تحت لسان الموت.. قصة قصيرة..

ماهين شيخاني

 

استيقظتُ متأخراً على غير عادتي، حلقي جاف كأنه ابتلع حفنة من التراب، وشيءٌ ما يشبه الطعم الحديدي يتخمر في فمي. على الطاولة، بيضة مسلوقة وخبز يابس وكوب شاي بارد. عضضتُ الخبز، فتحوّل بين أسناني إلى رماد، كأن أحدهم عبأً جوفي برماد موتى محترقين.

ظللت ألوك الرماد بصمت. لا طيور في الخارج، لا صوت يُسمع. حتى ساعة الحائط توقفت عقاربها على لحظة ميتة.

عند الباب، وجدت صديقي القديم، أو ما تبقى منه. قال:

“ما بك؟ يوماً عن يوم تذبل، كأنك شجرة انقطعت عنها الجذور.”

لم أُجب.

 

أجلسُ في صمت مطبق. جدران الغرفة تزداد قُرباً كل يوم، كأنها تحاول ابتلاعي. عشرون سنة من الركض في مكانٍ واحد. عشرون سنة من الفقر، والوظائف المؤقتة، والانتظار في طوابير الإذلال.

خُنت نفسي ألف مرة، لا لشيء، إلا كي أعيش.

أتذكّر الوشاية التي أطاحت بعملي الوحيد. قالوا عني “خائن” لأنني قلت للحارس إن المدير يسرق الدفاتر الرسمية. وها أنا دون عمل، دون جدوى، دون مرآة تعكسني.

نظرتُ للمرآة اليوم، لكنها لم تكن لي. الوجه شاحب، يتآكل، والعيون لا تعود إليَّ حين أحدّق فيها. من هذا..؟. من سرق ملامحي.؟.

 

أحلامي… لا. لم تعد أحلاماً، بل مقاطع موت مؤجلة.

رأيت نفسي يُقدَّم على طبق كبير، نصف رأسي مفتوح، وجماعة مجهولة تتناول دماغي ببطء. ملاعقهم كانت مصنوعة من جماجم أطفال، لا وجوه لهم، فقط عيون تتوهج في العتمة.

ثم خرج ظلٌّ من حلقي. كان يضحك.

منذ تلك الليلة، بدأ الحديث عن “الطفيلي”. شيء بداخلي، ليس أنا، يهمس، يراقب، يضحك حين أنزف داخلياً.

 

استيقظت ووجدت ورقة في جيبي. مكتوبة بخط يدي، لكنني لا أذكر أنني كتبتها.

“احذر. الطفيلي بدأ يأكل من عقلك.”

ارتجفتُ. حاولت حرق الورقة. تحوّلت إلى رماد، لكن في اليوم التالي… وجدتها في جيبي من جديد.

بدأت أسمع أصواتاً، كالأنين الآتي من باطن الأرض. عند النوم، أشعر بخيوط سوداء تخرج من أذني وتزحف على الوسادة.

الغرفة لم تعد غرفة، بل تجويفًا داخلياً في جمجمتي.

 

ذهبتُ إلى دائرة حكومية. وظيفة بسيطة، حارس ليلي.

الموظف البدين سألني:

“هل معك شهادة بأنك لست ميتاً..؟.”

ضحكتُ. ظننته يمزح.

فرك أنفه وكرر السؤال بجديّة:

“الموتى لا يحق لهم العمل، نحن نحترم الأنظمة.”

أخرجت هويتي. قال:

“لكن صورتك هنا غير واضحة. أنت الآن… بلا ملامح.”

وقّع على رفضي، وقال أخيراً:

“أنت لست مؤهلاً. الروائح الغريبة التي تصدر منك تُقلق الزوّار.”

 

عدت. أغلقت النوافذ. أطفأت كل شيء. لم أعد أخرج.

بدأت أسمع “هو”.

هو ليس أنا، لكنه يعيش بداخلي.

أنا: لماذا لا تصمت..؟.

هو: لأنك ضعيف.

أنا: أنا أحاول أن أفهم.

هو: بل أنت تحاول أن تنجو، وليس ثمة نجاة.

هو بدأ يتحكم في أعصابي. يحرّك يدي أحياناً، يجعلني أضحك حين أبكي، يكتب رسائل في دفاتري.

كلما نظرت إلى المرآة، وجدت صورتين تتنازعان. من منهما أنا..؟. ومن منهما “هو”..؟.

 

لم أعد أميز بيني وبيني.

“أنا” ذاب، وتحوّل إلى سائل رمادي يسيل من فتحات وجهي. عظامي رخوة، أصابعي تذوب كالشمع.

نظرتُ إلى المرآة… لم أرَ شيئاً.

سمعت همسة… من داخل فمي:

“الآن… أخرج أنا.”

ثم…

انفتح باب الغرفة.

من الداخل.

لكن لا أحد خرج.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…