المجتمع مَنْ يكون؟

نارين عمر
كثيراً ما نتحدّثُ عن المجتمع وكأنّه وحشٌ كاسرٌ يسعى لافتراسنا في أيّة لحظةٍ كانت, والغدر بنا دون رحمةٍ أو شفقة.
لكننا ربّما لا نملكُ الشّجاعة الكافية للسّؤال عن هذا الكائن العجيب الغريب الذي يدكّ أمننا وأماننا متى يشاء, ومن أيّ كوكبٍ أسطوريّ قد جاءنا, وما الطين التي هجنته؟!ومَن الذي يزوّده بلقاحاتِ الغطرسةِ والجبروت؟
ومن ثمّ الغوص في أعماقه نسبرُ أغوارها لعلنا نجدُ ما الذي يكنّه لنا نحن البشر؟ وما الذي يودّ أن يفعله بنا؟
نعم نتجاهلُ عمداً التطرّقَ إلى مثل هذه الأسئلةِ والاستفسارات, وطرحها على أنفسنا, لأنّنا ندركُ تماماً مَنْ يكون هذا المجتمع الذي هو عبارة عن تجمّع من الكائنات الحيّة المالكة لزمام العقل والإدراك, والمتعايشة على أسس ومفاهيم مشتركة, وهم تحديداً( أنا وأنتَ وأنتِ وهو وهي…………) وهذه الضمائر هي مَنْ تشكلُ( نحن وأنتم وأولئك وهؤلاء……..) وهذه بدورها تؤسسُ اللبنات الأولى للكلّ المكوّن من هذه الأجزاء المجتمعة, المتلاحمة, والتي يتمخّضُ عنها ما نسمّيه  /المجتمع/.
إذاً كلّ منّا يخافُ من نفسه وشخصه, وترهبه كينونته وصيرورته على اعتبار أنّ كلاً منّا يشكل جزءاً من المجتمع الذي ننعته بشتى النعوتِ السّلبيةِ والنّابية. وهذا
يعني أنّنا نسبّ أنفسنا, ونلعنُ وجودنا, ونوبّخُ بقاءنا سرّاً وعلانية. مشكلةُ كلّ منا الحقيقية تكمنُ في قوقعة الرّهبة التي صنعها بإتقان ووضعَ نفسه بكلّ ما تحتوي وقلبه بكلّ ما يزخر به فيها, وسيّجها بحصون منيعة من العاداتِ والتقاليد والأعرافِ التي تحوّلت وخلال العقود المعقدة من الدّهر إلى وحوش ضارية لا يملكُ الجرأة في مواجهتها أو صدّها, أو على الأقلّ هو مَنْ يودّ لنفسه كذلك كي ينفي عنها ما يطلقه هو والآخرون من طلقات اللفظ والمعنى كالتخاذل والجبن والخنوع. وهو إذ يفعلُ ذلك لئلا يكون هو البادئ في التصدّي لتلك الوحوش الجشعة وبالتالي يكون هو الضّحية الأولى, فيغادرَ هذه الدّنيا بروحه وجسده, وربّما بروحه ويظلّ الجسد يتلقى الطعنة تلو الأخرى.
والمشكلة الأخرى التي تتمخترُ وتتبختر في ساحةِ تفكيرنا وإدراكنا, وتغزو نفوسنا وقلوبنا هي مبالغتنا المبالغ فيها في تضخيم مشاكلنا, وعملقةِ ظروفنا وتصويرها على
أنّها عويصة على الحلّ والفكّ مع أنها قد تبدو في غاية البساطة والسّهولة.
فما المشكلة إذا بدأ كلّ منا بإصلاح نفسه أوّلاً, وتطهيرها من كلّ الشّوائب التي كانت تعكرُ صفوها,ومن ثمّ يبدأ بباقي أفراد أسرته أو الذين يترعرعون في حِماه
وأظنّ أنْ لاداعي لأن نتوقف عند/ثالثاً/ لأنّ النفس والقريبين إلى النفس إذا استقاموا فإنّ المجتمع المؤلف منهم سوف يستقيمُ كذلك, وبذلك نجنّبُ أنفسنا من الإصابة
بآفة/دونكيشوت/المتمثلة في محاربة طواحين ذلك الكائن العجيب الذي نعلقُ عليه كلّ همومنا ومشاكلنا…../المجتــــــــــــــــــــــــــمع/.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ا. د. قاسم المندلاوي

شهدت الرياضة الكوردستانية خلال السنوات الأخيرة تطورات مهمة في إقليم كوردستان ، تمثلت في المقام الأول ببناء شبكة واسعة من المنشآت والمؤسسات الرياضية ، شملت الملاعب والساحات والقاعات والمسابح في مراكز المحافظات — السليمانية وأربيل ودهوك وحلبجة — وكذلك في الأقضية والمدن مثل سوران وزاخو وكلار وكفري وخانقين وغيرها .

<p...

عنايت ديكو
– تمثال الرجل المؤدلج … تمثالٌ يختزل كل أضلاع الفكر والثقافة في هندسة الجرأة والسياسة والحضور وبنائها.
– في وسط لندن … عاصمة الأباطرة والملوك … حيث تتكدّس التماثيل البرونزية والرخامية للملوك والأمراء والجنرالات وقادة المجد الإنكليزي، الذين صنعوا التاريخ بدماء الآخرين.
– هنا، في قلب لندن، وبين هذه المنحوتات والتماثيل الملكية، وبين الأزقة والشوارع والحدائق…

أكرم محمد
لطالما كان الفن الملتزم هو الحصن المنيع الذي تحتمي به الشعوب المناضلة للحفاظ على كينونتها الثقافية ووجودها التاريخي في مواجهة حملات الإنكار والصهر المنهجية. وحينما تصبح الكلمة المغناة واللحن الصادق سلاحاً لمقاومة المحو، فإن الموسيقى تتجاوز حيز الترفيه لتتحول إلى وثيقة نضالية حية تحفظ ذاكرة الأمة وتصون لغتها الأم عبر الأجيال. وفي تاريخنا المعاصر،…

رقية العلمي/ فلسطين

أنا ابنة لواحد من آلاف الشهداء الذين ارتقوا خلال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حكاية بدأتُ في كتابتها من ساعة ما حملت جثة أبي، لم تزل كلمات وجعها تدق في رأسي، أكتبها بدون تدوين… إلى أن آن الآوان وبدأت قصة عمر تبزغ وتنمو على الورق… أخاف أن يداهمني الموت قبل أن أسطر قصتي التي…