صبري رسوليلهثُ الشَّاعر وراءَ جمالياتٍ ينسجُهَا بخيالٍ جامحٍ، وبلغةٍ يستعصي على الكثيرين فهم أفكارها المختبئة، وراءَ أكمةِ حروفٍ لا تمنح مفاتيحها للقارئ بالسهولة، أو الإحاطة بمعانيها كما في اللُّغة العادية المبسطة، المباشرة.
ولجوءُ الشَّاعر إلى لغةٍ ثريةٍ وخصبة، يحرثُها المجازات المتوالية، يجعل من نصوصه مفتوحةً على تأويلاتٍ كثيرة، خاصَّة عندما تكون مقطوعته الشعرية قد رُسِمَت بنَفَسٍ شعريٍّ واحد، ومن خلال جملٍ متلاحقة متدفقة، يحتاج المتلقي إلى طاقات تعبيرية هائلة وثقافة لغوية لتفكيك التركيب الشعري ومعرفة ما يدور في ذهن الكلمات(( قصيدة ملك ما: كن صوت المكان/ والجسد المتنازع عليه في خرائطه لسان حال: برأني من دم الغريب ومن دمي/يهفو إلى القصيدة/ويشعل ليلها بآخر الضوء/يقول: لا تبرئ أحداً…))ص83
إذا حانت من القارئ التفاتة إلى عنوان المجموعة، بوصفه المفتاح لفكِّ البوابة الشعرية، ظنَّ بأنّه عنوان مجموعة نثرية، قصة، رواية، غير ذلك. العنوان ، العتبة النّصية، إلى المجموعة، يوحي، بدلالة كلماته«ما يقوله الولد الهاذي »إلى نصٍّ حكائي، هذا المؤشّر السّردي في عنوان المجموعة يتكرّر مبثوثاً في عناوين ونصوصٍ أخرى، كعناوين «أنا سارد الخديعة»، في الحركة السادسة من الحركات الستّ لقصيدة« نصّ الخديعة» -الحركات الستّ-)وقصيدة «قلق السارد، بعض الولد سيرته» مما يؤكّد على علاقة ما بين الشّاعر والفن السّردي، وكأنّنا أمام نصّ سردي مقسّم إلى العناوين السابقة.
وفي ثنايا النصوص لا يخلو الأمر من السّمة السّابقة كما في قصيدة(الدائرة) وإذ أساله أخيراً/سؤال العارف ما يريد/أين داري الجديدة يا أبي /قال: انظر….. فنظرت/رأيت الناس بصمات الدم على الأرض/ورأيتني مثل بقية الناس ظل دمهم/أمشي خلف نعشهم أو نعشي/قلت: ماهذا/ قال: اسكن ما رأيت/ فسكنت.ص48
يلاحظ القارئ أن هذه المقطوعة أسلمتْ عذريتها الشعرية لعناصر سردية.
( قال: انظر…نظرت…قلت ما هذا قال: اسكن) فهذا الحوار يوحي للقارئ بأنه أمام نثرٍ مفعمٍ بالشعرية. لكن يحاول الشاعر التخلّص من فنية السّرد الشعري، رغم بريقه الجمالي ليجعل من لغته الخاصة، لغة الدّهشة الشّعرية المتشظية إلى صور غير مألوفة، مستفيداً من إيحاءات الألفاظ من خلال إعادة توظيفها بمعطيات جديدة ضمن بنية النص ورؤيته، وهذه اللغة الكثيفة تلمع في ثناياها صورٌ شعرية، تأخذ مفرداتها دلالات جديدة في الصياغة الشعرية التي تسبقُ أنفاس القارئ (( كنت ابن قافية وسرد وحروف علة تغنى/يتبعني الصوت كخراف مشوهة، فأنا السارد الراعي/ لساني عصاي، وأملك عصا غليظة/ أهش بها قطعان الموسيقى ونفير الحرب الأخيرة، ولي فيها مآرب أخرى.))ص104
دلالاته الشعرية مفتوحة على تأويلاتٍ عدة، لا يمكن الجزم برؤية محددة ومغلقة، نصوص الشّاعر لا تستسلم نفسها للقارئ بالسهولة التي يتصورها في بادئ الأمر، إنّها كامرأة مغرورة تتغنَّج وتهرب إلى حيث الإغراء، فيُمسك بها الفاتك اللهج، الخبير بأمر المفردات الشّعرية.
رؤيته للجماليات الشعرية تؤثر على صياغة التراكيب والبنى اللغوية، وعلى إيجاد علاقات جديدة بين المعنى وبنية التركيب، واستخدام الصورة الشعرية كأداة فعالة في الاستحواذ على دهشة المتلقي، فبغير تلك البلاغة الرّهيفة والصعبة، اللّينة والقاسية،الأليفة والموحشة لاتكتمل لذة النّص الشعري لدى محمد مطرود((وصرتُ لهم كلما اشتهوني ظلاً وقطيعاً عطشاً/وصورة مجوفة لجدٍ قديمٍ وطائر الأسطورة/ يرتدّ عن خطّ الأفق/ لم أقو أن أكون/ليتني كنتُ ثمراً يهفون إليه، أو ماء)) ص112.
ما يقوله الولد الهاذي
مجموعة شعرية للشاعر محمد مطرود
دار الرّائي – دمشق ط1 – 2009







التعليقات (0)