وبقي ظلّاً…

ماهين شيخاني

يُحارب السهر في الليل البارد، ظلاً يتنقل في الزمان بين قضبان الصمت، لا يكاد يميز الفجر من الغسق. ليس هناك أملٌ في عودة النور، ولا بادرة حياة تعيد له ذلك الدفء الذي كان يلامس قلبه، كما كانت تلامس همسات الذاكرة وجهاً مضيئاً. بعد وجبة صغيرة منحها إياه سجّانه، تبقى فتات الأمل وحيداً بين يديه، يلقمها الزمان… فكلما همّ بالحديث، وجده غريباً كأصداء أصواتٍ بعيدة، أو ربما كضحكات كانت يوماً تملأ البيت، قبل أن تمزقها أعاصير القدر.

قبس من سيجارته المتقدة هو كل ما تبقى له من شعلة في الظلمة. وفي تلك اللحظات، يظل يتحسس لهبها وكأنها الأمل المتبقّي في قلبه. على الرغم من الظلام الذي يحيط به، يبقى يراقب الضوء الرفيع في خياله، ويرى في دخانها أشباح الذكريات.

أما الأرواح التي كانت تملأ البيت بحركة لا تنتهي، فهربت صامتة كما لو أنها لم تكن يوماً هنا. هرع كل واحد منها إلى طريقه، تركوا خلفهم فجوة تتسع كل لحظة، تسحب ما تبقى من وجوده. تمزقت تلك الأرواح، كما تمزق الروح نفسها، تلاحقها الصور التي كانت، وتغرق في شظايا الألم التي لا شفاء لها.

كان الجميع قد سلكوا درب الوجع؛ درب ضاع فيه البصر وضاع معه الزمان. الألم يطوي مسافاته على أجسادهم، بينما يبقى هو في مكانه، يُقاسي، ينتظر شيئًا لا يجيء. يظل يتنقل بين الأمكنة التي كانت تحوي الأمل، وما بين كل لحظة وأخرى، كان يجد نفسه يغرق في قاع فراغه الخاص، فراغٍ ليس له حد ولا قرار.

وصهيل الأخيلة الذي كان يوماً يملأ المكان، صمت الآن، محبوساً في أعماق الذاكرة كما لو كان صريراً متألمًا لجملٍ لم تُسمع بعد. أما وحشة الفراغ التي تملأ الزمان، فقد تفجرت في قلبه، وتسللت خيوطها إلى روحه في صمتٍ مستمر. كما لو أن الفراغ صار جزءاً منه، لا يمكنه الهروب منه، ولا يملك من سبيل للنجاة سوى الشغف بالغرق فيه.

كل زاوية من البيت، وكل طرف من هذا المكان المهجور، صار شاهداً على رحيل الجميع. الجدران التي كانت تصدح بالضحكات، عادت لتشاهد الصمت الذي لا ينكسر، وكأنها أيضاً تروي قصة فراغٍ لا ينتهي. وكل ما كان حيًا فيه، أصبح جثثاً من الذكريات الممزقة.

لكن في أعماقه، لا يزال يتمسك بظل الأمل، رغم أنه لا يملك إلا البقايا. ومهما حاول أن يبتعد عن الحزن، ظلّ يلتصق به كما التصق السكون بالليل. ظلاً… يحمل الآلام ويحمل الوجع، ويمضي في رحلة لا يعرف لها بداية ولا نهاية، سوى في المدى البعيد الذي لم يعد يراه.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شكري شيخ نبي ( ş.ş.n)

يا نديم الراح وصنو الرواح
دع شفاه الكؤوس ترتل اليبابا

دع الكؤوس تعتلي كالمآذن
تصدح كناقوس كنيس السيانا

لا بيت يليق بصاحب السماء
إلا كأس قلب يمخر لج الريانا

ودع اللوم فإن اللوم إغراء
ورب دواء بالداء كان بها كهانا

فالعلم يعرج في السماوات
والجهل يحاكي مشي الرزانا

من جهل الحب سماه هياما
ومن افترى عليه أسماه الغراما

ما كان الحب سوى العتاب
ونوح…

بمناسبة يوم اللغة الكردية يقيم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد ندوة مشتركة للكاتبين:

عدنان بشير الرسول: بعنوان مصاعب وتحديات اللغة الكردية
فتاح تمر: بعنوان وضع اللغة الكردية في كردستان الشمالية

يوم السبت 16.05.2026 الساعة الواحدة ظهراً، والعنوان بالملصق.
يسرنا حضوركم.

إبراهيم اليوسف

صدرت حديثاً، عن دار نوس هاوس في هولندا للنشر والترجمة، مجموعة قصصية لأربعة وعشرين كاتبا وكاتبة بغلاف أنيق تحمل لوحة فنية للفنانة التشكيلية روجين حاج حسين ترجمها الكاتب والناقد السوري صبري رسول من الكُردية إلى العربية بعنوان: مختارات من القصة الكردية القصيرة.
وتضم المجموعة ستا وعشرين قصة، تتناول الشؤون والهموم الفردية والشخصية والاجتماعية والإنسانية. يؤكّد…

إبراهيم اليوسف

يفتتح أكرم سيتي فيلمه القصير “الكرسي” طوال برهة يلتقط فيها المشاهد الأنفاس، عبر صمت مطبق، بطيء الإيقاع، وثقيل، حيث تدخل الكاميرا مباشرة إلى منطقة سياسية شديدة التأجج داخل الواقع الكردي، بل داخل الجرح الكردي، فالمشهد يتحرك حول كرسي واحد، بينما تتكاثف حوله ظلال السلطة والقيادة- بأشكالهما- من سمة الامتياز والابتعاد التدريجي عن القضية التي…