الزَّمنُ يداوي الجراح

  ميديا ريناس
التّرجمة عن الكرديّة : ديرام ونارين عمر

في ذلك اليوم كنتُ أنبشُ في أوراقي القديمة,فجأة وقعتْ عيناي على رسائلك، رسائلك الّتي كنتَ ترسلها لي عندما كنّا عاشقين،أتعرفُ كم مرّة حاولتُ أَنْ أمزّق تلك الرّسائل,وأَنْ أرميها لأنّها كانت تذكّرني بكَ؟! لكنّ قوّة خفيّة كانت تمنعني من فعل ذلك، فكنتُ أطويها وأعيدها إلى مكانها لا لأنّي أعيش ذات المشاعر والأحاسيس تجاهك، ولكن لأنّي لم أكنْ قادرة على مدّ يدي إلى ذكرياتي، لم أكن قادرة على مدّ يدي إلى تلك الّلوحات التي كانت ذات يومٍ تمثّل خيالاتي، وكانت مقدّسة لَدَيّ,وكنتُ قد أدركتُ أنّ الإنسانَ الذي يعبث بذكرياته سينقلب حضوره رأساً على عقبٍ لأنّها كانت تعبّرُ يوماً عن وجوده وحضوره.
كنتُ قد استوعبتُ أَنَّ الزَّمنَ كفيلٌ بتغيير كلِّ شيءٍ ،إِحساس النّاس،أفكار النّاس،مصائر النّاس،أفراحهم,وغاياتهم بما في ذلكَ اعتقاداتهم وقد غيّرك وغيّرني أيضاً.
أَحياناً أطرحُ على نفسي سؤالاً وأقول:
يا تُرى هل كنتَ أَنتَ الشّخص الذي أحببته وتقاسمتُ الحبّ معه؟! هل كنتَ أَنتَ ذلك الحبيب الذي قلّب حياتي رأساً علَى عقبٍ ؟هل كنتَ حبيبي حقاً أم عن طريقك كنتُ أبحثُ عن حبيب,عن عاشقٍ ,حبيبٍ لايوجد إلا في أحلامي؟؟!! لكنّني أيقنتُ فيما بعد أنّ ” العشقَ ” ليس هُوِيَّة عصرنا الذي نعيشُ فيه، فالعِشقُ يتواجد فقط في القصص التي سردها علينا أجدادنا وسنقصّها على أولادنا بدورنا!!
كنتُ أعلمُ وتَعلمُ أَيضًا أَنَّكَ لستَ لي ولا أَنا لكَ لكن هذه الفكرة لم تكن تجرح شعوري ولا شعورك،ما كانت تحزنني،لأنّني كنتُ أعرف تماماً أَنّكَ لن تكونَ من نصيبِ شخصٍ آخر ولن أكونَ أنا من نصيبِ أحدٍ، لكنّك فِي تلك اللحظة كنتَ لي ؟نعم كنتَ لي ؟ كنتَ لي بكلّ أشلائك وجوارحك, بروحك،بجسدك،بقلبك كنتَ لي وكنتُ أحطمُ معك كلّ الحدودِ والعقبات.
كم هو أمرٌ ممتعٌ أن يعرفَ الإنسانُ أنّ شخصاً ما لَه وحده دون سواه وإن كان ذلك لبرهة من الوقت, لذلك الشّعور طعمٌ خاصّ مميّز،لأنّنا شعبٌ لم نتسيّد بعد(لم نصبح أسياداً وأرباباً) دائماً وفي كلّ حين الآخرون يكونون أسيادنا وأربابنا،وحتى إن أصبحنا أرباباً فإنّ الأشخاص الذين نكون أربابهم لاينظرون إلى أنفسهم على أنّهم تابعون لنا.
أحببتُ رجولتك ونحن في زمَنٍ قلّ فيه وجودُ الرّجال الحقيقيين،وللأسف تركتْ الرّجولة مكانها شاغراً.
أحببتُ طموحاتك التي لا حدودَ لها في زمنٍ طوّقتنا فيه الحدودُ.
أحببتُ كبرياءك في زمن تحوّل كلّ البشرِ فيه إلى أناسٍ أنانيين يظنّون أنّ من حقهم امتلاك كلّ شيءٍ لأنّه يليق بهم دون سواهم.
أحببتُ روحَ الطّفولةِ التي تحملها بين جوانحكَ,والوهج المشعّ من شبابك وكأنّها المرّة الأولى التي تلمسُ فيها يدكَ يدَ فتاةٍ.
فيما بعد تساءلتُ بيني وبين نفسي : هل كنتَ هكذا فعلاً، أم أنّني كنتُ هكذا أراك؟! أو كنتُ أريد أن تكون هكذا,أو هكذا كنتُ أحبّ أن تكون؟؟!!
كانت المرّة الأخيرة ولم يكن واضحاً فيما إذ كنّا سنلتقي بعد حين أم لا ؟ كنتُ أقرأ في عينيك مقدارَ مودتكَ وعشقكَ لي، لكن الدّهرَ أحدثَ تقاطعاتٍ بين سبلنا،يا للعجبِ, ماذا يفعل الدّهرُ ولايفعل ؟ أيّة نكبات يجلبها لنا؟! أيّة سبلٍ يفتحُها أمامنا؟! إلى أين يوجّهنا وإلى أيّة أوطان؟!هذا ما يفعله الدّهرُ بنا,بصمتٍ افترقنا عن بعضنا البعض، وطبعاً كلانا كان يحبّ الصّمتَ, وكنّا على قناعةٍ تامّةٍ أنّ الكلامَ يشوّه جمال الأشياء ” ؟
فجأة سقطتْ رسائلك من يديّ على الأرض وتناثرتْ كتلك السّنين النائية التِي خلت بيننا وأنستني إيّاك,لتظلّ مجرّدَ ذكرى مخبّأة بين أوراقي.
أحياناً أقول بيني وبين نفسي:
ربّما لم نكن أنا وأنتَ ذلك العاشقين!يحتمل أنّني قرأتُ هذه القصّة في كتابٍ ما، أو سمعتها من بعض الأشخاص ؟

