قصائد حُبلَى بالنَّغم

  صبري رسول

مسكوناً بشعرية مفعَمةٍ بالنَّغم الجمالي، ومسكوناً بهاجس السّرد الشّعري، يرسم الشّاعر محمد مطرود قصائده الشعرية في مجموعته الثَّالثة(ما يقوله الولد الهاذي) كزهراتِ نرجسٍ تعشق المطر، تأتي قصائده حبلى بالنَّغم الشعري، مشحونةً بهمٍّ النّاس، وسلطة المكان، وسطوة الأنثى، وحبِّ الأطفال بكلّ شغبهم، ومن جهة أخرى لا يقوى على فكِّ نفسِهِ من السّرد بوصفه الفنّ البديل المنافس للشّعر عند العرب. تتألّف المجموعة من إحدى عشرة قصيدة نثرية، والقصيدة الرابعة مؤلَّفة من ستِ حركات، كل حركة يتوسّمها عنوانٌ فرعيٌّ. جاءت خمسة عناوين مؤلفة من كلمة واحدة( الدائرة، الأنثى، المخدوع، تحول، أهوج) وكأنَّها قلقة ، خائفة، ستختفي من الشّاعر، فيُسرع إلى الاحتفاظ بها؛ وأربعة عناوين أخرى صِيغَت بتركيب المضاف والمضاف إليه، ويُعرفُ نحوياً أنّ المضاف اسم نكرة يستمد معرفته بإضافته إلى اسم معرّف، ويكتسب قوته الدلالية منه مثل(( صورة النّص، صورة العاشق، وقع الخديعة، قلق السّارد)) وبقية العناوين تنقسم بين الصفة وغيرها.
يُلاحظ أنّ الشاعر يحاول في هذه المجموعة تقديم شيءٍ مغاير، لغة مغايرة، لوحة شعرية غير مألوفة ليتجاوز كتاباته السّابقة، ومكمّلة لها في الوقت نفسه، حيث تسبحُ ريشتُه الشّعرية في فضاءات مفتوحة على معانٍ منفلتة من أصابع التأويل(( ماذا لو كنت شجرة/العصافير فوقي/ والصغار يرمونني بحجر/كأني عدوّهم/آآآآآه/ لو يعلم هؤلاء الصغار/كم أنا سعيد ببهجتهم/وحزين لأن العصلفير فرَّت))ص18
يلهثُ الشَّاعر وراءَ جمالياتٍ ينسجُهَا بخيالٍ جامحٍ، وبلغةٍ يستعصي على الكثيرين فهم أفكارها المختبئة، وراءَ أكمةِ حروفٍ لا تمنح مفاتيحها للقارئ بالسهولة، أو الإحاطة بمعانيها كما في اللُّغة العادية المبسطة، المباشرة.
ولجوءُ الشَّاعر إلى لغةٍ ثريةٍ وخصبة، يحرثُها المجازات المتوالية، يجعل من نصوصه مفتوحةً على تأويلاتٍ كثيرة، خاصَّة عندما تكون مقطوعته الشعرية قد رُسِمَت بنَفَسٍ شعريٍّ واحد، ومن خلال جملٍ متلاحقة متدفقة، يحتاج المتلقي إلى طاقات تعبيرية هائلة وثقافة لغوية لتفكيك التركيب الشعري ومعرفة ما يدور في ذهن الكلمات(( قصيدة ملك ما: كن صوت المكان/ والجسد المتنازع عليه في خرائطه لسان حال: برأني من دم الغريب ومن دمي/يهفو إلى القصيدة/ويشعل ليلها بآخر الضوء/يقول: لا تبرئ أحداً…))ص83
إذا حانت من القارئ التفاتة إلى عنوان المجموعة، بوصفه المفتاح لفكِّ البوابة الشعرية، ظنَّ بأنّه عنوان مجموعة نثرية، قصة، رواية، غير ذلك. العنوان ، العتبة النّصية، إلى المجموعة، يوحي، بدلالة كلماته«ما يقوله الولد الهاذي »إلى نصٍّ حكائي، هذا المؤشّر السّردي في عنوان المجموعة يتكرّر مبثوثاً في عناوين ونصوصٍ أخرى، كعناوين «أنا سارد الخديعة»، في الحركة السادسة من الحركات الستّ لقصيدة« نصّ الخديعة» -الحركات الستّ-)وقصيدة «قلق السارد، بعض الولد سيرته» مما يؤكّد على علاقة ما بين الشّاعر والفن السّردي، وكأنّنا أمام نصّ سردي مقسّم إلى العناوين السابقة.
وفي ثنايا النصوص لا يخلو الأمر من السّمة السّابقة كما في قصيدة(الدائرة) وإذ أساله أخيراً/سؤال العارف ما يريد/أين داري الجديدة يا أبي /قال: انظر….. فنظرت/رأيت الناس بصمات الدم على الأرض/ورأيتني مثل بقية الناس ظل دمهم/أمشي خلف نعشهم أو نعشي/قلت: ماهذا/ قال:  اسكن ما رأيت/ فسكنت.ص48
يلاحظ القارئ أن هذه المقطوعة أسلمتْ عذريتها الشعرية لعناصر سردية.
( قال: انظر…نظرت…قلت ما هذا قال: اسكن) فهذا الحوار يوحي للقارئ بأنه أمام نثرٍ مفعمٍ بالشعرية. لكن يحاول الشاعر التخلّص من فنية السّرد الشعري، رغم بريقه الجمالي ليجعل من لغته الخاصة، لغة الدّهشة الشّعرية المتشظية إلى صور غير مألوفة، مستفيداً من إيحاءات الألفاظ من خلال إعادة توظيفها بمعطيات جديدة ضمن بنية النص ورؤيته، وهذه اللغة الكثيفة تلمع في ثناياها صورٌ شعرية، تأخذ مفرداتها دلالات جديدة في الصياغة الشعرية التي تسبقُ أنفاس القارئ (( كنت ابن قافية وسرد وحروف علة تغنى/يتبعني الصوت كخراف مشوهة، فأنا السارد الراعي/ لساني عصاي، وأملك عصا غليظة/ أهش بها قطعان الموسيقى ونفير الحرب الأخيرة، ولي فيها مآرب أخرى.))ص104

