حليب أسود – صراع الكتابة والأمومة

هيفي الملا

هل هناك تعارض بين ظاهرة الأمومة والكتابة، أو تمزق بين هوية الأم الكاتبة والكاتبة الأم؟
صوت من سيغلب؟ الكاتبة التي تتنكر لأنوثتها كي تبقى كاتبة، أم الأم التي تسعى للعيش بسلامٍ وطمأنينة متنكرةً لإبداعها .
بعض الكاتبات استلهمن من عالم الأمومة وأنجبن أدباً رفيعاً خالداً، وبعضهن فشلن في أن يكن أمهات أو ربما رفضن ذلك من منطلق إن الكتابة تحتاج إلى العزلة لحدٍ ما، بينما الأمومة تحتاج إلى الانفتاح ومنح كل الوقت والجهد .
الفشل أمرٌ طبيعي وهذا الصراع القائم جائزٌ.
 ولكن ماذا لو استطاعت الكاتبة الأم تجاوز هذا الصراع وتبديد سواد الاكتئاب إلى تجربةٍ عاشت دورتها كاملةً دون أن تشعر بالحقد وإلقاء اللوم على جني الاكتئاب، الذي يلتبس النساء حديثات الولادة، فكما لكل شيء في هذا العالم تاريخ استعمال ينتهي بموجبه كذلك اكتئاب مابعد الولادة، تخرج منه المرأة كما الفراشة من شرنقتها .
الكاتبة التركية “إليف شافاق” ومن خلال روايتها التي هي في الحقيقة عبارة عن مذكرات ومحطات هامة في حياتها، تتهافتُ عليها أسئلة دفينة ومشاعر متضاربة، حيث أوجاع الكآبة والإبداع والضياع في لجة تفكيرٍ عميقة.
“التعارض بين الأمومة والكتابة”
صراعاتٌ عديدة عاشتها المؤلفة قبل زواجها وبعده، وعندما بدأ حلم الامومة يراودها، وأثناء حملها المفاجئ، وتفكيرها الطويل متسائلةً هل من الممكن أن يتوقف قلمها عن إنجاب الكلمات عندما ينجب رحمها طفلها؟
تفكر هذه الأنثى الرقيقة النباتية المحبة للصوفية التي تلبس في أغلب أوقاتها اللون الاسود، ماذا لو جف نبع كلماتي ماذا لو فقدت ان يكون لي مساحةٌ للكتابة وغرفةٌ تخصني أنا وحدي كتلك التي تمنتها “فرجينيا وولف” للمبدعات ليبدعهن بها آدابهن، وفي معرض هذا السرد تستحضر تجارب وأراء العديد من الكاتبات الأمهات، وأيضاً بعض اللائي فضلن الكتابة على الأمومة، ولكن إليف هي البطلة وهي المحرك للأحداث دوماً، 
احترمتْ من تضاربتْ أرائهن معها، وكذلك من تقاطعتْ حكاياتهن مع حكايتها، ومع رحلة التفكير والاكتئاب والاستحضار كانت تتفهم اختلاف الظروف والتجارب البشرية.
“صراع بنات الأصابع “
أصواتٌ متضاربةٌ في داخلها تجادلها بخيالٍ في قمة الإبداع، 
ونزاعات وفوضى ومشاحنات ونقاشات حادة، إنها هي بصورها الداخلية وأصواتها المتعددة، فهي الآنسة العملية القصيرة، وهي حضرة التشيخوفية الطموح، وهي المثقفة الساحرة، وهي السيدة الدرويشة، وبحواراتٍ غاية في الإقناع، تستمع لكل تلك الأصوات حتى في أوج نزاعاتهم وتضاربهم، كل تلك الحريم هي مشاعر إليف المتشظية وأفكارها المبعثرة
/ إينما تحلُ غيمة مثقلة بالصمت، يمسي الزعيقُ الذي بداخلي مسموعاً أكثر، ويطفو إلى سطحي صوتاً ويفرحني، إيماني بأنني اعرف هؤلاء الحريم اللواتي بداخلي /
“الاتزان والتصالح مع الذات “
من الطبيعي أن تتضارب أصواتنا الداخلية وأن يعلو صوتٌ حيناً ليُسكِت غيره، لكن لاننسى أن كل صوت يحمل رأياً ويعكس موقفاً، والموازنة ضرورية للتوصل إلى السلام الداخلي، والقدرة على المواءمة والمصالحة مع الذات المتشظية، وحتى تعامل أليف مع جني الاكتئاب لم يكن قاسياً، فقد اعترفت بأنها هي من جلبته إلى ميناء حياتها، وحزنت عندما ودعها الجني راحلاً، اعترافاً منها بأن كل امرأة تحتاج إلى وقت محدد يخصها وحدها، لتنهي دائرة الاكتئاب داخلها.
“العنوان “
التناقض الموجود في العنوان يعكس تلك المزاجية الصعبة والتقلب القاسي في عالم الاكتئاب وهالات الصراع التي شهدتها المؤلفة بين أمومتها وهويتها ككاتبة، فالحليب رمز الأمومة الصافي، والسواد هو سواد الحبر الذي يرمز للكتابة وإلى الأفكار السوداوية والكآبة التي تحيط بهن بعد الولادة، 
وهذا الصراع القائم بين الأمومة ليس مستحدثاً، ولايخصُ جغرافية دون غيرها، بل موجود في كل مكان وثقافة، ومتعششٌ في ذهن كل امرأة تنجب الكلمات ويشتهي رحمها إنجاب الأطفال أيضاً .
” لكل كاتبة خياراتها، لاتوجد هناك معادلة واحدة تنظم الأمومة والكتابة وتناسب الجميع، بل هناك مسارات مختلفة في رحلة الأدب وجميعها تقود الي الهدف نفسه”
كتابٌ سلس اللغة جميل الفكرة، قريبٌ لكتب المذكرات أكثر منه للرواية، منسوجٌ برقة وشفافية عالية، لا نشعر بالملل في ٤.. صفحة مع كاتبةٍ ذات قدرة غريبة على خلق عوالم خاصة، وهي تحاولُ جاهدةً الجمع بين طموحها وأمومتها في عمل ذكي، قد نكون قادرين على تسميته بعملٍ نسوي لانه يجمع بين دفتيه الكثير من الآلام والأمال التي تزخر بها أرواح الإناث .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