ربّما صرنا أنا وأنت قصّة من آلاف القصص, لكن لحسن الحظّ “أنّ الزّمنَ يداوي كلّ الجراح “.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أميرة لوند

التراث والأجواء:

مهرجان زاخو الدولي: ملتقى الفن والتراث في أحضان الخابور، تألقت مدينة زاخو العريقة، بوابة كوردستان النابضة بالتاريخ بانطلاق فعاليات مهرجان زاخو الثقافي الدولي الذي تحول إلى تظاهرة فنية وثقافية كبرى تجمع بين أصالة الماضي وإشراقة الحاضر. وشهد المهرجان حضوراً لافتاً من المثقفين والفنانين والوفود الدولية ليتحول الحدث إلى جسر حقيقي للتواصل الثقافي والإنساني…

نارين عمر

حين يغفو المساء
أتصفّح مفكّرة نهاري
ألمّ شمل صور موبوءة
بحمّى الرّادار تشعّ
من نقوش تتقمّص متاهة الطّلاسم
تتمازج الصّور تتناغم النّقوش
أدير العدسة الرّادار صوب
جهات مرئيّة في جغرافيّة الفكر
كمشدوه إلى حماقة حكيم
أفتح الفم نصف فتحة
من صورة لم أتنبَّه إلى ولادتها
كطبيب يرى نبض مريض الغيبوبة
يتأرجح بارتباك
أمعن النّظر في منقوشة خانتها
ألوان قوس قزح
أرخي معصرة الفكر
أمتصّ عصيراً مزاجيَّ المذاق
أتابع اهتزاز الصُّور
أبتلع…

ا. د. قاسم المندلاوي
الفنان الراحل “عدنان دل برين”

الفنان الراحل “عدنان دل برين”، واسمه الحقيقي “عدنان موسى”، أطلق على نفسه لقب “دل برين” بعد وفاة والدته، إذ ذهب إلى قبرها وبكى طويلا متأثرا بفقدانها، ومنذ تلك اللحظة سمى نفسه بهذا الاسم، الذي يعني “صاحب القلب المجروح”. وهو موسيقي ومغن وملحن عفريني، اشتهر في غرب كوردستان.

<p...

إبراهيم اليوسف

صدر حديثاً عن دار النخبة للنشر والتوزيع في القاهرة كتاب جديد بعنوان” عين ديوار تاريخياً وجغرافياً” للباحث والكاتب عمر إسماعيل، في طبعة أنيقة جاءت في نحو 458 صفحة من القطع المتوسط، متضمناً دراسة موسعة وشاملة عن واحدة من أهم القرى الكردية الواقعة في أقصى شمال شرقي سوريا.

وقد قدّم للكتاب الكاتب والباحث خورشيد شوزي، الذي…