مازلنا صغاراً يا صاحبي

عمر كوجري

   كانت الطفولة التي عشناها في القرية قلقة وحادة، فلم نهنأ نحن أبناء الريف في تلك المرحلة المبكرة من طفولتنا حتى بالكهرباء، كان المعلمون عنيفين معنا، وبرعوا في زرع كره العلم والتحصيل في نفوسنا، بكفوفهم التي جعلتنا نرى النجوم تتلألأ أمام عيوننا الغضة البريئة، وبعصواتهم الغليظة وخيزراناتهم الرفيعة التي رسمت خطوطها على قفا أيادينا وظهورنا استطاعوا أن ينفرونا من المدرسة ومنغصاتها ومتطلباتها من استيقاظ مبكر من النوم وقرقعة العظام جراء البرد القاتل في صباحات الجزيرة المجنونة وارتدائنا ما خف من ثياب رثة اكتسبناها من إخوتنا الكبار، وحل الوظائف واستظهار الدروس على ضوء الفانوس الشاحب الذي أدمى عيوننا، ووجوهنا التي كانت صفراء لا روح فيها،  ونحن نتقاتل للظفر بمكان قريب منه، وأحياناً كن مستعدين لنُسيِّلَ الدماءَ من أنوف أخوتنا الأصغر لنكون لصق الفانوس وضوئه.
   لهذه الأسباب مجتمعة كنا «بألف يا ويل» ننجز المطلوب منا في المدرسة، ولم تعرف عقولنا الريفية أن هناك كتباً خارج مجال كتبنا المدرسية.

  في المرحلة الإعدادية سأتعرف على الكتاب أول مرة، وأول مرة أعلم أن في مدارس المدينة مكتبة وأميناً للمكتبة اسمه يوسف بحدو، أول كتاب استعرته من مكتبة إعدادية يوسف العظمة كان ضخماً شدني إليه الغلاف الأنيق وصورة رجل بنظارة سميكة اسمه «اللامنتمي» لكولن ويلسون، انكببت على قراءته كالفجعان، وانتهيت منه في مدة قياسية لكني لم أفهم منه شيئاً، وتتالت القراءات وخاصة القراءات الروائية والشعر على حساب متابعة دروسي ووظائفي في المدرسة مما عرَّضَني لفلقات المدرسين والخطوط الحمراء تحت اسمي.
  في أواسط الثمانينيات وفي مدينة القامشلي كان سليم بركات مالئ دنيا العديد من مثقفي الجزيرة، ورويت أخبار عنه جعلت منه أسطورة، فهذا احتفظ برسائل يقول إنها من سليم، وذاك يحتفظ بصورة له، ومعظم القصص كانت مجانبة للواقع. وأجلُّ ما استهواني في سليم في تلك الفترة صورته بـ « الشيال» وشعره الكثيف.
صرت أبحث بنهم عن كتاب لسليم دون الظفر به، وبعد لأيٍ حصلتُ من أحد الأصدقاء على كتاب الجندب الحديدي «السيرة الناقصة لطفل لم يرَ إلا أرضاً هاربة فصاح: هذه فخاخي أيها القطا»
    كنا ندنو بسرعة من عطلة امتحان البكالوريا، توقعتُ أن الجندبَ الحديدي سيكون مثله مثل أي كتاب آخر أقرؤه، وأضعه على الرف، لكنه كان خلاف كل ما قرأت من كتب كنت أستعيرها من أصدقائي، أو من مكتبة ثانوية الطلائع في القامشلي، آنذاك صدقت كل الأساطير التي نسجت عن سليم، بل صرت أحد مريديه، وصرتُ أتباهى أمام أقراني أنني أقرأ سليم بانتظام، لكن في القرية لم يكن لاسم سليم أي بريق..
  كتاب الجندب الحديدي جعلني أعيد قراءة روحي وطفولتي المحروقة مرات ومرات.. كنا في طفولتنا نحيا الحياة التي عاشها بركات بصخبها وجنونها ولا معقوليتها لكننا لم نعر اهتماماً بكل طيشنا وارتكاباتنا الفظة بحق كل مَنْ وما حولنا .. ربما كانت طفولتنا أقسى وأشرس من طفولة سليم بركات غير أنَّا عشناها دون أن نتقرى حرائقها ودمارها الهائل.
سليم أعاد إلينا الوعي لنعيد قراءة تلك الطفولة صفحة صفحة، كنا نغرق في الطين دون أن نعي لماذا الطين يعشق قرانا الغائبة كل ذلك الحب.. كنا نرى الينابيع الحنونة وهي تشطر تعرُّجَ المسالك في قرانا دون أ ن نعلم أن للينابيع قلوباً تخفق، وعشاقاً زفوا إلى غضبها آن مطر.
  لقد فعلنا أفظع ما كان يقوم به سليم وأقرانه، لكن الجندب الحديدي أعاد الحياة إلى رماد شغبنا، ورسم لقساوتنا وجنوننا شكلاً آخر خلاف ما كنا نشتهيه.
   سليم الذي عشق الخابور كان يتلذذ بأسراب القرويات، وهن يهربن من ظهيرة الجزيرة القاتل، ويركضن بأثوابهن الطويلة نحو الماء.. الذي سيحررهن من ثيابهن الطويلة، ويعيدُ إليهنَّ بعض الألق وبعض الخدر أيضاً. كنا أيضاً نرى الواقعة عينها ، والماء الذي كان يرسم بهاء الأجساد، ويجعل الثوب يحن إلى الجسد فيلتصق به ليزوغَ المنظرُ عيونَنا وهي تقرأ تلك الأجساد الغضة، وقد تكور فيها ما تكوَّر .. الماء ذاته والمنظر ذاته كنا نعيش عبث لحظته لكن فتيات ضيعتنا لم يكنَّ جريئات بما فيه الكفاية ليخلعن ثيابهن بعد الخروج من الماء، وينشرنها على العليق لتجف، ويبقين عاريات « يتخفين وراء الشجر حيناً أو يبرزن دون اكتراث بالعيون تستقرئهن »
  كنا كفهود جائعة  نظل ننتظر أن يفعلن شيئاً كالذي قرأناه في جندب سليم ولكن لا فائدة، فقد كانت فتيات قريتنا أذكى من شغبنا الطفولي، وكل محاولاتنا للظفر بصيد ثمين كانت تسير إلى رابية الفشل.
    لا أعرف عدد المرات التي قرأت فيها بمتعة لا تضاهيها متعة كتاب الجندب الحديدي، وكنت كلما أشعر أن روحي تحطبت، وأني أركض بسعر مجنونة نحو فيافي الجنون كنت أستعيد توازني النفسي مع ثلوج بركات التي غالباً ما كانت تشعل وجه الأرض بالبياض المر لتخط في أعماقي ذلك الكلام الأبيض.. أتذكر أن ثلج سليم لم يكن أي ثلج، مازلت أتذكر أن ثلجه كان يطنُّ كنحل لا يعرف التعب.. كان مثل طيور ويعاسيب، وكان سليم يحمل« أضاميم من أزاهير الثلج، ومدائح بيضاء لهذا الجنون الأبيض»
سليم رغم أن أصابعنا قد نالها السهر وهي تحوم مع فراشات الوهم، ورغم أننا عشنا طفولة طاعنة في الأسى والخراب، فلم نعرف كيف نغادرها، بيد أن الجندب مازال يَصِرُّ، ويقفز، ويطير حول طفولتنا التي

