غير الصائمين : هداهم الله

د . علاء الدين جنكو

بداية أقدم شكري وتقديري للإخوة غير الصائمين من الديانات الأخرى ، المقدرين لمشاعر إخوتهم المسلمين في شهر رمضان المبارك ، بالإمساك عما يمسك عنه المسلمون ولو بشكل ظاهري ناظرين إلى الجانب الإنساني الذي يجمعهم مع آخرين يختلفون معهم في الدين والعقيدة .

ولا أريد أن أكون هنا في موضع الواعظ ، لأن الدعوة إلى الصوم لا يحتاج إلى بيان من حيث فرضيتها وأهميتها كعبادة بين المسلمين ترتقي لدرجة كونها من أركان الإسلام كما هو ثابت في عقيدة المسلم ، فيعلم بها الصغير من أبناء المسلمين كما يعلم بها المفتي العام مع فارق العلم بالتفاصيل ، وهذا ما يسمى في المصطلح البشري الفقهي ما يعلم من الدين بالضرورة .
لكني أقف هنا لأهمس في أذن أولئك النفر الذين يظنون أنهم خرجوا من بوتقة عبوديتهم لله يصلوا إلى مراتب – باعتقادهم – أنهم ليسوا بحاجة إلى مدد الله من التعاليم والتوجيهات ، والأوامر والنواهي ، هذا إن كانوا يؤمنون بكل ذلك !!
أهمس في أذن أولئك الذين لا يكتفون بتقصيرهم في أداء الواجب الديني – كما نعتقد نحن المسلمين – بل فضلوا الجلوس في أماكن جرّدوا فيها احترامهم وتقديرهم لمشاعر الغير ..
فتراهم يتظاهرون بالإفطار أمام الصائمين بأكل أو شرب أو حتى تدخين مع ضررها !! والمضحك عندما تراه يدافع عن حقوق الحيوان !!
أذكر هؤلاء الإخوة غير الصائمين بأمور :
أولاً : احترام مشاعر الغير حتى لو كان على عقيدة مخالفة ، فكيف إذا كان على نفس العقيدة ، أما من يدعي أنه متحرر من كل الديانات بدعوى العلمانية !!
فبئست العلمانية التي لا احترام فيها لمشاعر وعبادة الغير .. أما وإن كان الأمر تطاولاً فليعلم :
ثانياً : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا، ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان! قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه ) .
ثالثاً : إن كان تصرف غير الصائم ردة فعل على أن المتدين إرهابي بتدينه ، فهذا تصرف الجهلة لا العقلاء والمثقفين ، إذ أن التدين والدين لا يمكن الحكم عليه من خلال تصرفات منتسبيه .
رابعاً : البعض مصاب بأمراض شخصية كالتكبر والعجرفة ، فيظنن أنه بتصرف هذا يكون موضع إعجاب وتقدير ، وهو لا يدري أنه  ينظر إليه عكس ذلك على الأقل من الصائمين وهم الغالبية العظمى .
خامساً : إن لم غير الصائم يكن قادراً على الصوم لأسباب غير شرعية وكان مستشعراً بذنبه هذا ، فعلى الأقل ليكن احترامه لصوم الآخرين تربية لأبنائه الذين يرونه قدوة لهم .
سادساً : وهي خاصة بالإخوة المغتربين في الغرب إن كان ممن ابتلي بالمعصية فليكن طاعة الله في هذا الشهر واحترام المسلمين في صيامهم سياج يحيط به أبنائه ؛ لئلا يقعوا في الخطأ والزلل في مجتمع يحتاج فيه المرء إلى الصون والحماية !!
المفطر أمام الصائمين في شهر رمضان لا يمكن أن يدعي مبادئ احترام الغير ، ومعاني الحضارة والتعامل الإنساني .
لأن المدعي لكل ذلك هو من يقف بكل احترام تجاه عقائد الغير هذا الاحترام الذي جسده الإسلام في أسمى معانيه عندما جاء القرآن بالأمر الإلهي : ( و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ) الأنعام /108
هذا الأمر الذي فهمه العقلاء من غير المسلمين لينحنوا أمامه احتراماً وتقديراً .
أذكرك أولئك – غير الصائمين – برمز النضال من أجل حرية الإنسان المناضل الجنوبي الأفريقي نيلسون منديلا عندما وقف خطيباً في أعظم يوم عند المسلمين في عيد الفطر السعيد في الثالث من كانون الثاني ( يناير ) 1998 في جوهانسبيرغ يقول : ( بينما نحتفل اليوم بعيد الفطر وبينما نحصد ما زرعناه في رمضان وبينما نظهر كيف أغنى الإسلام أمتنا، وكيف احتضنت بدورها المسلمين كأبناء لها ، نشعر بالحزن لأن الجهل بالإسلام وتجاهل المسلمين في أفريقيا وغيرها ما يزال يستخدم لإذكاء النزاعات والتوترات ) ..
ويتابع فيقول : ( إني على يقين أن احتفال اليوم وما يلهمه شهر رمضان سوف يعزز صمودنا ويقوي معنوياتنا من أجل حياة أفضل للجميع وخاصة الفقراء ) .
هكذا يقول غير المسلم عن رمضان ، فماذا أنت قائله …
ما أستطيع قوله لكل أولئك الذين ضيعوا على أنفسهم فرصة العيش في رياض العبودية لله تعالى في هذا الشهر الفضيل :

هدانا الله وإياكم إلى طريق الحق والخير ..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مسعود محمد

 

حين يكتب الأديب إبراهيم اليوسف عن جكرخوين، فهو لا يكتب عن شاعر كردي كبير فحسب، ولا ينجز كتاباً توثيقياً عادياً يضاف إلى رفوف المكتبة الكردية والعربية، بل يفتح بوابة وفاء واسعة أمام واحد من أكثر الأسماء رسوخاً في الوجدان الكردي الحديث. فالكتاب هنا ليس مجرد صفحات عن شاعر، بل شهادة على زمن، وعلى جرح،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا مِن يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعرُ الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات،بل لأنه يسكنه السؤال،ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلقُ القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن…

د. سارة منصور

في غمرة الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد الأديب والمناضل غسان كنفاني في بيروت، تبدو استعادته اليوم ضرورة وجودية وفكرية ملحة لتصويب بوصلة الوعي الثقافي والسياسي العربي، فلم يكن كنفاني، الذي ولد في عكا عام ستة وثلاثين وتسعمئة وألف واغتيل شاباً في السادسة والثلاثين من عمره عام اثنين وسبعين وتسعمئة وألف، إنساناً عابراً في…

د. مرشد اليوسف
ثمة ذكريات لا تبهت مهما ابتعدت السنوات، بل تزداد وضوحًا كلما تقدم العمر بالإنسان. وبين عشرات الصور التي تختزنها ذاكرتي عن طفولتي في ريف الدرباسية، ما زالت صورة ذلك اليوم حاضرة كأنها حدثت بالأمس.
كنت يومها طفلًا صغيرًا لم يدخل المدرسة بعد.
كنت أنتمي إلى ذلك العالم الريفي البسيط الذي كانت تحدده حدود…