أيا تشرينُ هل ورثتَ آذارَ في دغدغةِ الجرحِ الكردي؟؟!! صلاح سعدالله وأورديخان جليلي أيضاً؟؟!!

نارين عمر

معروفٌ لدى الكردِ ومنذ أمدٍ بعيدٍ أنّ شهرَ آذارَ هو ربيبُ الكرديّ في فرحه وحزنه, وهو طائرُ السّعدِ بالنّسبةِ له, يجلبُ له السّعادة المثلى, و طائرُ الشّؤمِ كذلك, يجلبُ له التّعاسة والنّحسَ.
يبدو أنّ شهرَ تشرين الأوّلِ من هذا العامِ /2007/ قد قرّرَ أن يورّثَ آذارَ, أو يحاكيه في دغدغةِ الهمّ الكرديّ الذي ما فتئ يُدغْدَغُ من الدّهر والقدر.
بينما كنّا نلملمُ أشلاءنا المتناثرة على رحيل الرّوائي والكاتبِ محمّد أوزون, صعقنا القَدَرُ بنبأ أكثرَ صعقاً وارتعاداً, حين اقتحمَ وبدون سابقِ إنذارٍ معْبدَ الكاتب والمترجمِ صلاح سعدالله يوم الجمعة في 19/10/2007 ليخطفه منّا في لمحةِ بصرٍ, ويعمّقَ في شرخِ جراحنا الغائصةِ في فلكِ اللاوعي.
مرّةً أخرى وبعدَ أن تلاعبتْ بنا تيّاراتُ دموعنا الهاربةُ من خلايا فكرنا ووجداننا, استطعنا أن نواسي نفسنا بنفسنا, ونخطو خطواتٍ ولو بطيئةٍ على أرض الواقعِ المرير. ولكن وللأسفِ الشّديدِ جدّاً وبينما نعدّ العدّة لاستذكارِ السّنةِ/23/ على خلودِ جكرخوين, أنزلَ علينا القدَرُ صواعقَ متتالية جبّارةٍ من الأسى المفجع والحزن المجنون, كانت بمثابةِ الضّربةِ القاضيةِ التي شلّتْ كلّ مكامن الحركةِ فينا وللحظاتٍ متتابعةٍ إذ أخذَ منّا عنوة الكاتب والمؤرّخ الجليل /أورديخان جليلي/. ذلك ُ المناضلُ الصّلبُ في ساحةِ الكتابةِ والتّأريخ, و الإنسانُ المتواضعُ الودودُ كما يصفه بعضُ مَنْ رآهُ وعاشره, على الرّغم من ارتقائه إلى أعلى درجاتِ الإبداعِ والخلق, والشّهرةِ والمقامة. ولعلّ هذه المزايا زرعتْ محبته في قلوبِ الكردِ وفي نفوسهم, وشيّدتْ له في هذه القلوبِ والنّفوسِ عرشاً مزداناً بآياتِ حبّهم وتقديرهم. ومن آياتِ الصّدف أنّ اليومَ الأوّل من رحيل جكرخوين كان يوم الاثنين من عام /1984/ وهذه السّنة التي تشكّلُ ذكرى الـ/23/ على رحيله صادفت يوم الاثنين, كما أشارَ إلى ذلك الشّاعر /بافي هلبست/ خلال المهرجانِ الذي أقيمَ في داره بمدينةِ القامشلي. ولتصادفَ ثانية رحيلَ
/أورديخان جليلي/.
أورديخان جليلي, كاتبٌ كرديّ متميّزٌ لأنّه تخصّصَ في مجالاتٍ أدبيةٍ وفنيّةٍ, قلّما يتطرّقُ إليها الكتّابُ والأدباءُ, وهو مجال الفلكلور. فقد تنبّه إلى هذه المسألةِ في بداياتِ نزوله إلى محرابِ الكتابةِ, فجعلَ من الفلكلورُ الكرديّ (بحثاً وتمحيصاً وجمعاً وتأليفاً) شغله الشّاغل خلالَ مسيرةِ عمره المباركِ. ولكنّ هذا الانشغالَ الدّؤوبَ لم يشغله عن احتضانِ اللغةِ الكرديةِ والاهتمام بها, والسّعي للحفاظِ عليها حيّة نقيّة ولم يشغله كذلك عن الاهتمامِ بالتّاريخِ الكرديّ كذلك. كيف لا وهو الابنُ البارّ لعائلةِ جليلي الكردية العريقةِ, التي أنجبت وما زالتْ خيرة مبدعي الكرد ومثقفيه.
صلاح سعدالله (1930-2007/ الكاتب والمترجمُ والمثقّفُ المبدع, زوج السّيّدة/سينم خان/ابنة الأمير جلادت بدرخان.
ولجَ عام الكتابةِ والنّشاطِ الأدبيّ في سنّ مبكّرةٍ, منذ أن كان طالباً في المرحلةِ المتوسّطةِ من خلال تأسيسه لـ(جمعية الثقافة الكردية) في عام/1946/. كما ساهمَ وهو لم يزل يافعاً في تحريرِجريدة (الحياة) النّاطقة باسم إعدادية الموصل.
نذرَ حياته لخدمةِ الأدبِ والتّاريخِ الكرديّ, فترجمَ الأعمالَ الكردية إلى الانكليزية حين ترجم كتاب أمير الشّعراء الكرد/أحمد خاني/ من الكردية إلى الانكليزية. كما ترجم من الانكيزية إلى الكردية عدّة كتبِ ومؤلّفاتٍ مثل كتاب /ثلج كليمنجارو/ وله أيضاً قاموس/انكليزي كردي/. بالإضافةِ إلى العشراتِ من الأعمال الأدبيةِ والكتابية الأخرى. وقد ساعده إتقانه لعدّة لغاتِ ومن أبرزها بالإضافةِ إلى لغته الأمّ اللغتين/العربية والانكليزية / على الاطلاع على مختلفِ الثقافاتِ والاستفادةِ منها لخدمةِ أدبه وثقافته.
كلّ مَنْ عاشرَ هذين المبدعين, وتعايشَ معهما ولو لساعاتٍ ودقائقَ يؤكّدُ على خصلتين كانتا تميّزان كلاً منهما, وكانتا سبباً في تقدير الكردِ لهما وهما:
التّواضعُ والطّيبة. وكأنّهما أرادا أن يقولا لكلّ راغبٍ في الانضمام إلى باخرةِ الكتابةِ والأدبِ والثقافة هاتان الخصلتان هويّتك وتأشيرة دخولكَ إلى الباخرة وإلى عالم الشّهرةِ والطّموح.
وبعد… ما عساها تفعلُ بنا الشّهورُ بعدَ أن فتقتْ في ميتم همّنا الآذاريّ , الرّبيعيّ, جرحاً آخر ولكن تشرينيّ المنبتِ, خريفيّ الهويّةِ, ضبابيّ المسيرِ؟؟!!
كلّ الدّعواتِ لكم يا آلَ صلاح سعدالله بالصّبر وطول البال على ما حلّ بكم وبنا.
لكِ أيّتها السّيّدة الكريمة سينم خان بدرخان, كلّ الحبّ والوفاء, دمتِ للخير والعطاء, ولولديكما (دلناز وآزاد) خالص الودّ والتّقدير, ويكفيكما فخراً أنّكما ابنا شخصيتين سجّلَ التّاريخ الكرديّ اسميهما على شجرةِ الخلد.

