بيوار إبراهيمآذارنا الذي يطحننا و نطحنه, آذرنا الذي يقبلنا و نقبله, آذرنا الذي يبكينا و يفرحنا و لكننا لا نستطيع أن نبكيه أو نضحكه نبقى صامتين في حضنه نبكي عندما يبكينا و نضحك عندما يضحكنا. هذا الآذار نفسه يخبرنا كم نحن عراة الذاكرة التي تنتظر حضور كهنة الأحلام لينشدوا تراتيلهم بصلبانهم المذهبة و تباشيرهم اللاشعورية.
خانتاه و سقطت فوق الشاهد الذي يحمل اسم المناضل محمد نذير مصطفى.هكذا يبدأ و هكذا يمضي الدرب, آلاف اللعنات و الكبوات تنزل بوابلٍ من غضبها على كل صوت و كل يد و على كل خطوة تتقدم بالمسير نحو الشمس و نحو النور و حتى نحو الثلج و النار…
في أول لقاء لهما بعد رحلة المرض و بعد الرحيل الأخير, رحيل الدهشة التي أدهشتنا بصمته النبيل, لقاء آذاري يبتعد بنفسه عن الهسيس و الصراخ و عن الحياة و الموت… لقاء تحدث بنفسه عن نفسه للزمن الذي ترك في قلوب القهر و العذاب قهراً و عذاباً أكثر و أكثر… لا شيء أوضح مما يحاول المرء إخفاءه و لا شيء أقسى من رسم الابتسامة فوق شفاه الحزن لكنه رسم تلك الابتسامة المبللة بدمعتين فوق شفاه حزنه و سقى بحضوره أوراقاً تساقطت من كبد النسيان إلى قلب الحاضر.
هل يحتاج المرء أن يناضل و يصرخ بصوته بالصمت…؟ الصمت و لا شيء غيره يرفض الاعتراف بالضعف و الهزيمة و بالذل و الخنوع. كان لنا أن نخون الزمن و كان للزمن له أن يخوننا لكن, لا نحن و لا الزمن توقفنا عن طحن الحروب بين النور و الظلام و بين الحب و الحقد… و النتائج دائماً في مصلحة الزمن الذي لا
يرضى لنا أن نكون في حضنه أحراراً كما ولدتنا أمهاتنا. الزمن الذي علمنا إن العطف المبالغ فيه يؤدي إلى الضعف و شعور المسئولية المبالغ فيه يؤدي إلى القسوة. لكن الحياة تجبرنا أحياناً أن نذوق مرارتين, مرارة موت الموت و مرارة موت الحياة, علمنا أن نذوق نبيذاً يكون في البدء مهذباً و أسطورياً خارقاً يحول الليل إلى نهار و النهار إلى قوس قزح و لكن ما أن ندمنه حتى يجعل من الحياة جحيماً. لا أعتقد إننا أدمنا على نبيذ القهر الذي لا يتزحزح عن بتر وريد واحد في حياة تتصدى للنمور من الأبواب الأمامية و لا تدرك أن الذئاب تتسلل إليها من الأبواب الخلفية و مع كل هذا نهدهد الزمن و معها نهدهد نفوسنا من أعماقها و نقول: أن الخسارة أحياناً ” تكون” انتصار و الموت حياة و المرض شفاء و الهرب مواجهة.استيعاب التآلف بين الدمعة و الابتسامة و بين الزمن و الزمن روح يسكن في خربشات الأنين و الوجع و قلب ينبض داخل أرض حملت قلوباً تتعامل مع الزهور دون أن تقص جذورها, قلوباً مضت في دربها السرمدي من الأمس العريق و حتى الغد المشرق قلوباً علمت الزمن و الحياة:
” من يتغذى العجرفة يتعش العار”.

التعليقات (0)