/1946/. كما ساهمَ وهو لم يزل يافعاً في تحريرِجريدة (الحياة) النّاطقة باسم إعدادية الموصل.
نذرَ حياته لخدمةِ الأدبِ والتّاريخِ الكرديّ, فترجمَ الأعمالَ الكردية إلى الانكليزية حين ترجم كتاب أمير الشّعراء الكرد/أحمد خاني/ من الكردية إلى الانكليزية. كما ترجم من الانكيزية إلى الكردية عدّة كتبِ ومؤلّفاتٍ مثل كتاب /ثلج كليمنجارو/ وله أيضاً قاموس/انكليزي كردي/. بالإضافةِ إلى العشراتِ من الأعمال الأدبيةِ والكتابية الأخرى. وقد ساعده إتقانه لعدّة لغاتِ ومن أبرزها بالإضافةِ إلى لغته الأمّ اللغتين/العربية والانكليزية / على الاطلاع على مختلفِ الثقافاتِ والاستفادةِ منها لخدمةِ أدبه وثقافته.
كلّ مَنْ عاشرَ هذين المبدعين, وتعايشَ معهما ولو لساعاتٍ ودقائقَ يؤكّدُ على خصلتين كانتا تميّزان كلاً منهما, وكانتا سبباً في تقدير الكردِ لهما وهما:
التّواضعُ والطّيبة. وكأنّهما أرادا أن يقولا لكلّ راغبٍ في الانضمام إلى باخرةِ الكتابةِ والأدبِ والثقافة هاتان الخصلتان هويّتك وتأشيرة دخولكَ إلى الباخرة وإلى عالم الشّهرةِ والطّموح.
وبعد… ما عساها تفعلُ بنا الشّهورُ بعدَ أن فتقتْ في ميتم همّنا الآذاريّ , الرّبيعيّ, جرحاً آخر ولكن تشرينيّ المنبتِ, خريفيّ الهويّةِ, ضبابيّ المسيرِ؟؟!!
كلّ الدّعواتِ لكم يا آلَ صلاح سعدالله بالصّبر وطول البال على ما حلّ بكم وبنا.
لكِ أيّتها السّيّدة الكريمة سينم خان بدرخان, كلّ الحبّ والوفاء, دمتِ للخير والعطاء, ولولديكما (دلناز وآزاد) خالص الودّ والتّقدير, ويكفيكما فخراً أنّكما ابنا شخصيتين سجّلَ التّاريخ الكرديّ اسميهما على شجرةِ الخلد.

التعليقات (0)