خواطر رمضانية ( 2 ) فلسفة الصيام

علاء الدين عبد الرزاق جنكو

 

لا شك أن العبادات التي شرعها الله تعالى لعباده إنما هي لحكمة ربانية تصب في مصلحة العبد عاجلا أم آجلا ، فإذا ما تمكن الإنسان من معرفة الحكمة كانت تلك العبادة معقولة ومعللة ، وإذا لم يهتدي مع ما أوتي من الفعل إلى حكمة تلك العبادة كانت عبادة غير معللة وبالتالي الحكمة منها تعبدية ، على الأقل في فترة معينة ، لأنه قد يأتي فيما بعد من يفك رموز هذه الحكمة ويعرف معناها ويكشف أسرارها .
والصيام من العبادات المعقولة المعللة الواضحة المعالم والآثار على جميع المستويات سواء الفردية منها أو الجماعية ، أكثر تلك المعالم والآثار بينها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . فيا ترى لماذا نصوم ؟  أو ما هي الآثار والثمار التي نقطفها من رياض الصيام الوارفة الظلال ؟
الآثار كثيرة ومتعددة ، والمكان لا يتسع لذكرها مع تفاصيلها ، لذا نحاول أن نسرد بعضها مجردة عن الأدلة إلا القليل لأنها حقيقة عند الصائم أوضح من يذكر لها دليل !! فمن تلك الآثار :
1 – أنه يجلب التقوى : والتقوى كما عرفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( هو العمل بالتنزيل ، والخوف من الجليل ، والاستعداد لما بعد الرحيل ) وبهذا المعنى يكون للصوم أثر على سلوك الفرد ظاهرا وباطنا ، وترتيب لحياة المسلم بشقيه الدنيوي والأخروي ، ولا شك أن الصيام وسيلة عظيمة لاكتساب ملكة التقوى .
2 – يذكر الإنسان فضل الله تعالى عليه وفضله  : فندما يترك الإنسان الطعام والشراب وهما الأساس في استمرارية حياته ، يشعر بنعمة الله تعالى العظيمة عليه في إعطائه ما يحتاجه ، ويشكره على سلامة حواسه ، وخلوه من الأسقام التي تحول دونه والأكل ، وفي هذا الشهر يعرف الغني فضل الله تعالى عليه بإقداره على ما منعه على الكثيرين من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح ، ولابد والحالة هذه أن يشكر العبد ربه ، متمثلا في طاعته والعمل بما يأمر سواء كان في رمضان أو غيره .
3 – يعلم الإنسان على الصبر : وما أحوج الإنسان للصبر لذا سمي رمضان بشهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : ( الصوم نصف  الصبر ) .
4 – تزكي الأنفس وتزرع الأخلاق : فنشر الأخلاق الإسلامية مقصد عظيم ، من مقاصد الإسلام ، وجميع العبادات تساعد في بناء ونشر هذا المقصد العظيم ، ومن بينها الصيام ، ففي الصيام يرجع الإنسان لنفسه ، ويجعل كل يوم من رمضان محطة محاسبة ، ثم أن الصوم رادع عن كثير من الأمور التي قد تكون داخلة في عادات بعض الناس ، لذا  جاء الحديث النبوي مبينا لنا أن الصوم الحقيقي – بالإضافة إلى الإمساك عن الطعام والشراب – هو ترك الرذيلة والبعد عن كل ما يسيء إلى الفرد والمجتمع ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور العمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) .
5- بناء المجتمع المتراحم المتعاون : هذا البناء المتمثل في زوال الفوارق الطبقية بين الناس ، والمشاركة من قبل الجميع كل يسعى في إدخال البهجة والسرور في قلب أخيه ،كل يقبل من أخيه ما يصدر منه ، كل يتحمل ما يساء إليه امتثالاً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ( فليقل إني صائم ) ، وصلاة التراويح تجمع الأحبة كل ليلة ، والإفطار الجماعي المنتشر في أغلب البلدان الإسلامية ترسم أطياف الحب الممتدة بين قلب المنفق وقلب المحتاج !
بحق إنه المجتمع المثالي 000 إنه المجتمع الذي يتطلع إليه أصحاب الفطر السليمة 00000 فليت كل أيام السنة مثل شهر رمضان في حيويته وفلسفته .
ومن هنا كانت الدساتير والقوانين الإلهية المنقوشة في نفوس المؤمنين المسلمين تفوق بكثير القوانين والفلسفات المادية والتي تسعى جاهدة لإنقاذ جيل من البشر 000000 لكن مقابل تدمير وإبادة أجيال أخرى من أبناء البشر !!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي:

أبناء ديركا حمكو….منطقة كوجرا….ودشتا هسنا…..خصوصا والأعمار التي تبدأ بالأربعين تقريبا يتذكرون الأعراس الفلكلورية القديمة والتي كانت تقام في البيادر والفلا وتحت أشعة الشمس وضوء (اللوكس) المعلق على عمود صغير وأحيانا تحت ضوء القمر الصيفي .وصوت المزمار لم تكن تفارق الأذن إلا بعد أيام وأيام وصوت الطبل كانت تسمع…

صدر عن دار تاسك للنشر والتوزيع في الجزائر- أمريكا- إصدار جديد بعنوان “جكرخوين… رسول السهل والجبل” للكاتب إبراهيم اليوسف، يقع الكتاب في نحو مئتي صفحة من القطع المتوسط، ويشكّل إضافة نوعية إلى المكتبة الكردية والعربية، من خلال مقاربة توثيقية تعتمد الشهادات والحوارات والقراءة الثقافية لشخصية الشاعر الكردي الكبير جكرخوين، أحد أبرز رموز الشعر والهوية الكردية…

د. زردشت حاجو

في 15 مايو 2026، تجمع العديد من الضيوف في قاعة “تيفولي” بمبنى اتحاد النقابات العمالية الألماني (DGB) في بريمن للاحتفال بيوبيل مزدوج: “اليوم العالمي للغة الكوردية” والالتزام المستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود لتدريس اللغة الكوردية كلغة أم في ولاية بريمن.

وبالتعاون مع لجنة كوردستان التابعة لنقابة التعليم والعلوم (GEW)، كرمت الجمعية الكوردية للتعليم…

كيفهات أسعد

لا أحبكِ كما لو أنكِ مسبحةٌ من الكهرمان أو الياقوت.
لا أحبكِ كسيارةٍ قديمةٍ تتدرّج بغرورٍ وسط زحام المدينة.
أحبكِ بالطريقة الوحيدة التي أتقنها،
تنبت بين ظلّكِ وروحي،
بلا غرور،
بلا مواربة،
كي أستردَّ الواقع من الحلم،
كي أعصر قصائدي بماء الزهر،
وأنقّي كلماتي الرعوية في مدح حزنكِ الجميل،
في مدح امرأةٍ أطحتُ بقلبها كمطرٍ صيفيٍّ في روحي.
فمها برعمُ حبقٍ في شقوق الرخام.
منتشياً…