خبز التنور« قصيدة »

مزكين حسكو 
الترجمة عن الكردية مع التقديم: إبراهيم محمود
تقديم
مزكين حسكو، الشاعرة الكُردية التي، كما يظهر في تجربتها الكتابية” في الشعر خصوصاً ” تحاول أن تجسد في كتابتها خاصية حبة القمح. ما أصغر حبّة القمح، ما أكبر الموعود بها. ما أصغر المساحة التي استغرقتها قصيدتها ” خبز التنور “: مائة وبضع كلمات، ما أكبر المساحة التي انتشرت وانتثرت” مثال سنبلة القمح ” فيها القصيدة القمحية، إن جاز التعبير. شعوراً منها بتلك القرابة السالكة للطريق في اتجاهين ” دوسايد ” وما ينبسط في الطرفين من رؤى تعكس مرآة القصيدة عينها في تلويناتها، حيث يتناغم عمق المعنى، مع أفق الدلالة. قصيدة مزكين تعدُ نفسها كما هي حبّتها بما يتعدى حدود السنبلة، بما يغذي جوعاً عضوياً ونفسياً، ولهذا أحلَّت جملة السنابل ” ضفائر الأرض الذهبية التي شبت عن طوقها الأرضي وأفصحت عن نقلتها النوعية إلى كينونة الحبة والحبة حبوب، والحبوب جمع غزير موعود بنقلة نوعية انعطافية بيضاء اللون ” طحيناً ” أو ذات السلالة في تنوع أفرادها عبر برزخ ” السليقة ” لتصبح هذه من جهتها ” برغلاً، سميتاً، دشيشاً، جريشاً…إلخ”، وما في ذلك من تنويعات طبخ وطعوم أو رغبات أذواق، أي ما يملأ المسافة الفاصلة بين البرّي: النيّء في الحبة إلى المطبوخ، وقد تفاعلت مع النار وما يرتبط بها من أطعمة.
لنكون إزاء جسد موحّد: جسد الشاعر، جسد القصيدة، جسد الأرض، جسد السماء.. والقصيدة مفهوم جسدي لا يستقر في هيئة معينة، أو لون معين، بقدر ما يهبُها الإبداع حضوراً يمتد في آتيها.
ربما أتذكر هنا خاصية الديمومة والتحول النوعي في المعنى الوارف:
وحبوب سنبلة تموت  ستملأ الوادي سنابل
بدعة الشاعر الفلسطيني محمود درويش
عنونت القصيدة بـ” خبز التنور ” ليكون الفضول مركّزاً على كيفية بلوغ هذه النقطة، كما لو أن القصيدة آذنت بنضجها، وهي تحمل داخلها ذاكرة مكانية تحمل بصمة أصابع صادقتها، وأنفاس تفاعلت معها، وتربة احتضنتها ورعتها، وسماء رعتها وسعت بها لتصبح خضراء فصفراء، ومن ثم مودعة في أكياس، ليكون التنور” بمفهومه التليد، والقروي، المعهود فيها، لحظة انتظار مشتهاة حيث سخونة الخبز ونكهة رائحته في انتظار اليد المتلهفة إليه، وطيب الطعم.
وفي كل ذلك ثمة وطن هو الذي يضم إليه حبة القمح من يد شعرية، وعين بصيرة بمقامها، والأرض وصفتها في استقلاليتها، ووطن في حريته ومن يحتضنهم ويعرَفون به .
داخل كل منا نظير حبة القمح، بهئيات، وتبعاً لإرادتنا في تفعيل أثرها طبعاً !
أتراني استسلت مع جموخ خيال، أم أن الخيال مضى به طرب فني حاضنة ” خبز التنور”؟!
النص
حبة قمح
خريطة قلب وطني
وسنبلة ذهبية
شيفرة روح التراب
ها هي الأوعية الدموية
وعرق جبيني
في باطن الحقل
لازال تنور الخبز يشتعل
والحقل يتوسد حضن أمي
ألا فلتسحبوا أياديكم
عن قتل أحلامي بعدها
ولا تخدعوني
 بأحمال السراب …؟!!!
29 أيار 2024
Mizgîn Hesko:Nanê tenure, Welatê me, 29-5-2024
* Wêne. Ji FB.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

(ناشرون فلسطينيون) يعد كتاب “بلاغة الصنعة الشعرية” للناقد والشاعر الفلسطيني فراس حج محمد، الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة عام 2020، علامة فارقة في المكتبة النقدية العربية المعاصرة؛ إذ لا يكتفي بتقديم قراءات في نصوص مختارة، بل يغوص في فلسفة الفعل الشعري ذاته، محاولاً فك الاشتباك بين الموهبة الفطرية والجهد الواعي، وبين النص المقدس…

صبحي دقوري

هناك في الحياة ما يبدو ضروريًا إلى حدّ البداهة: الخبز، والماء، والسقف، وبعض الطمأنينة إن تيسّرت. غير أن في حياة الإنسان ضرورات أخرى، أقل صخبًا، وأبعد عن العيون، ولكنها لا تقل جوهرية عنها شأنًا، بل لعلها أعمق أثرًا في بقاء الإنسان إنسانًا. ومن هذه الضرورات الأدب والفن. فهما ليسا ترفًا تستدعيه وفرة العيش، ولا…

ديار ملا أحمد

الكُرد في سوريا: سيرةُ ظلٍّ طويلٍ يبحث عن شكله في الضوء ..

لا تبدأ الحكاية الكردية في سوريا من الجغرافيا، بل من فجوةٍ صغيرة بين الاسم وصاحبه.

من تلك اللحظة التي ينطق فيها الإنسان ذاته، فلا تُصدّقه الأوراق، ومن ذلك الصمت الذي يتكوّن حين تعرف الأرض خطواتك، لكن الدولة لا تعترف بآثارها .. هكذا لم…

عبدالجابر حبيب

 

في قريةٍ لا تحمل اسماً لافتاً، حيثُ تمضي الأيام على وتيرةٍ واحدة، عاش رجلٌ يملك قطعةَ أرضٍ صغيرةً.

زرعها قمحاً، وانتظر موسمه بعينٍ خبيرةٍ؛ يعرف أن الأرض تعطي بقدر ما تأخذ.

 

جاء أيّار، وارتفعت السنابل، وامتلأت رؤوسها، ومالت بخفّةٍ مع الريح.

مشهدٌ يسرّ صاحبه؛ لا مبالغة فيه، ولا مفاجأة.

زرعٌ نجح، هذا كلّ الأمر.

 

وفي طرف القرية، رجلٌ آخر…