نثرناها على قارعات الطرق.. ومازلنا صغاراً ننشد واحة غادرناها على عجل.. ولا يفيدنا الندم.. «مازلنا صغاراً يا صاحبي»

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خلات عمر

لم يكن الطفل قد فهم بعد معنى الانفصال، ولا يدرك لماذا غابت أمّه فجأة عن البيت الذي كان يمتلئ بحنانها. خمس سنوات فقط، عمر صغير لا يسع حجم الفقد، لكن قلبه كان واسعًا بما يكفي ليحمل حبًّا لا يشبه حبًّا آخر.

بعد سنواتٍ من الظلم والقسوة، وبعد أن ضاقت الأم ذرعًا بتصرفات الأب…

خوشناف سليمان

لم تكن الصحراء في تلك الليلة سوى صفحة صفراء فارغة. تنتظر أن يُكتب عليها موتٌ جديد.
رمل يمتد بلا نهاية. ساكن كجسدٍ لا نبض فيه. و الريح تمر خفيفة كأنها تخشى أن توقظ شيئًا.
في ذلك الفراغ توقفت العربات العسكرية على حافة حفرة واسعة حُفرت قبل ساعات.
الحفرة تشبه فمًا عملاقًا. فمًا ينتظر أن يبتلع آلاف البشر…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، اليوم، بحزن، نبأ رحيل شقيق الزميلة رقية حاجي:

نايف أحمد حاجي
الذي وافته المنية في أحد مشافي هولير/أربيل عن عمر ناهز ٥٩ عامًا.

يتقدم المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا بخالص العزاء للزميلة رقية حاجي، وللفنان حسين حاجي، وللناشط عبدالكريم حاجي، ولعموم عائلة…

صبحي دقوري

في لحظة ثقافية نادرة، يتصدّر الموسيقار الكوردي هلكوت زاهير المشهد الموسيقي العالمي بعدد أعمال معتمدة بلغ 3008 أعمال، رقمٌ يكاد يلامس الأسطورة. غير أنّ أهمية هذا الحدث لا تكمن في الرقم نفسه، بل في ما يكشفه من تحوّل جذري في مكانة الموسيقى الكوردية ودورها في المشهد الفني الدولي.

فهذا الرقم الذي قد يبدو مجرّد إحصاء،…