علي شيخو برازي

طيلة أربع سنوات كان يعيش أسير حبها غير العادي, كان قد ترك العقل جانبا دون أن يعمل, ساقته عاطفته إلى حيث الضياع في متاهات الحلم, متعلقا بخيط وهمي يمتد منه إليها, يتسلق هذا الخيط الوهمي بيدين تنبض شرايينهما أملا.

كان الليل عالمه الوحيد يلجأ إلى سكونه كلما كان…

نصر محمد / ألمانيا

يارا وهبي ابنة بيت عُرف بالفن والإبداع لدى جميع أفراده، ابتداءً من والدتها إسعاف، ومروراً بأخيها الكبير الفنان والكاتب رافي وهبي.

تقول يارا في أحد حواراتها:

«كان لأمي إسعاف وهبي الأثر الكبير في تكويني النفسي، وهي التي أصرّت على كتابة اسمها على غلاف روايتي مرفقاً باسمي، لأكسر تابو من تابوهات…

إبراهيم محمود

ونريده صوتاً ينادينا
فيه أسامينا
فيه معانينا
فيه مغانينا
أرضاً تسمّينا
ومقبرة تعرَّف باسمنا
وتعرف ألفباء بكائنا
وحنيننا
ونظل أهلينا

ونريده ميسور حال مثلما
للغير نشأتهم
وصبوتهم
وطلتهم على الدنيا
ونريده
في ملتقى الأرضين والسموات
تبياناً وتبيينا

ونريده وجهاً حياتياً
وإقراراً بحادينا وساعينا
ونريده، حقاً،
بكل تواضع ٍ
شجراً يطالعنا ويؤنسنا
ويطلقنا إلى أعلى أعالينا
بحراً ينادمنا إلى أقصى أماسينا
ويمنحنا من الأعماق
ما يثري به أصفى أمانينا
نهراً يرافقنا إذا نمنا
ويوقظنا ويمضي طوع آتينا
برّاً يرتّلنا
ويمحو من مآقينا
ضباباً أو…

جوان سلو

“كانت القهوة قد ابتردت في فنجانه عندما رفعه إلى فمه، وارتشف منه رشفة صغيرة. وضع الفنجان وهو يتأمل أمامه، عبر الواجهة الزجاجية الكبيرة. لا شيء يثير الانتباه في ساحة “سعد الله الجابري”، كل ما فيها يشتت الذهن.. وقبل أن تشده البلادة إلى الكسل أمسك بالقلم، وعاود الكتابة من جديد”

يمتد المقهى كحيّزٍ وجودي يأخذ من…