ديلان تحضر لقاءآ للأنبياء و الرسل

*آراس بيراني
aras_pirani@hotmail.com

شعرها، وفي مجموعتها الجديدة ( لقاء الرسل ) و الصادرة مؤخراً عن دار آراس للنشر وباللغة الكردية ، شعر مكتوب برحيق المرأة , وعطرها، غموضها و نقائضها ، أناقتها و لذتها ، بتناسق عناصرها ، وأحزانها و ذاكرتها ، هو شعر لا يمكنه التنفس خارج كينونة المرأة ، كما كان الحال أيضاً بالنسبة لمجموعتها الأولى (قبلات حمراء) التي صدرت قبل أعوام عدة، حيث يجد القارئ نفسه مباشرة أمام قصائد تتجه بخطابها إلى العنصر الأخر في الحياة: الرجل.

حيث تحاور عالمها بأسلوبية خاضعة لتأثيرات الواقع نفسه و احتمالاته فهي لا تفصح عن ملامحها ، و حدودها بقدر ما نتوهمه في المشاهد التي تحركها ، وترسمها “بالكلمات” ذاكرة مبصرة وحادة، فهي ليست ذاكرة فردانية أو مجرد استطرادات تتوالى لتخضع الخاص إلى العام فحسب بل هي إحالة مرجعية إلى الصورة الجمعية “المكان” حيث تقف بحذر على جوانب المكان و تقود نصها الشعري مع مراقبة قطيع كلماتها .. وتدهشنا بأنها تطلق قطيع عصافيرها حرة و بدون أية حدود … حيث حشدت الشاعرة عالماً فنياً ثرياً، فهي حاضرة بحلمها ، و آمالها و بجسدها و أمنياتها الصغيرة “المشروعة” ، فقصيدتها تبدأ من تلقائية غير مسبوقة بإشارة انبثاقها، لا تفصح عن نهاياتها .. فقصائدها لا تنتهي بمجرد وضع نقطة النهاية في آخر القصيدة ..، و إنما النهايات لم تكتب بعد!!.
و هي لا تجد في طلب المعنى من المفردة.. وإنما ثمة ما يحث على المتابعة خالقة حنيناً غامضاً..، و شعوراً مبهماً لتعيد نقش كلماتها و بالتالي مفرداتها وفق احتمالات الواقع.. فعياراتها تنقلنا إلى عالم المكان و عمق الصورة.. والحدث، ذات حركة و إيقاع فتتابع لا تتوقف عند الوظيفة البلاغية كالتشبيه و الاستعارة ، بل لخلق المزيد من الدلالات في سياقات نصوصها التي تقوم بموازاة الواقع وتفاصيله الصغيرة الحزينة ، والبهيجة .. فهي تسترد زمناً مفقوداً..، و أمكنة تغيرت ملامحها و هياكلها .. وأشجارها ، و طيورها، و رائحتها ، و ألوانها، ثم تصر على حضور الدار و فضاءاتها و عرائش الورد و اللبلاب وأفراد العائلة.. و الجيران اللذين مازالوا على قيد الحياة .. أو أولئك اللذين رحلوا..
تعود إلى الماضي ، إلى الأمكنة التي غادرتها .. لتعود إليها بالتفاتة مفاجئة كما لو أنها ستغادرنا بعد قليل .. مكونة ذاكرة محكمة ، ناصعة قاهرة للنسيان عبر مفردات تخرج من حالة الإشارة إلى التمعن إلى الذاكرة التي تعيد تشكيل الصورة و اللهاث مجدداً لحضور لقاء مقدس .. حاضر تتنفس حدودها و ملامحها في تفاصيل اللقاء اللاحق.
و الشاعرة تكتب معاناتها وآمالها بإشراك الآخرين في كل ذلك عبر شراكة تعتمد على الثنائيات: الحضور و الغياب ، الجسد والجنس ، الجرأة في كشف المستور و المكبوت في مقابل الانهزامية والتخفي في أماكن عاصية عن الوصول.
فقصائدها مشحونة على الدوام بالرومانسية و الألم و التفرد و الغربة و الغياب ، تعتمد  على دهشة اللغة وتجديد مساراتها و مصادرها، و اقتناص اللحظة الطامحة بالأمل الغارق في لجة العتمة ، و الطاعنة في عتمة الحزن الشفاف، حيث تلهث وراء البحث الدائم و خلف مسارات تيارات جديدة ترسمها على الضفة الأخرى من الحياة.. كأنهر مالحة ، فخزائن ذاكرتها ، و عيناها مفتوحتان على المدى التاريخي الزماني والجغرافي المكاني لحياة أفراد و شعب جريح ممزق مازال يبحث عن موطأ قدم تحت شمس الله.. وتتقد تلك الذاكرة بعهود ألزمت نفسها بإيفاءها، الشعر عندها مسكون بالحب و الحياة ، محكوم بالضجر و الملل من روتين الأوقات الرديئة، راهن بحالة الفقدان القسري ، فهي لا تستطيع نسيان بلدتها الصغيرة في أقصى شمال البلاد التائهة بين الـ”سَرخَط” و الـ”بِن خَط” و المنشطرة بين علمين.. و لغات وشعوب وأمم لا تستطيع فكاكاً من ملامح دارها ، و أهلها ، و أعراس المدينة و أحزانها و مقبرة المدينة وأثارها التاريخية و تلالها وأطفالها ، نسوتها و عجائزها، و عصافيرها الخائفة … وأشجارها التي ماتت واقفة..
و ذلك عبر مشاهدة غير حيادية، و إنما شاعرة تتعرف معنا على المفردات و توغل في المراقبة و نحت الماضي لرسم صورة الحاضر.. لمكان جديد بهي، و تمارس اختراقاً سرياً لشهوة و رائحة المكان و ضجيجه، و هدوءه و أولئك الأبطال المسنين عبر محاور عاطفية ، قومية، قلقة مفتوحة على أكثر من سؤال مبهم وكأنها بانتظار أجوبتنا.
بقي أن نقول بأن الكاتبة و الشاعرة ديلان شوقي من جيل الكاتبات اللواتي برزن في بداية التسعينات من القرن الماضي ، في الوقت الذي كانت كتابات المرأة و الشعر الكردي “النسوي” يعيش حالة الغيبوبة و يرزح في غرف العناية المشددة..
و ما زالت تجاربها الإبداعية تساهم في رفد حركة الأدب الكردي و هي عبر مجموعتها الأولى “قبلات حمراء” و مجموعتها الحالية ” لقاء الرسل ”  تمثل صورة قوية عن  إلتماعات و اجتراحات شعرنا الكردي مضيفة إليه حيوية و نداوة وبكارة متجددة و مصورة أجواء ساحرة ، و قاسية لعزلة و وحدة و اشراقات الوعي و المثقف الكردي الذي  مازال يعمل بمعاول الهدم و البناء و البناء عبر كلماتها و خطوطها و ألوانها ، و لقاء الرسل ، تأتي كإضافة حقيقية إلى حقل الإبداع الأدبي الكردستاني المعاصر و التي تصر ، ديلان، على خلق نوع من العلاقة النفسية والجمالية بل وحتى الخاصة مع هذا العالم الذي ينحدر نحو الهاوية .. و هي تسعى لحضور لقاءها المرتقب مع الأنبياء و الرسل.. في مكان نظيف و متألق و بهي.. .
                                                           

