لقمان ديركي من «ضيوف يثيرون الغبار» الى «لا غبار عليك»

فتح الله حسيني

 يقول الشاعر السوري، منذر المصري “أول ما تعرفت على عباس بيضون قال لي: (إن لم تكن كردياً ولا تركمانياً ولست من السلمية، إذن أنت شاعر سوري… حاف!؟)، وبعد أن يسرد، المصري، عدداً من أسماء المبدعين الكرد السوريين الذي خدموا المشهد الثقافي السوري برمته، يردف “هل يحتمل الشعر السوري شاعرين من آل الديركي أحدهما لقمان ؟!)..
إذاً لقمان ديركي ، الشاعر الآتي من أقصى الشمال السوري، وخاصة من مدينة الدرباسية في القامشلي السورية، مسقط رأسي ورأسه اليابسين، كما وصفت، في إحدى كتاباتي الصحفية، يظل هو هو، الشاعر الذين يرتب فوضاه، بفوضى أكثر ضجيجاً وبقلق أكثر حرارة من القلق، هو شاعر، وسيناريست، وممثل، ومسرحي، وله باع طويل في الحقل الإبداعي السوري والعربي، بدءاً من  مجموعته الشعرية الأولى “ضيوف يثيرون الغبار” التي صدرت، ونحن، ما نزال طلبة بعد، في جامعة حلب السورية، والى ظهوره كممثل في شاشات التلفزة العربية المختلفة، والى كتابته للسيناريو للتلفزيون، لتكون الحصيلة مسلسلين، هما ” شو حكينا” و” حالات”، ثم ظهوره كممثل في أكثر من مسلسل سوري، بدءاً من مسلسل “سيرة آل الجلالي”، من سيناريو صديقه في جماعة ألف، الكاتب خالد خليفة والى مسلسل “الزير سالم” من سيناريو صديقه الراحل الشاعر والمسرحي ممدوح عدوان، بالإضافة الى انه أحد تجليات الشخصية السورية التي تلائم في تناقضاتها عروض “وان مان شو”، التي ظهرت مؤخراً في سوريا.

