(انتقلت إلى رحمة الله تعالى وعفوه) بهية بنت عبد الرحمن آغا بن علي يونس

  جيم غازي

للوهلة الأولى لمن يسمع هذا الاسم بدون تفكير أو تركيز يعتبره أو يحسبه اسماً عادياً. ولكن كل كلمة وحرف منه لها دلالات كبيرة ومعاني عظيمة عندما يذكر علي يونس بالتأكيد تتذكر ثورة صاصون الذي قامت على يد هذا البطل والقائد الأسطوري سليل آل شرف (من أمراء منطقة صاصون). الذي قاوم ظلم وطغيان السلطة العثمانية التركية وانطلقت بداية القرن العشرين في كردستان الشمالية والتي تعتبر من أهم الثورات الكردية في العصر الحديث تزامناً وتضامناً مع ثورات كردية أخرى بدأت بذات الوقت كثورة الشيخ محمود الحفيد والثورة البارزانية المجيدة.
استمر ثورته حتى وفاته عام 1913 استلم الثورة من بعده نجله الأكبر محمد علي يونس واستمر حتى توفي عام 1930 وهو اسم قائد شهير لانتفاضة صاصون يتصدر اسمه قصيدة رائعة للشاعر جكرخين اسمها (شهنامة الشهداء).
ومن ثم استلم انتفاضة صاصون في المرحلة الثانية القائد عبد الرحمن آغا (أحد ابناء علي يونس) حتى عام 1934 ولأسباب إقليمية ودولية وانعدام الدعم اللوجستي للثورة (كما هي عادة اسباب انهيار اغلب الثورات الكردية تاريخياً).
بدأت عائلة علي يونس بالنزوح جنوباً إلى سورية النساء والأطفال والمسنين في البداية , ومن النازحات بهية عبد الرحمن آغا.
أما بهية فهي بنت القائد عبد الرحمن آغا شاركت في الثورة وتغذت بالشعور الوطني الكردي الأصيل واكتسبت أخلاق المقاتلة عن شرف وكرامة أرضها واكتسبت الأخلاق الحميدة والصفات الطيبة.
لقد كانت بهية المنظر طيبة الخلق عطوفة وحلوة قدها وابتسامتها التي لم تفارقها حتى آخر لحظة من حياتها. لم تكن تعرف الانفعال أو التوتر العصبي كانت دوماً تنصح بالتي هي أحسن..هادئة..لطيفة…
كانت قديسة في البيت مليئة بالإيمان صابرة رغم المصائب والجلل التي أصابتها وأخرها وفاة ابنها البكر (مصطفى عمر علي) أخذت من جسمها العضوي ما أخذ , لكنها لم تأخذ ذرة من وطنيتها أو تغير من طبعها أو أخلاقها العالية أو تضعف من عزيمتها.
لقد كانت عزيزة النفس أبية , كانت صامتة هذا الصمت يؤشر لبركان يتأجج في نفسها دون أن ينفجر , حدث هذا البركان في زمان ما وبقي في أعماق وجدانها حتى بعد الممات , لأن الوجدان والروح يبقيان في موت الإنسان .
والأصح أن تسمى بـ :بهية آغا لأنها كانت أغا في وسامتها وحلاوتها وتعاملها المحترم وعطفها ومساعدتها للفقراء والمحتاجين وفي أسلوب حديثها ووعيها وثقافتها التاريخية , لقد كانت آغا في هيبتها وإدارتها للعائلة بكل عطف ومحبة وحنان , إنما الآغا الكردي التاريخي الأصيل الشريف .
وإما صاصون : وما أدراك ما صاصون , إنها بقعة من أرض كردستان الشمالية إنها جنة من جنات الله على الأرض جبالها الشامخة , وديانها , ينابيعها ,غاباتها , ماشيتها ,طيورها , نرجسها ..بل الأغلى فيها ” آل علي يونس ” .