جاءت لغة المجموعة مُدهِشة، حيثُ استخدام الكثافة اللُّغوية في التَّعبير الشِّعري يولّدُ شلالاً متدفّقاً من المعاني والصور المتلاحقة، يلاحقها المتلقي بنَفَسٍ لاهثٍ، فتتكوّن بينه وبين النّص علاقة تقاربٍ وألفة، وتكتسب الكلمات مدلولاتٍ متغايرة، فهي تفصح عن الأشياء في ذاتها وعن معانيها في العالم الموضوعي، تتداخل تلك الأشياء في ذاتية الشاعر ويختصرها، معيداً تكوينها من جديد، فتأتي الصياغات الشعرية غامضة لا تكشف عن مقاصد خفية((كم رأيتني شجراً فقيراً في سيرته/كم كنتُ الغابة الخرافة/ والليل الذي يطلقُ سراح المكبوت/ والقول الخفي متنكرين رواته))ص69.
دلالاته الشعرية مفتوحة على تأويلاتٍ عدة، لا يمكن الجزم برؤية محددة ومغلقة، نصوص الشّاعر لا تستسلم نفسها للقارئ بالسهولة التي يتصورها في بادئ الأمر، إنّها كامرأة مغرورة تتغنَّج وتهرب إلى حيث الإغراء، فيُمسك بها الفاتك اللهج، الخبير بأمر المفردات الشّعرية.
رؤيته للجماليات الشعرية تؤثر على صياغة التراكيب والبنى اللغوية، وعلى إيجاد علاقات جديدة بين المعنى وبنية التركيب، واستخدام الصورة الشعرية كأداة فعالة في الاستحواذ على دهشة المتلقي، فبغير تلك البلاغة الرّهيفة والصعبة، اللّينة والقاسية،الأليفة والموحشة لاتكتمل لذة النّص الشعري لدى محمد مطرود((وصرتُ لهم كلما اشتهوني ظلاً وقطيعاً عطشاً/وصورة مجوفة لجدٍ قديمٍ وطائر الأسطورة/ يرتدّ عن خطّ الأفق/ لم أقو أن أكون/ليتني كنتُ ثمراً يهفون إليه، أو ماء)) ص112.

ما يقوله الولد الهاذي
مجموعة شعرية للشاعر محمد مطرود
دار الرّائي – دمشق ط1 – 2009

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تقديم عام للكتاب

يأتي كتاب “القراءة: قصص ومواقف” للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد (2026) كمشروع فكري وأدبي طموح، لا يكتفي بالحديث عن القراءة كفعلٍ تقليدي، بل يغوص في أبعادها الوجودية والاجتماعية والنفسية. ينتقل المؤلف عبر فصول الكتاب من التأمل الشخصي إلى النقد الثقافي، ومن السرد الذاتي إلى التحليل المجتمعي، مقدماً رؤية شاملة ترفض التبسيط السائد في خطاب تمجيد…

إبراهيم محمود

هنا حيث انت كُباني
هناك
كما أنت أنت كباني
مرتّلةُ حجراً باركته السماء
مكلَّلة أملاً أعلنته السماء
وصاغت بها المعاني
تحيلين بردك بُرداً
تحيلين جوعك وُرْداً
تحيلين صمتك ورداً
وملؤك كردية مذ تجلى الإله
ومالت جهات إليك
وهابك ناء وداني
هي الأرض تصعد باسمك
أعلى كثيراً من المتصور طبعاً
سماء تشد خطاك إليها
كعادتها، وترفل في الأرجواني
وباسمك حصراً
كما أنت
تاريخك الحي باسمك
أعني امتشاق حِماك المصاني
سريرك في أُفُق الأمس
واليوم
والغد
كرديّ
دون ارتهان
أراك كباني
كما…

ا. د. قاسم المندلاوي

قبل الدخول إلى صلب الموضوع، الموت والخزي والعار ومزبلة التاريخ لطغاة تركيا وسوريا الظالمين الإرهابيين، الذين لم يكتفوا ولم يشبعوا من قتل الأبرياء، بقيادة شيخ الإرهاب العالمي أردوغان وتلميذه الإرهابي أحمد الجولاني، من سفك دماء الأبرياء من الكورد واليهود والأرمن والآشوريين والدروز والعلويين والمسيحيين والعرب وغيرهم.<br...

صبحي دقوري

ليس سليم بركات من أولئك الكتّاب الذين يُقاسون بموازين الذوق الشائع، ولا ممن تُفهم كتابتهم على عجل، ولا ممن يصلحون للتداول السريع أو القراءة العابرة. والحق أن من يطلب من نصوصه السلاسة، أو يتذرّع بغموضها، أو يتهمها بالنخبوية، إنما يكشف – من حيث لا يدري – عن عجز في أداة التلقي،…