هطولات مطرية

إبراهيم محمود

في ساحة رئاسة جامعة دهوك، أمام مدخل لأحد أبنيتها أردتُ تأريخاً لهذه الواقعة المطرية” يوم الاثنين، 8-4-2024، ظهراً “. ابتعدت عن المدخل المسقوف للمبنى، وأودعت نفسي فسحة مطرية، وأنا أحتمي بمظلتي ومظلتي لا تكف عن غسل وجهها الكتيم برشقات السائل المنغَّمة .
إنه لشعور غريب رباعيّ الدفع: هطول المطر من السماء، هطول الفرح من القلب إلى القلب، هطول المشاعر في ساحة الروح، وهطول تبعات الروح في المكان المحتفى به مطرياً.
أي سماء هذه التي تجود بمائها الذي يتسرب شرائط مائية رفيعة، دفقات مائية، في مسامات الأرض، أو وهي تنبسط وتبقبق في المناخ المائل إلى الدفء، وتصمت مشكلة دوائر مائية، لتستحيل سواق ٍ أو جداول سطحية ترسم مسالكها ذات المجاري كعادتها التليدة قدر استطاعتها؟
تجود السماء بمائها، ويجود الماء بما فيه، مكرماته البلسمية لروح الأرض، التربة المتلقية لسيلان روح الماء إلى أعماق تنتظره بشوق، وترد جميل السماء بجميل باطن التربة بما يشكل ابتسامات تترى على وجهها أخضرات وأصفرات وأحمرات وأبيضات…إلخ، وبارتفاعات عشبية ونباتية. تلك هي الترجمة الأمينة المثير لإعجاب خلائق الأرض والسماء، وهي تطلق العناق لأنفاسها، كي يمتلىء الهواء نداوة وملامس عليلة تتجاوب معها الكائنات النباتية والحيوانية، ولا يعود الجماد نفسه جماداً حين يخرِج ما يستبطنه ألواناً زاهية، والحيوانات تترك لأجسامها المتباينة كامل الحرية الموهوبة لها طبيعة مذ وجدت، وهي تتلقى آلاء السماء وفي صمتها خشوع، وفي خشوعها صك اعتراف بليغ بجزيل شكرها الحسي لهذا السخاء الساري المفعول من الأعلى إلى الأسفل، عمودياً، ومن نقطة إلى أخرى ، أفقياً. في عمليات حسابية يكون الجمع عمدتها.
ما كان لي أن أدفع بجسمي إلى فضاء مفتوح، إلا إشعاراً بأن ثمة ما يثير الخيال ويثير في الخيال خيالاً أبعد منه، حيث الكوني يحضر بدفق معناه السماوي في لقائه الأرضي بتلك الرابطة التي لا يعلم بروعتها وبدعتها وبلاغة صنعتها سوى الممتلىء بكلّية هذه المأثرة التي تنتسب إلى الماء.
إنها هطولات مطرية لها ألقابها: مما هو سماوي، ومما هو أرضي. مما هو مرئي ومما هو خفي. 
في مقدور الفنان والشاعر، هذا الثنائي المأهول بمرح اللون والكلمة، الشعور بمثل هذا الحضور المستمر، وعلامته الإلهام الفارقة، وتحويل هذه اللحظة المطرية الطابع إلى مشهد مؤبد.
كنت أشعرني في لاتناهي هذا الحمّام الفضائي، وأنا في قلب دهوك الجميلة، ودهوك تستحم بشغف ولهفة، وفي مساحة واسعة في الحمام الذي يتدفق ماؤه قطرات موصولة ببعضها بعضاً، أو خيوطاً من نسيج زلال، في مغزل من بدعة ينثمل بها الخيال، كنت أشعرني مستوحياً نداء عوالم إلى ماوراء المجرة الكونية، إلى ماوراء السماء السابعة عالياً، دونما حاجة إلى جهاز تلق أو إرسال للإعلام عما يجري ويتحقق على الأرض. وقوفي هناك كان برزخاً يشد ما هو أرضي إلى ما هو سماوي. فلا أعود أشعر بالعرضي، إنما بكون كامل يبثني قرابته بحميمية معتبَرة؟
إخلاصاً لتلك اللحظة التي التقطت باسمها صورة كان هذا” الهطول ” القولي سطوراً معطوفة عليها، كما لو أنها لحظة تحررت من آنيتها، إلى ما يمد بها إلى الآتي وما لا يعود زمنياً بحسابنا. 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

“إلى إبراهيم يوسف طبعاً من شرفة مشتركة بيننا “

لأول مرةْ

سأرفع صوتي

مدوّ صداه

مداه مسمَّى

تسامى

إلى عتبات المجرَّة

وأعلنني طائراً في سماء تراني

كما لم أكن قبل في شرح ظلي

كما هي روحي

وفي لحظة العمر مُرَّة

أنا جمْعُ كرد

أحدّد جمعَ اعتبار

هنا في المكان

ملايين صوت

ملايين حسرة

وأعني بشارة ثورة

لهذا

سأحفر كرديَّتي في غد ٍ مستدام

على كل جذع لنبت ٍ

وفي كل صخرة

ومنعطف للزمان

وقمة…

صبحي دقوري – باريس

يُعَدّ هنري غوهييه أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ تقاليد كتابة تاريخ الفلسفة في فرنسا خلال القرن العشرين، لا بوصفه صاحب نسق فلسفي مستقل، بل باعتباره مفكّرًا اشتغل على الشروط المنهجية والمعرفية التي تجعل من تاريخ الفلسفة حقلًا فلسفيًا قائمًا بذاته، لا مجرّد فرع تابع للتاريخ العام أو لعلم…

تقديم عام للكتاب

يأتي كتاب “القراءة: قصص ومواقف” للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد (2026) كمشروع فكري وأدبي طموح، لا يكتفي بالحديث عن القراءة كفعلٍ تقليدي، بل يغوص في أبعادها الوجودية والاجتماعية والنفسية. ينتقل المؤلف عبر فصول الكتاب من التأمل الشخصي إلى النقد الثقافي، ومن السرد الذاتي إلى التحليل المجتمعي، مقدماً رؤية شاملة ترفض التبسيط السائد في خطاب تمجيد…

إبراهيم محمود

هنا حيث انت كُباني
هناك
كما أنت أنت كباني
مرتّلةُ حجراً باركته السماء
مكلَّلة أملاً أعلنته السماء
وصاغت بها المعاني
تحيلين بردك بُرداً
تحيلين جوعك وُرْداً
تحيلين صمتك ورداً
وملؤك كردية مذ تجلى الإله
ومالت جهات إليك
وهابك ناء وداني
هي الأرض تصعد باسمك
أعلى كثيراً من المتصور طبعاً
سماء تشد خطاك إليها
كعادتها، وترفل في الأرجواني
وباسمك حصراً
كما أنت
تاريخك الحي باسمك
أعني امتشاق حِماك المصاني
سريرك في أُفُق الأمس
واليوم
والغد
كرديّ
دون ارتهان
أراك كباني
كما…