الشاعر الكردي الكبير شيركو بيكس.. لا يليق بك الغياب..!

إبراهيم اليوسف

جاء الرحيل المفجع لرائد الشعر الكردي شيركو بيكس”1940-2013″ ويعني اسمه بالكردية “أسد الجبال الذي لا أحد له: والذي أغمض كلتا عينيه، اليوم ، في أحد مستشفيات ستوكهولم، عاصمة السويد، بلده الثاني الذي يحمل جنسيته أيضاً، ولجأ إليه بسبب ملاحقته من قبل النظام العراقي السابق. كي ينتشر النبأ بسرعة البرق:”رحل شيركو بيكس”!، يهز أوساط المثقفين، والكتاب، ومتابعي إبداعه الاستثنائي، الذي ينبثق عن روح استثنائية لا تتكرر. 

وشيركو بيكس الذي ولد في مدينة” السليمانية” وهوابن الشاعر الكردي الكبير،  فائق بيكس أحد رجالات انتفاضة 6 أيلول 1930، يعد ليس مجرد أحد أكبر عمالقة الشعر الكردي المعاصر- فحسب- وإنما هو من أوائل الشعراء الكرد الذين دعوا إلى الحداثة الشعرية عبربيان روانكه الشعري، الذي صاغه ومجموعة من شعراء جيله الكرد في ستينيات القرن الماضي، وكان أول بيان تجديدي من نوعه، سيظل أثره في تاريخ الشعرية الكردية، بعد أن كانت القصيدة الكردية تقليدية، في سائر أجزاء كردستان، وكانت قصائد الشاعر الكردي جكرخوين، أحد نماذجها، مع أن القصيدة الكردية، وجدت نفسها أمام مهمات كبيرة، وفي مقدمتها الدفاع عن شعبه الكردي، ممزق الخريطة، ومهدد التاريخ بالمحو، ناهيك عن أن أية عودة إلى الشعرالكردي ستبين الروح الإنسانية لدى هذا الشاعر، وانشغاله بقضايا الشعوب التي يعيش معها شعبه، بل قضايا المعمورة كلها، كأحد الشعراء الإنسانيين، وتحتل قضية فلسطين مكانة واضحة لدى هؤلاء الشعراء.

أصدر شيركو بيكس مجموعته الشعرية الأولى” هودج البكاء  ” في العام 1968، كي يواصل كتابة الشعر على امتداد نصف قرن من الزمان، وليسهم في إغناء المكتبة الكردية والإنسانية بالعشرات من النتاجات  الإبداعية المطبوعة، على صعيد الشعر، والشعر الملحمي، والقصصي، بالإضافة إلى المسرحية، كأحد المبدعين العالميين الأكثر حضوراً في عالم الشعر الحديث..

وإذا كان شيركو قد فتح عينيه في أسرة ثقافية عريقة، مناضلة، فإنه دفع ضريبة ذلك غالية، فقد تم تهجير الأسرة في العام إلى الأنبار، وهو ما سيتكرر معه في العام1975، حيث سيعد إلى محافظة الأنبار، كي يعاد في نهاية السبعينيات إلى السليمانية، بيد أنه يرفض الخنوع في مدينة السلمانية في ظل” الأمن الأحمر”” أمني سوركان” الذي يعد الآن متحفاً يبين مدى بشاعة آلة القتل- بحق الإنسان- ولذلك فقد التحق بالمقاومة التي نشطت، آنذاك، في العام 1984، حاملاً البندقية في جبال كردستان، كي يبقى هناك، إلى أن تنسد الدروب أمامه، فيسافر وأسرته إلى مملكة السويد، ليقيم هناك، إلى أن تندلع انتفاضة شعبه في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث يعود إلى مسقط رأسه، وينخرط في العمل السياسي، كي يتم إعطاؤه حقيبة وزارة الثقافة، في أولى حكومة كردية في إقليم كردستان، بيد أن الرجل الذي ضاق به مكتب الوزارة، والرتابة المطلوبة في أي موقع رسمي، لذلك فقد قدم استقالته، طوعاً، واعداً، ألا يتورط مرة أخرى، في التنطع باستلام أية مسؤولية، خارج دائرة الثقافة، والإبداع، حيث أسندت إليه إدارة دار نشر “سردم” للطباعة والنشر، الدار التي  تصدر عنها، مجلة بالاسم نفسه” سردم”، أي العصر، ويشرف عليها الشاعر لقمان محمود.

ويعد شيركو حقيقة، من كبار شعراء العالم المعاصرين، فقد ترجمت دواواينه إلى العديد من لغات العالم، ومن بينها اللغة العربية، التي ترجم بعضها إليها الكاتب الراحل صلاح برواري، وقد نال جوائز عالمية عدة، وكان من عداد المرشحين إلى جائزة”نوبل” بيد أن اسمه، لم يستطع تحقيق ما هو مطلوب في المعادلات النوبلية، ليس نقصاً في خطابه الإبداعي الفريد، وإنما نتيجة موازينها السياسية، كما أنه كان على علاقة وثيقة بكبار شعراء العربية والعالم، ومن بينهم: الجواهري- محمود درويش- سعدي يوسف وغيرهم…. كثيرون، يقول معبراً عن حالة اغتراب عالية:

-غربة:

لست غريب الداروحدي

فالدارأيضاً غريبة حارتها

الحارة غريبة مدينتها

المدينة غريبة بلادها

البلاد غريبة العالم

والعالم غريب الكون

ويقول في نص” قصة رجل:

نسج النساج حتى مماته

نسج السجاد ..ونسج الورود

ولكنه لم يملك لنفسه

سجادة واحدة

ولم يضع أحد

على قبره وردة

حقيقة، إن رحيل شيركو بيكس، يعد خسارة كبرى للمكتبتين الكردية والإنسانية، حيث كرس حياته من أجل قصيدته، هذه القصيدة التي تقرأ الآن بالكثير من لغات العالم، ناهيك عن أن شاعرنا كان رجل موقف، لم يستسلم أمام آلة الخوف، وظل يواجه القبح بالجمال، سواء أكان ذلك من خلال كلمته، أومن خلال البندقية التي حملها، مع البيشمركة، في أعالي الجبال، كي يسهم مع مناضلي شعبه، في إنقاذ أهله من بين براثن الظلم، وهو لعمري يستحق وقفة طويلة متأنية في خصوصية قصيدته التي تغنى في المناهج المدرسية، بلغته الكردية الأم.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…