المثقف الحقيقي … أين هو؟

سيروان قجو   

كثيرون من الكتاب تطرقوا إلى هذه المسألة الهامة، ونوقشت بشكل كبير من قبل الكثير من المهتمين بهذا الموضوع الحساس. لكن إلى هذه اللحظة لم تتحدد ماهيتها بشكل جدي ومفصل! فيا ترى، هل الموضوع صعب ومعقد إلى أبعد الحدود، أم ثمة عوائق تعترض طريقها، تحول دون التمييز بينها وبين المواضيع الأخرى المتشابكة؟
أسئلة تتبادر دائما إلى الأذهان، ما هي مواصفات المثقف الحقيقي؟ ما هي الأسس التي يعتمد عليها النقاد لتقييم المثقف؟ باختصار من هو المثقف؟
قد يكون هذا الموضوع كلاسيكيا زيادة عن اللزوم، وقد يكون طرحه في هذا الوقت بالذات نوعا من المغالاة على الواقع المعيشي، بالأخص في منطقتنا، التي باتت ملعبا للتناحرات الفكرية والسياسية وحتى الاقتصادية، وبات المثقف فيها تائهاً بين المناورات والصراعات المتناقضة. إلا أن وضع النقاط على الحروف يستوجب علينا بحثا شاملا قد لا تكون هذه السطور كافية لإشباعه! 
إذا ما أمعنا النظر في شخصية المثقف، أيا كان، فلا بد لنا أن نلاحظ تلك الازدواجية الموجودة في شخصيته، من خلال المجتمع أو البيئة التي يعيش فيها تفاصيل حياته اليومية. فترى الكثير منهم يعزف على ألحانه بعيداً عن آمال الجماهير – معتقداً نفسه في جمهورية أفلاطون المثالية – غير مبالٍ لما يدور حوله من أحداث وتغيرات في صلب المجتمع. وترى البعض منهم منهمكا بمتابعة الأحداث اليومية التي تجري في الشارع، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية… إلخ، مع العلم أنه لا يدرك معنى تلك الأحداث ولا يملك المفاتيح الحقيقية لمعالجتها وتحليلها بالشكل المناسب. لذا باستطاعتنا أن نطلق عليه صفة المراسل بين الشعب والطبقة التي تقرأ وتتابع الأحداث.
ثمة استفسار آخر يشغل بال المثقفين أو المتابعين لحال الثقافة: ما هي علاقة المثقف بالسلطة؟
في كثير من الأوقات تحاول الدولة وضع المثقف في خدمتها، وجعل كافة السبل أمامه مفتوحة ليفكر كما هي تفكر ويخطط كما هي تخطط وفق أجندتها ومصالحها. إلا أنّ المثقف الحقيقي هو الذي يثبت عكس هذه المعادلة ويغير مجراها. ويحاول بأقصى قواه الفكرية أن ينقذ الفرد من هيبة الدولة ويرشده كيفية تطبيق القوانين بعيداً عن الشعارات الجوفاء والأطر الضيقة.

طبيعة المثقف في المجتمعات الشرقية:

باعتقاد الكثيرين، أنّ المثقف الشرقي يتجرأ على نفسه ويقوم بأخذ عدة أدوار في آنٍ واحد، فهو شاعر وأديب وصحفي وسياسي وحزبي ..!! وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على حقيقة مجتمعاتنا التي لا زالت صورتها ضبابية، ولا زال الغموض يكتنف شخصيتها.
وإذا ما اعتبرنا أنّ الثقافة هي إحدى وجوه العمل السياسي، فهذا هو المبرر الوحيد الذي يملكه مثقفينا في الوقت الحاضر. ولكن ما زالت العلاقة بين المثقف والأحزاب السياسية ضرباً من التناقض. وإلى الآن لا نعرف ما هو موقف المثقف من الحركة السياسية، وما هو مدى تأثره بالثقافة الحزبية؟ ولعل الواقع السياسي الذي نعيشه في معظم البلدان الشرقية هو الذي خلط الأوراق ومزج الحابل بالنابل!
وختاما، لا بد من القول إنّ هناك الكثير من المثقفين، أثبتوا جدارتهم وأحقيتهم في تمثيل الشعب، رغم كل الظروف القاسية التي يعانون منها، بل ونالوا رضى الجماهير في أغلب الأحيان. واستطاعوا أن يكونوا مثقفين حقيقيين في مجتمعاتهم بفضل فطرتهم ومجهودهم الشخصي في ظل غياب المؤسسات الحقيقية التي تبني الفكر وتنميه، وفي ظل غياب القانون في دول لا تعترف بالإنسان ولا تحترم المبادئ والتشريعات الدولية.

خاص ثروة

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…