زحمة المؤسسات الثقافية.. ما لها وما عليها

دلشاد مراد
تشهد الساحة الثقافية في شمال وشرق سوريا وخاصة في مدينة قامشلو (مركز الثقل السياسي والثقافي الكردي) زخماً في الفعاليات والأنشطة الثقافية في الآونة الأخيرة ولا سيما بعد انحسار في عدد الإصابات بفيروس كورونا وعودة الحياة العامة إلى طبيعتها.
ولعل أبرز ما لوحظ مؤخراً دخول صروح ومؤسسات جديدة على الخط الثقافي والأدبي، ومنها مكتبة “القلعة كافيه” التي سرعان ما بدأت بإطلاق أمسيات شعرية وغنائية. وافتتاح فرع قامشلو لرابطة كاوا للثقافة الكردية التي تأسست بلبنان في ثمانينيات القرن العشرين وانتقلت في التسعينيات إلى إقليم كردستان العراق، 
وافتتاح هذا الفرع هو في الوقت ذاته دخول الرابطة بشكل رسمي ولأول مرة إلى “روج آفا” وسوريا، وهذا يحسب إيجاباً للإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، ويؤكد على سعة صدرها وعلى تبنيها سياسة منفتحة ضامنة للتعددية وحرية العمل الثقافي في المنطقة.
ومن الأنشطة الثقافية الجديدة إطلاق فعاليات طاولة “نقش” للقراءة، التي تخصص لمناقشة إصدارات الكتب في المنطقة وخاصة إصدارات “نقش” وهي دار نشر جديدة أطلقت في قامشلو في الآونة الأخيرة وأعدت طاقماً للتحرير والترجمة تمكنت من إصدار ترجمات عدة كتب قيمة ولاسيما كتب في سياق الفكر اللاسلطوي.
ولو أضفنا ما هو جديد على ما هو قائم من قبل – خلال السنوات العشر الأخيرة – لحصلنا على قائمة كبيرة من المؤسسات والصروح الأدبية والثقافية من هيئات ثقافية حكومية وغير حكومية، النقابات “اتحادات الكتاب والمثقفين والفنانين”، المكتبات، الصالونات الأدبية، الجرائد والمجلات الأدبية، دور النشر، الحدائق الأدبية… إلخ). ولكن ما يهم هنا ليس كثرة أو قلة عدد المؤسسات الثقافية بقدر ما يهم قدرة تلك المؤسسات على إنتاج فعاليات أدبية وثقافية نوعية وقيمة، وذات قدرة على تمثيل الواقع المعاش وطرح الأفكار المفيدة القادرة على إحداث التأثير والتغيير الفكري في المجتمع المحلي.
وعلى سبيل المثال، يمكننا أن نتساءل: وصلت عدد إصدارات الكتب في شمال وشرق سوريا إلى عدة مئات من العناوين.. فكم كتاباً محلياً جرى مناقشته بشكل جدي؟ كتاب واحد أم اثنين أم ثلاثة! لنبالغ ولنقُل عشرة كتب! بمعنى آخر لا يوجد حركة نقدية أدبية جدية. هذا ما يحدث حقاً في مختلف أوجه الحياة الثقافية والأدبية في منطقتنا، حيث تغلب المظاهر وطقوس الحفلات والشكلية المفرطة و”المناسباتية” ومناقشة مواضيع لا علاقة لها بالواقع المحلي على كثير من الفعاليات، لتنزع ثوب الجِدية وتبقي الجوهر خالياً من أي قيمة إيجابية.
إن المؤسسات والصروح الثقافية والأدبية عليها أن تثبت جديتها من خلال الابتعاد عن المظاهر الشكلية وطرح المواضيع الجدية التي تمس الواقع الثقافي مباشرة دون “لف أو دوران”. ينبغي أن تناقش الأفكار التي تؤدي إلى إصدارات ونتاجات ثقافية وأدبية قيمة من خلال بناء حركة نقدية منظمة وقوية، وهذا لن يحصل إلا بالمتابعة الدقيقة للإصدارات المحلية، فالنخبة الثقافية التي تعاني من أزمة اللامبالاة أو المسؤولية تجاه أقرانهم أو عدم الاطلاع على النتاجات والإصدارات؛ فمن المؤكد لن يكون لديها إمكانات أساساً لتقديم حالة أو رؤية نقدية جدية. ولذلك يكون الحل الأسهل لديها هو النقاش في مواضيع عامة غير مفيدة أو الانضمام إلى فعاليات شكلية..   وهذا ما تعانيه النخبة الثقافية لدينا بالضبط… ما أقصده إننا بحاجة إلى “الجِدِّيَّة” في العمل الثقافي والأدبي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*زاوية “الحديث الثقافي”، صحيفة روناهي الصادرة في روج آفا – شمال وشرق سوريا، العدد 956 الصادر في 27 كانون الثاني 2021م.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بنية جكرخوين

أنا لست أنا
أنا لست كما عرفتني
فمذ انفصلت عني
ياتوأم الروح
انشلت حواسي
وإلتوت مفاصلي
وانطفأ النور في عيوني
وداهمتني الوحدة
حينها أدركت بأنك
كنت محقاً عندما
كنت تسألني دوماً
كيف ستكونين من بعدي!
كيف ستعيشين بدوني!
ارفع رأسك وانظر إلي
أنا لست أنا
لست كما عرفتني
فالأبيض تغير لسواد قاتم
والأحمر أصبح ممزوجاً بالأصفر
ربما أصبت بعمى الألوان
أو اختلفت الأمور علي
فانا لست انا
لست كما عرفتني
كل شيء تغير
إلا حبي لك
مازال يسمو…

ا. د. قاسم المندلاوي

انتهى الصراع الكروي الكبير بين المنتخبات العالمية على لقب كأس العالم 2026 ، التي استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط منافسة قوية بين المدارس التدريبية الأوروبية وأمريكا الجنوبية. ويعكس تتويج إسبانيا باللقب للمرة الثانية في تاريخها حجم التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم الإسبانية خلال السنوات الأخيرة على مستوى التخطيط…

فراس حج محمد| فلسطين

في السياق الفلسطيني الراهن الذي يواجه فيه الشعب محاولات مستمرة للمحو الوجودي والثقافي، يبرز فعل التذكر أداة استراتيجية تتجاوز حدود الرثاء الشخصي لتصبح فعلاً نضالياً بامتياز، ويأتي كتاب “أسماء في الذاكرة: من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام” للأديب محمود شقير الصادر مؤخرا عن دار التنوير في رام الله ليجسد هذه الفلسفة؛ حيث…

نصر محمد / المانيا

هذه هي المرة الأولى التي أتصفح فيها ديوان الصديق الشاعر حفيظ عبد الرحمن، ومن سوء حظي أن الصدف لم تسعفني للحصول عليه من قبل. وقد أهداني هذه الفرصة الصديق الشاعر والروائي إبراهيم يوسف في آخر زيارة لي له للاطمئنان على صحته في منزله بمدينة إيسن الألمانية.

ديوان “خلاخيل الكلام”…