لقد نزحت بهية أغا مع عائلتها بعد أن نزلت من أعلى قمة في جبل مارتو وعبرت جبال كارمليح وارزيف وقلمسه , وودعت الأربعة عشر قرية هي مجموع قرى آل علي يونس على سفوح هذه الجبال : (ميركان نوالا – بارزانا زوري ـ بارزانا خواري – مالا شرف – كري عويس – كوندي نو – تروبِ – مالا خانو – كري كلو – سفيكان).
لقد تركو الغالي والنفيس فيها : الأرض لم يتمكنوا من حملها ولكنهم بالمقابل حملوا أشياء غالية جداً تمكنوا من حملها أو بالأحرى لم يتخلوا عنها , حملوا حريتهم وكرامتهم و شرفهم وبعض من ذكريات ملاحم بطولاتهم حدثت في ذلك الزمان وذاك المكان .
حملوا وطنيتهم وقوميتهم الكردية الأصيلة على أكتافها وتطبعت في مورثات دمائهم ووجدانهم.
وحملوا أيضاً خنجرهم الكردي على خاصرتهم بزيّهم التراثي الأصيل وبضعة نرجسات (نركزات) .
أه لم تمحى كل هذه الذكريات من مخيلة بهية آغا لقد بقيت معها ذكرى صاصون ومعاركها مع المحتلين حتى اللحظات الأخيرة من عمرها.
كيف تغلب الردى عليها وهم اللذين خوّفوا الموت ولم يخافوا منه في ملاحم صاصون وأساطيرها برجالها ونسائها.
لقد تكلم هيكلها الطاهر في أحد مساجد قامشلو وفي عاصفة رملية كثيفة اختفت فجأة نجوم السماء وقمرها حزناً عليها عندئذٍ ظهر شهب واضاء المنطقة مخترقة الغبار الكثيف ولماذا؟؟ لقد كانت ملاكاً على وجه الارض بكل معايير الإيمان والأديان .
فقديماً قالوا: بموت أحد المشاهير والقديسين يظهر شهب كبير في السماء فوقهم .
وتكلم هذا الهيكل البريء : ((لا تجزعوا ..لا تحزنوا.. عليّ إنني مسافرة إلى كوكب آخر بل إلى ..الجنة , بعد أن أمر على قرى صاصون وجبالها سوف اقطف باقة ورد من النركز والياسمين وحفنة تراب إن لم تكن من صاصون تكون من بارزان , لا فرق عندي طالما إنها من كردستان. ولن أودعكم بل سأكون في ضيافة أعزاء مشتاقة لزيارتهم لم أراهم منذ وقت طويل رفاق لي في ثورة صاصون ….إنهم شهداء ..)) .
في صباح اليوم التالي 10/9/2008
بدت السماء صافية هادئة بزوال تلك العاصفة الغبارية وظهرت النجوم في وضع النهار تقديراً ومواساة لها ودفنت في مقبرة العائلة مساحتها بضعة أمتار مربعة في مقبرة قدوربك بمدينة قامشلو وبحضور لفيف من الأهل والأصدقاء والمحبين .
دفنت في بقعة منخفضة بالمقارنة مع قمة جبل مرتون العالي (كثيراً ما تردد أسم هذا الجبل في أحاديثها الشيقة والمعبرة).
وفي الختام  وضع على قبرها باقة ورد نركز ورش حفنة تراب بارزان عليها وتلي على المعزين بيتين من شعر أمير شعراء الكرد أحمدي خاني وما معناهما :
مهما عشت وبقيت في الدنيا ورفاهيتها فمقرك ومنزلك الأخير هو الآخرة (من خانه إلى خاني) وإذا كانت حياة الدنيا تدوم لدامت للمصطفى محمد (ص)  قط لا تتكلم .
ثم قرأت الفاتحة على روحها الطاهرة ورحمة الله عليك يا بهية في الحياة وبهية في المماة واسكنها الله فسيح جناته .
هذا الروح الذي يبعث من جديد ليبقى رمزاً للوطنية ونبراساً للقيم الإنسانية والعائلية النبيلة .
(إنها ظلم الزمان وسخرية القدر)
21/9/2008  

قامشلو

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…