   6/8/2006   

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أ. د. قاسم المندلاوي

أولاً: مستوى التحكيم

من خلال متابعتنا لعدد كبير من مباريات كأس العالم 2026، يمكن تسجيل جملة من الملاحظات حول المستوى التحكيمي، إذ بدا في بعض المباريات أن هناك تباينًا في تطبيق القوانين، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا بين الجماهير والإعلام الرياضي ،

وقد برزت شكاوى عديدة تتعلق بعدم الثبات في القرارات التحكيمية ، ولا…

متابعة: عبد اللطيف الحسينيّ

قَبلَ حوالي عَقدين كنّا ثلاثةً: ياسين حسين وغسان جانكير وأنا، وبينَنا الأدبُ والسياسةُ، وصخبُ الحياة وتكاليفُها على رجلٍ تَرَكَ حلبَ ليقيمَ في مدينته التي أحبَّ “عامودا” حيث لا عمل والقبضةُ البعثية الأسديّة ومخابراتُها تحصي أنفاسَ مخالفيها بخلاف ما روّجه البعثيّون بانكفائها، لكن بقي البعثُ” قائداً للدولة والمجتمع” أو شيء من هذا الوضيع…

صبري رسول

 

تضعك شمس عنتر في قلب الحدث، فيشعر القارئ أن القصّة تجري معه، أو حدثت قريبا منه وفي محيطه، إلى أن يصل به الأمر أن يشعر أنّ الكاتبة تروي الحكاية له، القصة التي حدثت للتوّ.

النّصوص هي سيرة أهل الجزيرة، سيرة مدنها وأزقتها وقراها. هي سيرة النّاس في أزمنة الحرب، سيرة النّساء والشّهداء.

وبخلاف قصصها السّابقة، التي…

فرهاد دريعي / ألمانيا

عزيزتي:

المسافة لم تصنع لي وطنا بديلاً، ​فقط كانت هي الأقدار حينما كتبتْ فصولاً لم أخترها، وألقت بي في فيافي غربةٍ أجرّ خلفي حقائب ممتلئة بالذكريات، وتاركاً قلبي حيثما أنتِ، يهيم في طرقات قامشلو نهاراً وفي الليل يندس تحت وسادتكِ.
​هذه ليست قصة إقصاء أو سفر، إنما سيرة روح شُرخَت، فنصفٌ يعيش مرغماً في…