وإلى عائلة (أورديخان جليلي) كذلك قلوبنا المفعمة بحبّه وحبّكم.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

هاتفني صباح هذا اليوم ليخبرني أن كلبه قد هرب. وحين سألته عن السبب، قال:

إنك تعلم كم كنا نعتني به، وندللـه.. لقد صار كأحد أفراد عائلتنا ولا نستطيع مفارقته.. إننا..

قاطعته:

لا أعلم إن كان لديك كلب. وعلى حد علمي فإنك كنت تكره الكلاب..

قال: صحيح. ولكن بعد عودتي من الخليج، وبعد أن أتممت هذا البناء، طلب الأولاد…

صبحي دقوري

تتقدّم البشرية اليوم نحو منعطف لا يشبه ما سبقه إلا في الظاهر. فمنذ الثورة الصناعية الأولى، والإنسان يخاف من الآلة، ويظن في كل مرة أنها جاءت لتسلبه عمله ويده ولقمة عيشه. غير أن ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي أعمق من مجرّد دخول آلة جديدة إلى المصنع أو المكتب. نحن لا نواجه آلة تحمل…

ماهين شيخاني

ليس خلافاً أن تُدعى قامشلو، أو قامشلي، أو قامشلية، أو حتى زالين.

فالمدينة، كالجوهرة، تتراقص على ألسنة أبنائها بأشكال مختلفة، وكل لفظةٍ منها تحمل عبقاً خاصاً، ونغمةً تليق بمن ينطقها. وكما أن اسم “حسن” يتحول بين الناس إلى “حسنو” و”حسني” و”حسو”، دون أن يفقد جوهره، فكذلك مدينتنا تبقى هي هي، مهما تنوعت حروفها على الشفاه.

المشكلة…

صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن كتاب «حياة مليئة بالأحلام» للكاتب هِنير سليم، بترجمة عربية أنجزها سعيد حكيم. وفي هذا العمل الروائي يواصل هِنير سليم استكشاف أسئلة المنفى والهوية والذاكرة واللغة، عبر سرد تتعانق فيه السخرية السوداء مع التأمل الإنساني العميق، وتتقاطع فيه التجربة الفردية مع قضايا الانتماء والاقتلاع والبحث الدائم عن المعنى.

تبدأ الرواية…