لقمان ديركي شاعر الأمكنة بامتياز، والملتقط لتفاصيل الدهشة، سواء في الشارع أو في البار، أو في الحديقة، أو صالة السينما، أو في حالات السير الاعتيادية، وله ذاكرة مليئة بالصور، لا تخونه، مثلما هو لا يخون نفسه.
 في قصصه المتناثرة، كما في قصائده، يحيلك هذا المبدع الكردي من أقصى ركن الكوميديا الى أقسى تخوم التراجيديا، فيضحكك الى حد البكاء، فننسى أننا في زمن صاخب ضاج، زمن موحش ننتمي اليه، مثلما لقمان ينتمي اليه، فيظل مخلصاً للمكان الأول، لأعراس الدرباسية، ومطربيها، وتجارها، وسياسييها، وجيرانه الذين ودعوه الى حلب منذ طفولته الأولى، منذ ولوجه الى عالم أكثر فسحة من المكان الأول، ليظل، هو ، كما هو، بطبعه، وفياً الى حد التأمل المفرط، لكل تلك الأشياء التي مرت سريعاً، ولكن بقيت في ذاكرته، تتأرجح وتتمرد كلما كان هناك حنين ما، كأنه يحن الى موقف حدث أول من أمس، وليس أكثر من عقدين ونيف.
في آخر مجموعة شعرية له ” لا غبار عليك” يقول الشاعر الكردي السوري، لقمان ديركي:
كل يوم، و أنا أصعد الدرج، أجدك لاهثة تنتظرينني أمام الباب. ‏
بعينيك السوداوين حيناً والزرقاوين حيناً آخر، نحضر الطعام معاً، وتنهرينني كي آكل أكثر ، وفي المساء أجدك بجانبي على السرير، ألاعب شعرك الأسود حينا والأشقر بعد حين ، وأنام مطمئنا على صدرك صباحاً‏.
أجدك ما زلت بجانبي بيضاء حيناً وسمراء حيناً آخر.
يعتبر الشاعر ديركي، من أهم رواد ملتقى حلب الجامعي في نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم، ابان الصخب الابداعي في جامعة حلب، ليكون أحد الرافضين لقوالب الملتقى الروتينيين، وليهتف في إحدى منتديات الملتقى، قبل البدء بقراءة قصيدته “الى طفلة اسمها  حلبجة..” أبان مرحلة الكيمياء والحرائق المميتة للكرد، للكرد وحدهم..
صدر للشاعر والقاص لقمان ديركي حتى الآن، عدة مجاميع شعرية وقصصية، منها “ضيوف يثيرون الغبار ” في حلب، “كما لو أنك ميت”، “وحوش العاطفة”، و”الأب الضال”، “لا غبار عليك” في دمشق، “سيرة الهر المنزلي”، مجموعة قصصية عن دار رياض نجيب الريس في العاصمة اللبنانية بيروت..
يكتب لقمان ديركي، قصيدته، كما يحرك احساساً من دم غير مهدور:
“لا تعبرْ من أمام البيت، وإذا عبرتَ، فلا تلتفتْ، لأنك لا تعرف، أن في البيت، من يشتاق إليك، لا تطرق الباب، وإن لمحتني، لا تعانقني، لأنك لا تعرف، أن في هذا الجسد ، من يشتاق إليك، اقتلني ، وصفّر بفمك، كأنك لم تفعل، ولا تَسَلْ عني، ومزق صورتي في عينيك، لا تبحث عني في الشوارع، أو البارات، ولا تأخذ بكلام الناس، أعرفني وحدك، فتقتلني وحدك، وتبقى روحي في جثتي تشتاقُ إليك”..
ديركي الذي طالب، في مقالة له، بأن يصنع له تمثال، أسوة ببقية المبدعين، لأنه ضجر من المشهد الثقافي ولأنه تابع الرديئ منه، يعرف نفسه، أنا لقمان ديركي ، أنا من شعراء الثمانينيات في سوريا، ثم نتذكر، حروبه الأدبية التي لا تنتهي، ولن تنتهي بكل تأكيد، فهو يخوض غمار تجربته الشعرية التي انطلقت في العام 1994 مع مجموعة “ضيوف يثيرون الغبار”، ولن يكتفي، فهو مازال مواظباً على الكتابة والسفر.
هذا التذكر، راهناً، بهذ الشاعر، الصديق، المبدع، احتفاء شخصي، بلقمان ديركي، الذي يحتفي دوماً بالمكان، ويظل وفياً للشعر كوفائه لذاته الشاعرة، قبل الوفاء بوعود وهمية، هو يصنعها، ثم يتلفها، كأنه يتلف مسودة قصيدة.

صحيفة “الإتحاد” بغداد

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

 

ليست الكتب كلها سواءً في لحظة الكتابة، كما ليست الأزمنة كلها سواءً في قابلية الاحتمال. هناك كتب تُكتب في هدوء المكاتب، وكتب تُصاغ في العزلة المديدة، وكتب أخرى تُنتزع من بين أظافر الحريق. وكتاب الطاغية في سقوطه الأخير ينتمي، من أول صفحة إلى آخر امتداد فيه، إلى هذا الجنس الثالث: جنس الكتابة التي لا…

غاندي برزنجي

 

أقام فيدراسيون الكُرد السوريين في هولندا يوم السبت ١٨-٤-٢٠٢٦ وفي مدينة آرنهيم الهولنديّة احتفالاً ثقافيّاً وفنيّاً بمناسبة مرور مئة وثمان وعشرين سنة على اصدار أول جريدة كُرديّة في العاصمة المصريّة القاهرة بجهود الراحل مقداد مدحت بدرخان .

حضر الاحتفال أكثر من ثمانين شخصاً من ممثلي الأحزاب السياسيّة الكُرديّة والجمعيات الثقافية والحقوقيّة بالإضافة إلى شخصيّات تعمل…

علي شيخو برازي

 

زاوية الشيخ مسلم السروجي (الشيخ مسلم التبردار), التي أخذت حيزا كبيرا في الطقوس الدينية لدى عشيرة الشيخان في سهل سروج منذ العهد الأيوبي, وكان هذا المزار ذا قدسية خاصة لديهم, حيث يرقد شيخهم ومعلمهم الشيخ مسلم, ونرى هذا التأثير الكبير من خلال آلاف الأشخاص الذين يحملون اسم هذا…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُعَدُّ فكرة ” الدَّورة الحضارية ” من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905 _ 1973 )، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر ( 1880_…